الاثنين 7 محرم 1424 هـ الموافق 10 مارس 2003 يجد القاريء نفسه هنا على موعد مع فضح شامل للاساليب التي تلجأ اليها شركات صناعة الغذاء في اغتراف الارباح من جيوب المستهلكين بغض النظر عن اي اعتبار لصحتهم، ومع كشف للابعاد الحقيقية لهذه الصناعة كما يتم القاء الضوء على كيفية تلاعبها بصحة البشر اجل تحقيق مكاسب بمليارات الدولارات. ومؤلفة الكتاب هي ماريون نسلة، استاذة ورئيسة قسم دراسات التغذية والاطعمة في جامعة نيويورك والتي عملت مستشارة للسياسة الغذائية في وزارة الصحة والخدمات الانسانية، وهي تنتمي الى عائلة ذات ماض ـ وحاضر ايضا ـ في صناعة الغذاء، ولم يمنعها ذلك من انتقاد السياسات الغذائية لصناعة الطعام وتأثيرها على الصحة. في بدايات القرن العشرين كان عدد كبير من الأطفال يموتون نتيجة اصابتهم بالأمراض المعدية، وازداد الأمر سوءاً بسبب تناولهم الاغذية ذات السعرات الحرارية القليلة، والتي تفتقر إلى العناصر المغذية. وعندما توصل العلماء إلى ان النظم الغذائية يمكن ان تحمي صحة الاطفال ضد المرض، أشاروا باتخاذ اجراءات أدت في النهاية الى اختفاء علامات سوء التغذية بين الأطفال الأميركيين، وساعد تدعيم الطعام بالحديد مثلاً على تخفيض معدلات الاصابة بالانيميا إلى المستويات المنخفضة الحالية، وحمت برامج وجبات الغذاء المدرسية الأطفال من الموت جوعاً. واعتبرت هذه الاجراءات من أعظم انجازات القرن العشرين بالنسبة للصحة العامة. ويعتبر الدخل عاملاً أساسياً في تغذية الأطفال، وتضرب المؤلفة مثلاً لذلك بما أورده تقرير ادارة الصحة العامة عام 2000 من بيانات تفيد ان اصابة الاطفال بالأنيميا الناشئة عن نقص مادة الحديد وصلت في الغالب إلى الضعف بين الاطفال البالغ عمرهم سنتين، والذين تعيش أسرهم تحت خط الفقر. ويعاني 8% من أطفال الأسر ذات الدخل المتدني من قصور في النمو بالنسبة لمن هم تحت خمس سنوات من العمر. وهكذا ترى المؤلفة ان الفقر يظل أهم خطر يهدد أطفال أميركا بأمراض سوء التغذية، ولا تزال العائلات الأميركية الفقيرة محرومة من الأمن الغذائي في بلد ثري. وفي الجزء الثالث من الكتاب تتحدث ماريون نسلة عن «استغلال الأطفال وافساد المدارس» وهذا هو العنوان العريض الذي اختارته لذلك الجزء، وهي ترى ايضاً ان حصول الأطفال على كمية قليلة من الطعام هو جزء من المشكلة وان من أسباب القلق على صحة الأطفال جميعاً ـ سواء كانوا فقراء أو أغنياء ـ تناولهم الكثير من أنواع الأغذية الخاطئة، واستهلاكهم بشكل عام لكمية كبيرة من السعرات الحرارية. وتعتبر البدانة اليوم أهم المشكلات الخطيرة التي تؤثر على صحة أولئك الأطفال، على الرغم من وجود عوامل مساعدة أخرى إلى جانب السمنة، مثل نوعية الطعام وكميته. ومن هنا يجب بحث جهود تسويق منتجات الأغذية للأطفال مباشرة بحثاً دقيقاً. الصغار في دائرة الخطر وتزداد معدلات السمنة بسرعة بين الأطفال والمراهقين. وتفيد تقارير أطباء الأطفال أنهم وجدوا أطفالاً مصابين بارتفاع مستويات الكوليسترول والضغط المرتفع، وبالغين مصابين بداء السكري منذ وقت مبكر من أعمارهم. وترى ماريون نسلة ان تفشي ظاهرة السمنة بين الأطفال تنتج عن تفاعلات