الاحد 6 محرم 1424 هـ الموافق 9 مارس 2003 يجد القاريء نفسه هنا على موعد مع فضح شامل للاساليب التي تلجأ اليها شركات صناعة الغذاء في اغتراف الارباح من جيوب المستهلكين بغض النظر عن اي اعتبار لصحتهم، ومع كشف للابعاد الحقيقية لهذه الصناعة كما يتم القاء الضوء على كيفية تلاعبها بصحة البشر اجل تحقيق مكاسب بمليارات الدولارات. ومؤلفة الكتاب هي ماريون نسلة، استاذة ورئيسة قسم دراسات التغذية والاطعمة في جامعة نيويورك والتي عملت مستشارة للسياسة الغذائية في وزارة الصحة والخدمات الانسانية، وهي تنتمي الى عائلة ذات ماض ـ وحاضر ايضا ـ في صناعة الغذاء، ولم يمنعها ذلك من انتقاد السياسات الغذائية لصناعة الطعام وتأثيرها على الصحة. تستخدم شركات صناعة الاغذية في اميركا كل ما يتاح لها من وسائل قانونية وتنظيمية واجتماعية لايجاد بيئة تساعدها على بيع منتجاتها في اسواق تنافسية، وهي في سبيل هذا قد تبدأ باستغلال ألاعيب اللوبي في الكونغرس لاصدار قوانين لصالحها، وفي الادارات الحكومية لضمان نشرها قواعد تنظيمية تفيدها، وفي داخل البيت الابيض من اجل توقيع اتفاقيات تجارية لصالح تلك الشركات. غير ان اللوبي هو وحده ابرز انشطتها العلنية، اما الترتيبات السرية فهي تتم مع خبراء الاطعمة والتغذية للحصول منهم على موافقتهم على القيمة الغذائية والفوائد الصحية لمنتجاتها، ومن بين انشطتها السرية ايضا الاتصالات الشخصية مع المشرعين ومسئولي الوكالات الذين يشغلون مواقع يستطيعون من خلالها دعم التنظيمات الملائمة لتلك الشركات، وتكشف الكاتبة ماريون نسلة عن مدى تأثير ونفوذ تلك الشركات على الحكومة، والوزارات الفيدرالية، والبيت الابيض، وهي ترى ان هذا التأثير يشمل العملية السياسية الديمقراطية ومؤسساتها في اميركا، فضلا عن تأثيرها على صحة الناس. وفي رأي المؤلفة اننا، لكي ندرك كيف تمارس صناعة الطعام نفوذها على الحكومة الاميركية وسياستها الغذائية، يجب ان نتفهم عملية اللوبي ومكانتها المتداخلة مع العملية السياسية الاميركية، فاللوبي هو محاولة قانونية يقوم بها افراد او جماعات للتأثير على سياسة الحكومة او ادائها. الحركة الثلاثية هذا التعريف يستبعد بوضوح عامل الرشوة، وقد تضمن اللوبي تاريخيا ثلاثة عناصر: 1ـ ترويج وجهات نظر الجماعات ذات المصلحة الخاصة. 2ـ محاولة التأثير على قوانين الحكومة وقواعدها وسياساتها التي قد تنعكس على تلك الجماعات. 3ـ اجراء الاتصالات مع مسئولي الحكومة او ممثليهم بشأن القوانين او القواعد او السياسات التي تهم الجماعات. وهكذا فان الذين يمارسون عملية اللوبي هم اشخاص يطلبون من المسئولين الحكوميين وضع القواعد او القوانين التي تفيد الشركات سواء، كانت مفيدة لأناس آخرين ام لا. وفي افضل الحالات، فان ممارسي اللوبي يمدون المسئولين الفيدراليين بتوصيات تقنية تم بحثها جيدا، وتتصل بالاقتراح المطروح سواء، كان تشريعا او قاعدة او تثقيفا للجمهور، ولكن تقديم الخبرة والتوصيات ليس الاستراتيجية الوحيدة، فالاهم منها هو الاتصالات الشخصية التي تتوطد من خلال الاجتماعات والمناسبات الاجتماعية، ومن بين عمليات اللوبي الاخرى تنظيم المساهمات في الحملات الانتخابية والسياسية، والاحداث الاعلامية، وكذلك تنظيم العروض الجماهيرية، واضطهاد النقاد، وتشجيع رفع الدعاوى القضائية، وقد