الاحد 6 محرم 1424 هـ الموافق 9 مارس 2003 لماذا لا يكون الكثيرون مستعدين للاعتقاد بصدق التصريحات السياسية المعتدلة لرئيس الوزراء، ارييل شارون؟ الاسباب متنوعة، ولكن السبب الاكثر جدية يسمونه: المستوطنات. لا تنصتوا الى اقاويل شارون، يقول غير المصدقين، انظروا ماذا يجري عمليا: توسيع الاستيطان يتواصل، حقائق ناجزة لا مرد لها تتقرر على الارض بدون انقطاع. وانتشارها يمنع اي تسوية - تقسيم، كما ان من الواضح بان لا توجد نية لدى المستوطنين بان يعيشوا تحت سلطة فلسطينية. «حلول وسط أليمة؟»، «دولة فلسطينية؟» و«خطاب بوش؟» كله كلام: اما عمليا فواقع واحد فقط هو الذي يقرر - الاستيطان.شارون، وهو فقط، يمكنه ان يرد على الادعاءات: دون انتظار الفلسطينيين، دون «رسم خرائط» واضعاف الموقف الاسرائيلي في المساومة، ولا سيما بثمن سياسي منخفض (او صفر) من ناحيته. نشر انه في المحادثات مع عمرام متسناع أعلن شارون بانه يوافق في وقت التسوية على اخلاء بعض المستوطنات. وقد رفض التعهد بذلك خطيا (كي لا يمنع دخول المفدال الى الحكومة). اما الان، بعد اقامة الحكومة، فان بوسع شارون ان يصرح - كموقف شخصي، من دون ان يلزم حكومته رسميا «ذات المناورة التي قام بها في موضوع الدولة الفلسطينية». بان موقفه في مسألة مستقبل المستوطنات هو بالفعل ذاك الذي اعرب عنه في محادثاته مع متسناع: بعض المستوطنات سيتم اخلاؤها. ايها ؟ على هذا تجري مفاوضات. يمكن بالطبع اقتراح خطوات بعيدة الاثر واكثر جرأة، ولكن حتى هذه الخطوة المتواضعة يمكنها ان تغير وجه الحوار السياسي في البلاد والتخفيف جدا على اسرائيل على المستوى الدولي. مفهوم أن مثل هذا التصريح لن يضع حدا للجدال في مسألة حدود الدولة الفلسطينية. ولكنها ستقنع الكثيرين في البلاد وفي الخارج، بان شارون بالفعل تبنى مبدأ الدولتين للشعبين ومستعد لتحقيقه. والخطورة التي ينظر فيها الى موضوع المستوطنات حتى الان تنبع من الافتراض السائد بان الحديث يدور عن عملية لا مرد لها (مثلما بلا ريب قصد اولئك الذين بادروا الى الزخم الاستيطاني في كل المناطق - وعلى رأسهم شارون نفسه). وطالما بقي هذا افتراضا، فان مصداقية كل تصريح سياسي معتدل يخرج عن شارون يكون موضع شك كبير. ولكن اذا لم تكن المستوطنات أمرا لا مرد فيه، فانها تصبح موضوعا ثانويا. عمليا، لا يبدو ان اي تسوية انتقالية ممكنة من دون اخلاء مستوطنات، حتى وان كانت منعزلة ومعيقة. غير ان اعلانا صريحا عن الاستعداد لاخلاء بعض المستوطنات في التسوية الدائمة سيكون ذا اهمية كبرى. واذا اعترفنا بذلك بان ليس المستوطنات هي التي ستقرر الحدود (المبدأ الذي يعني عمليا انه لا يمكن ان تمر اي حدود بين البحر والنهر)، بل الحدود هي التي ستقرر مستقبل المستوطنات، فسيكون من الممكن النظر الى ذلك كثورة حقيقية في موقف اليمين الاسرائيلي. وللوهلة الاولى، فان مثل هذه الثورة قد تمت عندما وافق الليكود على التخلي عن مناطق في ارض اسرائيل، وعندما وافق شارون على دولة فلسطينية. ولكن دون تغيير الموقف في موضوع المستوطنات، فلن تكون الدولة الفلسطينية الا دولة في الخيال فقط. وأخيرا، فانه دون تقسيم حقيقي للبلاد، فان الدولة اليهودية هي التي من شأنها ان تصبح في الخيال. هذه الامور لا تكتب انطلاقا من العداء، او انعدام العطف او التقدير تجاه جمهور المستوطنين. فواضح اليوم اننا جميعا كنا محقين جزئيا، واخطأنا غير قليل، في الجدال الذي مزق المجتمع الاسرائيلي في العقود الاخيرة. ولكن من يسعى حقا الى ان يضمن قدرا من الوفاق الوطني في مسألة الاساس، استعدادا للايام العسيرة التي ستأتي، ينبغي له ان يعرف ما هي العقبة الكأداء الاساس في طريق هذا الوفاق. عن «معاريف»