اجتماعية واقتصادية وديموغرافية وبيئية معقدة، ففي الولايات المتحدة كانت الوفرة الزائدة في منتجات صناعة الطعام ان النظام الغذائي بالنسبة لمعظم الأطفال الأميركيين لا تتفق مع التوصيات الغذائية. وفي 1997 كانوا يحصلون على 50% من السعرات الحرارية من الدهون والسكريات، وكان 1% فقط من الأطفال يتناولون أطعمة تقترب من النسب التي توصي بها النصائح الطبية. وفي العام التالي وجدت عملية مسح اجريت آنذاك ان 2% فقط من المراهقين في ولاية كاليفورنيا الأميركية يتناولون أطعمة ملائمة. كما وجدت العملية ان الاطفال الذين لا يتلاءم نظامهم الغذائي مع التوصيات الصحيحة هم الذين يتناولون كميات أكثر من المشروبات الغازية وغيرها من الأطعمة ذات السعرات الحرارية العالية والتي تحتوي على عناصر مغذية قليلة. والواقع ان الأطفال الأميركيين يتناولون وجبة من ثلاث وجبات يومياً خارج البيت حيث الأطعمة ذات السعرات المرتفعة والدهون والشحوم المشبعة والأملاح الزائدة، فضلاً عن افتقارها إلى العناصر المغذية. وتقول المؤلفة ان تلك المعلومات المحبطة تدعونا إلى الانتباه إلى عادات الأطفال الغذائية والى الأساليب التي يؤثر بها المجتمع على جودة وكميات الطعام الذي يتناولونه. ويعتبر تسويق الاطعمة واحداً من هذه المؤثرات، ولكنه يثير مسائل أخرى مهمة، خاصة عندما تتعمد استهداف الشباب والاطفال الذين يتأثرون بسرعة. ويلاحظ ان تسويق طعام الاطفال هو صناعة كبرى سواء كان ذلك داخل البيوت أو في منافذ بيع الوجبات السريعة أو في المدارس. وقد أدرك خبراء التسويق ان الاطفال هدف جذاب، وقد ازداد اهتمام هؤلاء الخبراء بأجيال الزبائن الصغار والأصغر فالأصغر، زيادة حادة في السنوات الأخيرة، ويسهل التعرف على أسباب ذلك، فقد زادت النقود كثيراً في أيدي الاطفال وترك لهم المجتمع المزيد من حرية اتخاذ قرارات الشراء. وتوصلت الدراسات في أواخر الثمانينيات من القرن العشرين إلى ان مشتريات الاطفال بلغت 6 مليارات دولار في السنة، وانهم مارسوا تأثيرهم على قرارات الانفاق العائلية التي وصلت الى 132 مليار دولار أخرى. أما الدراسات التي أجريت منذ وقت قريب فإن انفاق الأطفال ما بين 3 ـ 5 سنوات من العمر بلغ 5,1 مليار دولار، وانهم أثروا على انفاق 15 مليار دولار أخرى. وقد بلغ دخل الاطفال من 4 ـ 12 سنة أكثر من 27 مليار دولار، ومارس الأطفال نفوذهم بشكل عام على أولياء الأمور الذين أنفقوا 188 مليار دولار. وتزداد مبالغ النقود في أيدي الأطفال كلما زادت أعمارهم. فقد أفادت التقارير ان الأطفال من عمر 7 ـ 12 سنة أنفقوا 9,8 مليارات دولار، أما المراهقون فقد بلغ انفاقهم 119 مليار دولار. وكان الرأي السائد عموماً ان الصغار من عمر 6 إلى 19 سنة كان لهم تأثير على قرارات الشراء عام 1999 بحيث وصل الانفاق إلى مبلغ ضخم هو 485 مليار دولار. قوة شرائية مدهشة هذه الزيادة المدهشة في القوة الشرائية لدى الأطفال ونفوذهم تعود إلى اتجاهات اجتماعية عدة، فقد أدى تناقص حجم العائلات الى السماح للآباء بالمزيد من الاهتمام بالطفل الواحد، والآباء الأكبر سناً أصبحوا أكثر ثراء، وبالتالي يمكن أن يكونوا أكثر تدليلاً