احرزت هذه الجهود نجاحا كبيرا ـ ولا تزال ـ حتى ان ممارسي عمليات اللوبي اصبحوا يعتبرون احيانا احد فروع الحكومة الخاصة بهم. ومع ذلك، فان رجال اللوبي مستأجرون لا منتخبون، وهم بهذا يختلفون عن المحامين والخبراء المستقلين في انهم يتقاضون مبالغ لكي يمثلوا مصالح خاصة لا عامة، كما انهم يمارسون معظم نشاطهم في سرية، وهكذا فان اللوبي يدعو الى طرح التساؤلات عن نفوذهم المفرط واساءة استخدامهم له، وترى ماريون نسلة ان النظام السياسي الاميركي في حاجة الى الموازنة بين حقوق الافراد والجماعات المتعارضة مع حقوق المجتمع ككل، وتعرب الخبيرة الاميركية عن اعتقادها بأن ما يقلق الاميركيين هو قدرة شركات الأغذية على فرض القوانين واللوائح لصالحها على حساب صحة الشعب.واذا استعرضنا السياق التاريخي لعملية ممارسات اللوبي نجد انها بدأت كجزء متكامل من النظام السياسي الاميركي، وكان معروفا منذ البداية ان اللوبي سوف يسبب توترات عديدة في ذلك النظام، فقد اطلق جيمس ماديسون في عام 1787 عبارة «زمرة الرذيلة الخطيرة»، وكان يقصد بها جماعات اللوبي، وقد اعتبر التشرذم نتيجة محتومة للطبيعة البشرية وكذلك لتوزيع الثروة غير العادل، وقال ان الانشقاق قد يعيق الحكومة ويزلزل كيان المجتمع، ولكنه لن يستطيع اخفاء عنفه تحت ستار الدستور، وقد صدقت نبوءة ماديسون اذ سرعان ما افتضح امر ممارسات اللوبي غير الشريفة وارتفعت الاصوات تطالب باجراء التحقيقات لتنظيم نشاطه وطوال الخمسين عاما التالية قامت عدة ولايات والكونغرس بمحاولات غير ناجحة للسيطرة على اللوبي، حتى ان كل فصل تشريعي شهد محاولات لمناقشة تجاوزات رجال اللوبي. ولكن في النهاية عندما كان الكونغرس يقوم باجراء بشأن هذا الموضوع كان يجعل من اللوبي عملا قانونيا مشروعا، ويكتفي بمطالبة الاشخاص الذين يمولونه بأن يقوموا بتسجيل مصادر التمويل ووقفه. وفي عام 1995 مرر الكونغرس تشريعا سد بعض الثغرات، لا كلها، وقد وضع هذا القانون تعريفا لرجال اللوبي مؤداه انهم اناس يخصصون 20% على الاقل من وقتهم لممارسة نشاطهم والاتصال بمسئولي الحكومة او موظفيها، ويتقاضى كل منهم اكثر من خمسة آلاف دولار لمدة ستة اشهر مقابل القيام بهذا العمل. وفي الوقت نفسه قضت تعديلات قوانين الانتخاب الفيدرالية بتحديد قيمة الهدايا والوجبات التي يمكن للمشرعين قبولها من رجال اللوبي، ومنعت لائحة مجلس النواب هؤلاء الرجال من شراء الوجبات للاعضاء والمساعدين باستثناء حفلات الاستقبال التي يحضرها 25 شخصا، ومع ذلك ظل مسموحا تقديم هدايا صغيرة، ولم يكن مسموحا للاعضاء والمساعدين قبول رحلات السفر او الاستجمام المدفوعة، او الهدايا ودعوات الطعام التي تتجاوز 100 دولار، من اي فرد خلال العام وعلى الرغم من ذلك كان من السهل تجاوز هذه القيود، فقد ادت الى زيادة كبيرة في تسجيل اسماء اعضاء اللوبي (وكان هذا هدفهم)، كما زاد ايضا النشاط الشامل للوبي. ووفقا للبيانات التي جمعها احد مراكز البحث تبين ان عدد اعضاء اللوبي المسجلين ارتفع من 15 الفا الى اكثر من 20 الفا بين عامي 1997 و 1999، وقدر المركز ما انفقوه بأكثر من 42,1 مليار دولار نيابة عن زبائنهم في عام 1998، ووفقا للعمليات الحسابية التي اجراها مركز البحث يتضح انه لو استخدم هذا المبلغ في عملية اللوبي في الكونغرس وحده، لكان