لأطفالهم. أما أرباب الأسر العاملون، أو رب الأسرة الواحدة، فقد أملت الضرورة عليهم ترك المزيد من المسئولية للأطفال، وإذا صغنا هذه الاتجاهات في عبارات كلاسيكية قديمة لقلنا «يبدو ان أطفال اليوم قد تم افسادهم». وتثير ماريون نسلة نقطة مهمة تتصل بأمن الاطفال وسلامتهم في أميركا، إذ ترى ان قلق الناس على السلامة في الأحياء جعلهم يمنعون مشي أطفالهم إلى المدارس، ولعبهم في الحدائق، وقيادة الدراجات، أو التجول وحدهم في المدن. وتعود المؤلفة الى عهد طفولتها فتقول انها وأقرانها في مدينة نيويورك في الاربعينيات والخمسينيات، كان يسمح لهم بركوب مترو الانفاق واكتشاف المدينة وهم في الثامنة من عمرهم، وهي حرية في الحركة يستحيل تصورها في هذه الأيام بالنسبة لأطفال في هذا العمر. ولا تشجع التغييرات في المجتمع الآن على ممارسة النشاط خارج البيوت، وبدلاً من ذلك تشجع على مشاهدة التلفزيون وألعاب الفيديو والانترنت. وبالطبع، فإن هذه الأنواع من النشاط لا تكتفي بربط الأطفال بمقاعدهم، بل وتعرضهم ايضاً لاعلانات لا حصر لها عن منتجات معروضة للشراء. وفضلاً عن ذلك تصل ضغوط الرسائل الإعلانية حتى على الاطفال الأكبر سناً. والاطفال في هذه الأعمار المبكرة تلفت أنظارهم أشكال الاصناف المعلن عنها وتدفعهم إلى تفضيلها. أما الصغار الأكبر عمراً فهم يتعرفون على المحال التي تبيع الاشياء التي يرغبونها، ويميزون بين منتج وآخر، ويتفهمون الرسائل الإعلانية وأهداف تجار التجزئة والغرض من النقود. ويعتبر الأطفال الذين في السابعة أو الثامنة من العمر مشترين محنكين، ويستطيعون التسوق بأنفسهم، ويبحثون عن المعلومات عما يريدون شراءه، ويتباهون بالاشياء التي اشتروها أمام الأطفال الآخرين. ويولد الانفاق الانتقائي الذي يقوم به الأطفال أنماطاً للمفاضلات لديهم، قد تدوم مدى حياتهم، وتكتسب تلك الأنماط أهمية كبيرة، خاصة بالنسبة للطعام، ولذلك فإن الأطعمة والمشروبات تحتل المرتبة الثالثة في انفاق المراهقين بعد الملابس والتسلية. وفي 1977 أنفق الاطفال نحو 8 مليارات دولار من مالهم الخاص على الاطعمة والمشروبات، ذهب منها مليار دولار لشراء الحلوى والمشروبات الغازية. وتزداد الأموال المنفقة على الطعام مع زيادة الأعمار، فقد أنفق الاطفال من عمر 7 إلى 12 سنة 35,2 مليار دولار عام 1977 على الأطعمة الخفيفة والمشروبات، وأنفق المراهقون 58 مليار دولار. الهدف التسويقي هذه الأرقام وحدها توضح كيف أن الاطفال، مهما تفاوتت أعمارهم، يمثلون هدفاً مغرياً للتسويق، بحيث ان شركات الاغذية تبذل أقصى الجهود للوصول اليهم. ولا تخجل حملات شركات المشروبات الغازية من وصف الاطفال ما بين 8 إلى 12 سنة بأنهم «الهدف التسويقي». ويشجع المعلنون تسويق بضاعتهم بين الاطفال ذوي السنوات التسع بناء على مقولة منطقية مفادها ان الأطفال في هذه المرحلة، وخاصة البنات، ينضجون مبكراً. وتوجه بعض شركات الوجبات السريعة اعلاناتها وموقعها على الانترنت إلى الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 8 الى 13 سنة، وتوجهها شركات أخرى نحو أطفال ما قبل مرحلة المراهقة. ففي يناير 2000 خصصت احدى الشركات مبلغ 15 مليون دولار للقيام بحملة اعلانات لمدة خمسة أشهر لترويج منتجاتها المحلاة بالسكر بين الاطفال. ومن الملاحظ ان بائعي الأغذية على أتم استعداد لاستخدام جميع الوسائل للوصول إلى الأطفال، مهما كانت أعمارهم، وهم ناجحون في ذلك الى أقصى حد. والوسيلة المعلنة الواضحة هي الاعلان في التلفزيون والانترنت، ولكن شركات الأغذية تصل إلى الأطفال بوسائل أخرى ليست بهذه العلنية، وبعضها داخل المدارس أو خارجها. ولذلك ارتفعت الأموال التي أنفقت على التسويق مباشرة للأطفال وأولياء أمورهم من 9,6 مليارات دولار عام 1992 إلى 7,12 مليار دولار عام 1997. ويدفع جزء من هذه الأموال لأبحاث التسويق التي تصيب الانسان بالدهشة لشموليتها ومستوى تفاصيلها وانتهازيتها السافرة. ويستطيع أي شخص يذهب الى المكتبات أن يكتشف في لحظة أفضل الوسائل لاستغلال الاتجاهات والقوى المحركة للعائلات لدفع الأطفال الى شراء أو طلب منتجات معينة. ويحدد خبراء أبحاث التسويق العناصر الأساسية للاعلان، وتصميم العبوات، وحروف الطباعة، والصور، والمحتوى، والتي تهدف في معظمها إلى ترغيب الأولاد والبنات من أعمار مختلفة في شراء المنتجات. ومن المدهش أن تصل الجرأة بالمعلنين للأطفال الى حد تبرير نتائج أبحاثهم بأنها عبارة عن «خدمة عامة». وتدافع شركات الأغذية عن استهدافهم للأطفال بوسائل متعددة لا تعتبرها المؤلفة جميعاً مقنعة لها. ومن بين هذه الوسائل ادعاء الشركات أن استخدام الاعلان للأطفال هو تعبير عن حرية الكلام، وان اعلاناتهم تشجع الاطفال على تناول طعام الافطار أو المنتجات الصحية، كما تزعم انه لا يوجد طعام واحد يسهم في السمنة أكثر من غيره، وان ممارسة الرياضة ـ لا النظام الغذائي ـ هو مفتاح التحكم في الوزن. ومن المفارقات الغريبة ان مسوقي الأغذية يشتكون من ان تلك الوسيلة ليست مؤثرة بشكل خاص، وذلك على الرغم من انفاقهم مليارات الدولارات على الإعلانات الموجهة إلى الاطفال. وهناك مفارقة اخرى، وهي زعم مسوقي الأطعمة ان الاعلان يساهم في التعليم الغذائي، وان المسئولية الأولى في تحديد المقادير الغذائية تقع على عاتق أولياء أمور الاطفال والأمهات اللائي يحددن الوجبات. كذلك يقول «ان ما هو صالح في التجارة صالح لأميركا».. و«ان فكرة النشاط التجاري هو في عمومه عمل شرير وفكرة مضللة جداً، ذلك لأن هذا النشاط هو الآلة التي تدفع اقتصادنا». ولكن المؤلفة ترى ان ما يثير الشكوك من هذه الادعاءات هو حقيقة أن التسويق للأطفال صناعة كبيرة موجهة الى عقول ساذجة. ويعتبر علماء النفس وغيرهم ان هذا «تلاعب غير عادل يستغل المشاعر المتصارعة لدى الصغار»، ويحثون على فرض قيود على استغلال الابحاث السيكولوجية للمعلنين عن الاطعمة والمنتجات الأخرى الموجهة للأطفال. وقد ظلت تأثيرات الإعلان في التلفزيون على صحة الاطفال وأحوالهم الانفعالية وعاداتهم الغذائية، مصدر قلق لأسباب ثلاثة: السبب الأول: ان الاطفال يشاهدون التلفزيون لساعات طويلة. والسبب الثاني: هو ان عدد الاعلانات التجارية كبير وهي تتكرر بلا حدود. ويتمثل السبب الثالث في أن الاطفال يفتقرون الى القدرة الانتقادية التي تساعدهم على التمييز بين محتوى