معنى ذلك ان نحو 38 من رجال اللوبي المستأجرين قاموا بالاتصال بمئة سناتور و 435 نائبا، وان هؤلاء الرجال انفقوا مبلغ 7,2 مليون دولار على كل واحد من اعضاء السلطة التشريعية هؤلاء. تاريخ من التأثير تقول مؤلفة الكتاب انه يجب ان يكون مفهوما ان هذا الجيش من اعضاء اللوبي، الذي ينثر هذه الهبات، يمثل كل عنصر في المشروعات الاميركية المشتركة الخاصة، وبهذا الانفاق الذي يصل الى دولار مثلا يمكن القول ان اللوبي في حد ذاته اصبح صناعة هائلة. وعند هذه النقطة ـ تقول المؤلفة ـ يمكن تتبع وجود اللوبي الغذائي ضمن الصورة السياسية الشاملة، وتبدأ نسلة بتناول التأثير على المؤسسة الزراعية الاميركية. في الخمسينيات من القرن العشرين سيطرت 25 جماعة من منتجي الاغذية على اللوبي الزراعي، ولكن بحلول منتصف الثمانينيات زاد العدد الى 84 مجموعة، وما لبث ان ارتفع في التسعينيات الى مئات ـ ان لم يكن الى الالوف من ممثلي الاعمال والاتحادات، والاشخاص، الذين كانوا يحاولون التأثير على القرارات الفيدرالية المتعلقة، بكل جانب من جوانب انتاج الاغذية والمشروبات كالصناعة والمبيعات والخدمة والتجارة، وعلى الرغم من ان الرقم الاجمالي لرجال وجماعات اللوبي العاملين في قضايا الاغذية والتغذية ليس مؤكدا، الا ان دراسة اجريت عام 1977 حددت 612 فردا و 460 مجموعة، فان جماعات المؤيدين والجمعيات المهنية والجامعات لديها ايضا لوبي يعمل من اجلها، ولكن تلك الجماعات تعمل عادة من اجل الصالح العام، ولا تهدف الى الربح، وكما هي الحال بالنسبة لكل جماعات اللوبي تنفذ شركات الاغذية الى مسئولي الحكومة الفيدرالية وموظفيها بوسائل تتجاوز الخبرة التقنية، ومن بين هذه الوسائل امران جديران بالاهتمام هما: 1ـ تحويل الاموال بشكل ظاهر وغير ظاهر من رجال اللوبي الى المسئولين الفيدراليين ، وكذلك الهدايا. 2ـ التغييرات الدائمة في المهام بين اعضاء اللوبي والمسئولين الفيدراليين، والتي تعرف باسم «الباب الدوار». وبالنسبة للامر الثاني ترى المؤلفة ان الاتهامات الموجهة حول ممارسة النفوذ تنبع من ادراك ان اعضاء اللوبي والمسئولين الحكوميين ليسوا دائما افرادا متميزين، فالموظف العام اليوم قد يصبح عضو اللوبي في الغد، والعكس صحيح. وليس هناك ظاهرة جديدة في تحول المسئولين الحكوميين الى اللوبي، وتحول اعضاء اللوبي الى مسئولين حكوميين، ففي عام 1968 مثلا سجل ما لا يقل عن 23 عضوا سابقا في الكونغرس، و 90 عضوا سابقا في مجلس النواب، اسماءهم كأعضاء في اللوبي الخاص بمؤسسات خاصة. وفي وقت قريب انضم الى اللوبي 40% من اعضاء الكونغرس الذين فشلوا في انتخابات 1992، ومن عام 1988 حتى 1993 انضم الى اللوبي 42% من مديري لجان الكونغرس، وفي عام 1998 تم تسجيل 128 عضوا سابقا في الكونغرس في قائمة اعضاء اللوبي، وكذلك الحال بالنسبة لنحو 12% من اعضاء مجلس الشيوخ ومجلس النواب الذين انتهت عضويتهم منذ عام 1970، وتضرب المؤلفة مثالا لذلك بالسناتور السابق روبرت دول والذي كان مرشحا في انتخابات الرئاسة الاميركية. وتقول ان المؤسسة التي انتمى اليها دول تقاضت 19 مليون دولار كرسوم عضوية، في اللوبي عام 1997. وفي صناعة الاغذية، يعتبر تبادل المهام بين اعضاء اللوبي وموظفي وزارة الزراعة امرا شائعاً لان اكثر من 500 رئيس ادارة وموظف عينوا في