البرنامج التلفزيوني والإعلان التجاري. وتهتم المؤلفة بما تذكره بعض الاحصائيات في اميركا من هبوط نسبي في الساعات التي يشاهد فيها الاطفال التلفزيون، وان كانت نسبة الصغار الاكبر سنا لا تزال اكبر من الاطفال بكثير، وتحذر الكاتبة من خطأ تصور ان الاطفال بذلك اصبحوا اكثر نشاطا، واكثر استهلاكا للسعرات الحرارية، بل العكس صحيح لانهم يجلسون ساعات اطول عن ذي قبل امام الكومبيوتر واجهزة العاب الفيديو، وهناك اتجاه ظهر حديثا وهو زيادة ساعات مشاهدة برامج مصممة خصيصا للصغار الاكبر سنا، وترتبط هذه البرامج مباشرة بالمنتجات التجارية مثل الهامبورغر والوجبات السريعة، ولهذا فان بعض الشركات التي تسوق هذه الاطعمة ترعى مثل تلك البرامج الخاصة، ودون ذكر الاسماء العديدة التي اشارت اليها المؤلفة صراحة، يكفي ان نقول ان احدى شبكات التلفزيون الموجهة لهذه الفئة من الاطفال الكبار كانت تدخل 63 مليون منزل في اميركا وتستحوذ على اكثر من نصف وقت مشاهدة الاطفال، واصبحت تلك الشبكة واحدة من بين ثلاث شبكات تلفزيونية تحقق اعلى نسبة من الارباح، وقد بلغت نفقات سوق الاعلان التلفزيوني وحده في عام نحو مليار دولار. وليس غريبا ان يحقق انفاق هذه الاموال الطائلة على هذه الاعلانات مردودا كبيرا. وتشير الابحاث الى ان الاطفال يستجيبون بدرجة اكبر للاعلانات التجارية التي تدغدغ رغباتهم في اللهو والمرح الصداقة بين الاطفال والتغذية، فضلا عن ذلك فإن الاطفال الذين تقل اعمارهم عن تسع او عشر سنوات لا يستطيعون فهم الاختلاف بين الاعلانات التجارية والبرامج التلفزيونية، وبعد هذه السن يبدأ معظم الاطفال في ادراك اهداف تلك الاعلانات وان ظلت هناك مع ذلك فرصة لحدوث الخلط في التمييز بينها. وحتى طلاب المدارس الثانوية يلقون صعوبة في التمييز بين الاعلانات التجارية والبرامج عندما تواجههم رسائل اعلانية متنكرة في الشكل الفني للمنوعات والمعلومات او بيانات الخدمة العامة. تساؤلات تكفي الزيادة الهائلة في حجم الاعلانات التجارية وحدها لاثارة التساؤلات حول مدى تأثيرها وخاصة في وقت ذروة المشاهدة بالنسبة للاطفال، اذ تزيد «قذائف» الاعلانات في تلك الاوقات زيادة حادة جدا، وتستولي الاطعمة والمشروبات المشكوك في قيمتها الغذائية مثل حبوب الافطار والحلوى والوجبات السريعة، وانواع الصودا والفطائر ورقائق البطاطس المحمرة، على نسبة عالية من حجم الاعلانات، ولم يستطع الباحثون العثور على اعلان تجاري واحد يدعو الى تناول الفاكهة، او الخضروات او الخبز او السمك ومعنى ذلك ان الاطفال معرضون للمزيد من الاعلانات المتكررة عن الاطعمة ذات القيمة الغذائية المنخفضة. ومنذ بداية السبعينيات ادرك الباحثون اثر الاعلانات التجارية في التلفزيون في توجيه اختيارات الاطفال للاطعمة وانواع الحلوى المختلفة، وقد اوضحت الدراسات ايضا تأثيرات هذه التلفزيونات على مقادير السعرات الحرارية والصحة واللياقة البدنية والنظرة الاجتماعية لدى الاطفال الاميركيين، وتفيد تلك الدراسات الى ان لاطفال الذين يشاهدون معظم الاعلانات يميلون الى اكتناز مزيد من السعرات الحرارية، مما يؤكد النتائج الموثقة التي تربط بين البدانة وعدد ساعات المشاهدة. وقد اصيب الباحثون بالدهشة عند ملاحظتهم العلاقة الوثيقة بين مشاهدة التلفزيون ومستويات الكوليسترول في الدم، ويخلص الباحثون من ذلك الى ان التساؤلات عن عادات المشاهدة نقلت اليهم معلومات عن مخاطر الاصابة المبكرة بأمراض القلب وكانت هذه المعلومات اكثر دقة من توجيه الاسئلة التقليدية عن تاريخ الاسرة. ولا يدعو للدهشة ان تتوصل دراسة واحدة على الاقل الى ان اغلاق التلفزيون قد يكون الوسيلة الواعدة لحماية الاطفال من السمنة. وتعبر مؤلفة الكتاب عن شعورها بالاحباط والأسى لان هناك تقارير تفيد بأن اعلانات الطعام التجارية تحرض الاطفال على السلوك «غير الاجتماعي» لا على مجرد طلب المنتجات غير الملائمة المعلن عنها وتستشهد المؤلفة على ذلك بما يحدث في الولايات المتحدة الاميركية، بين الاطفال، اذ تقول ان الاعلانات التجارية عن الجعة مثلا تؤثر على اطفال الصفين الخامس والسادس وتجعلهم يتبنون آراء تؤيد شربها، كما تمدهم بمعلومات غزيرة عن انواعها والشعارات الاعلانية التي تروج لها، وتزيد من نوايا تناولها لدى البالغين. والامر المزعج ايضا ان الباحثين يصنفون اعلانات الاغذية الموجهة الى الاطفال الى اعلانات عالية الاثارة للغرائز، واعلانات اخرى تعتمد اعتمادا كبيرا على قيم سلبية من وجهة النظر الاجتماعية مثل العنف (وقد لوحظ في 62% من الاعلانات التجارية)، والصراع (لوحظ في 41%)، والمخادعة (لوحظت في 20%)، او مزيج من هذه الخصال ا لثلاث (لوحظت في 64%) من الاعلانات التجارية). وفي رأي ماريون نسلة وغيرها من المهتمين بالسياسات الغذائية في اميركا انه ليس سراً ان المعلنين يعتمدون على هذه القيم السلبية منفردة او مجتمعة لان الصراع والعنف والخديعة من الموضوعات المركزية في برامج التلفزيون التي يشاهدها الاطفال. وبهذا تصبح تلك القيم السلبية التي تستغلها قصص اعلانات الطعام التجارية أمرا مألوفا لديهم، ومما يدعو للاسف ان نعلم من بين الحقائق التي جاء بها الكتاب ان اساليب الخداع لوحظت في ممارسات اطفال يتراوحون بين الثانية والثالثة من العمر، وقد دعت هذه الحقائق المفزعة وغيرها بعض المنظمات الاميركية، مثل الاكاديمية الاميركية لطب الاطفال الى اصدار توصية بفرض حدود لساعات مشاهدة التلفزيون وتشجيع تنمية مهارات الاطفال في المشاهدة بعين ناقدة، ومراقبة مضامين البرامج والاعلانات التجارية الموجهة للاطفال. واكدت الاكاديمية ان اهم محاولات الرقابة على مشاهدات الاطفال للتلفزيون تقع على عاتق الآباء وربات البيوت، ولكنها ايضا طالبت الصناعة والحكومة بتحمل مسئولياتها عما يبث على الهواء، وفي عام 1999 انضمت الرابطة الاميركية للصحة العامة الى جماعات صحية اخرى لرعاية حملة سميت «اطفال اصحاء» وهي حملة تنادي بمشاهدة تلفزيونية اقل، والحملة الوطنية لاسابيع اغلاق التلفزيون، وذلك بهدف تشجيع الاطفال والبالغين باستبدال مشاهدة التلفزيون بأنشطة اخرى تكون بناءة واكثر افادة ومنشطة للصحة، ومع ان هذ الحملات مفيدة، الا انها ترمي المسئولية على اولياء الامور والمستهلكين الافراد، ولا تستهدف بالضرورة شركات الاغذية ومحطات التلفزيون والمسئولين الحكوميين.