تلك الوزارة لاسباب سياسية على اساس انتسابهم او انتمائهم الحزبي، وتتناول مؤلفة الكتاب نماذج تقول انها مثيرة، ففي 1971 تبادل كليفورد هاردن وزير الزراعة المواقع مع ايرل بوتز الذي كان مديرا لشركة رالستون بيورينا، الذي اصبح وزيرا للزراعة، ومثال آخر هو كبير مفاوضي وزارة الزراعة الذي رتب الامور للشركات الخاصة لتبيع صفقة قمح للاتحاد السوفييتي عام 1972، هذا الرجل استقال ليعمل في الشركة نفسها التي فازت بالنصيب الاكبر من تلك الصفقة. وصدر تقرير في عام 1974 يحتوي على قائمة تضم العديد من مساعدي الوزراء، والمديرين، والمستشارين الذين انضموا الى وزارة الزراعة من مناصب كانوا يشغلونها في شركات اللحوم والحبوب والتسويق، ومن جانب آخر ترك بعضهم الوزارة ليشغلوا مناصب لدى منتجي الاغذية. وبعد ذلك في اوائل التسعينيات عينت جوآن سميث، الرئيسة السابقة للاتحاد القومي لمربي المواشي، في منصب رئيسة قسم التفتيش وتسويق الاغذية التابع للوزارة، وقد اثار تعيينها تساؤلات بشأن قرارين اصدرتهما لصالح منتجي اللحوم على حساب مصالح المستهلكين، هذه بعض الامثلة من بين امثلة كثيرة اثبتتها المؤلفة في كتابها ولا يتسع المجال لسردها كلها. والامر الاكثر غموضا هو دور المال في التعامل بين اعضاء اللوبي ومسئولي الحكومة، ويعتبر توزيع الأموال واحدا من اهم الوسائل المفسدة التي يتوصل بها عضو اللوبي الى ممارسة نفوذه وتأثيره على القرارات الفيدرالية، ومن الصعب اكتشاف المبالغ التي تنفق في ممارسة عملية، اللوبي مع المسئولين الفيدراليين، خاصة وان مثل هذه العمليات تجرى في «المناطق الرمادية» الخفية وفي المناسبات الاجتماعية مثل مآدب العشاء، وحفلات الاستقبال، والمقابلات، ومباريات الجولف، وحفلات اعياد الميلاد، والزفاف، وتقدر مراكز البحث ان اعضاء اللوبي الخاص بالاغذية والزراعة انفقوا 52 مليون دولار عام 1998 على قضايا غير التبغ الذي انفقوا عليه وحده 67 مليون دولار، وهذه كلها ارقام معلنة يطلب القانون الافصاح عنها. وتصنف اموال الرشاوى التي يقدمها اللوبي في اميركا والمتسترة على شكل هبات الى نوعين من الاموال: النقود المشروعة والنقود المشبوهة. 1ـ الاموال المشروعة: تقوم شركات الاغذية، مثلها مثل جميع الصناعات الاخرى ـ بتخصيص مبالغ من المال لاعضاء في الكونغرس من خلال لجان العمل السياسي وقد بدأت هذه اللجان في بدايات الاربعينيات من القرن الماضي عندما منع الكونغرس النقابات العمالية من المساهمة في الحملات السياسية، والتفت النقابات على هذا الحظر بجمع التبرعات الطوعية من اعضائها لدعم الرئيس الاميركي فرانكلين روزفلت في معركة اعادة انتخابه، وفي عام 1974، عقب فضيحة ووترجيت مباشرة، نصت تعديلات القانون الفيدرالي للحملات الانتخابية على السماح للنقابات والمؤسسات وجماعات اخرى بتشكيل لجان للعمل السياسي بهدف جمع التبرعات للحملات، ويحكم القانون هذه الاموال ولهذا السبب اطلق عليها وصف «النقود المشروعة» وعلى الرغم من ان القانون يحدد حجم المال الذي يساهم به فرد واحد للمرشحين الفيدراليين، بمبلغ الف دولار لكل فرد في كل عملية انتخابية، الا انه سمح للجان بدفع خمسة آلاف دولار لكل مرشح، غير ان القانون لم يضع حدا لعدد المرشحين الذين يتلقون التبرعات، ولا لعدد اللجان التي يستطيع كل متبرع تسليمها الاموال، ولهذا السبب اصبح بامكان الافراد المساهمة بمبالغ ضخمة، وفي خلال عام واحد استطاعت 608 لجان جمع 5,12 مليون دولار للحملة الانتخابية لعام 1974 ـ 1975، وازداد عدد لجان العمل السياسي بسرعة، وقامت 3400 لجنة بالمساهمة بمبلغ 83 مليون دولار عام 1982، وفي عام 1900 ساهمت 4700 لجنة بأكثر من 370 مليون دولار. وفي الدورة الانتخابية 1997 ـ 1998 جمع عدد مماثل من اللجان اكثر من نصف بليون دولار. وتمثل معظم لجان العمل السياسي عالم الاعمال، ولكن عددا قليلا منها في لوبي واشنطن الكبير يمثل المصالح الغذائية والزراعية، وحدد احصاء في عام 1978 46 من اللجان تمثل جماعات المنتجين. واشارت بيانات مراكز البحث الى ان 211 لجنة خاصة بالاعمال الزراعية ساهمت بمبلغ 3,4 ملايين دولار لمرشحين فيدراليين في الدورة الانتخابية 1990 ـ 2000 وعلى سبيل المثال ساهمت لجنة المؤسسة الاميركية للحوم بمبلغ 5,56 مليون دولار، ويلاحظ على لجان الاعمال الزراعية انها لا تلتزم بالتوزيع العادل للاموال على الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري.وتذهب اموال لجان العمل السياسي الى حيث تتحقق مصالح المتبرعين، وليس غريبا ان تذهب تبرعات الاعمال الزراعية الى جيوب اعضاء اللجان الزراعية في كل من مجلس الشيوخ والنواب، ومن عام 1987 الى 1996 تلقى 18 من 25 عضوا قياديا في مجلس الشيوخ تبرعات من لجان الشركات المصنعة للحوم والدجاج، وتلقى 17 من 25 عضوا قياديا في مجلس النواب تبرعات بحكم عضويتهم في اللجان الزراعية، كما ان نحو نصف عدد قادة المجلس الخمسة وعشرين تلقوا هبات من موزعي البقالة، وتجار الجملة، وتجار التجزئة، ويختلف المراقبون حول ما اذا كانت هبات لجان العمل السياسي «تشتري» النفوذ ذلك لانه ليس مؤكدا ما اذا كان المرشحون الذين يتلقونها يشاركون المؤسسات المانحة في مصالحها ام انهم يغيرون آراءهم وفقا لحجم تلك الهبات وتذهب 95% من اموال لجان العمل السياسي الزراعية الى اصحاب المناصب، وهكذا فإن تلك الاموال تتبع نتائج التصويت وتقوم بدعمها. وفي الثمانينيات اظهرت الابحاث ان اعضاء مجلس النواب الذين تسلموا اموال لجنة العمل السياسي التابعة لصناعة منتجات الالبان، شكلوا ضعف الاصوات في التصويت لصالح دعم اسعار تلك المنتجات. وقد تسلم المشرعون الذين صوتوا لصالح رفع الاسعار مبالغ تصل الى 5,2 ضعف من عارضوا، وكلما زادت الاموال التي يتلقاها الاعضاء من لجان صناعة الالبان، زادت احتمالات تأييدهم لقوانين دعم الاسعار. وحديثا اجريت دراسة للعلاقة بين اموال لجان العمل والاصوات الانتخابية للكونغرس بالنسبة لمعونات السكر، واشارت الدراسة الى ان اكبر الهبات المقدمة من اللجان ذهبت الى جيوب الاعضاء الذين صوتوا لصالح المساعدات، وانه كلما زادت هبات لجان العمل السياسي انحاز الاعضاء الى تأييد مواقف الصناعة، وشهر وراء شهر بينت تحليلات تاريخ التشريعات الخاصة بمساعدات صناعة السكر والفول السوداني وجود زيادة في الهبات لكل من الحزبين قبيل التصويت، ويخلص الباحثون الى ان الرشاوى المقدمة لها تأثير ملحوظ على قرارات الاعضاء عند الادلاء بأصواتهم، وليس سرا ان المشرعين لا يشاركون في اتخاذ قرارات تغضب لجان العمل السياسي نظرا لتكاليف حملاتهم الانتخابية الكبيرة ومقاومة الكونغرس من اجل اصلاح قوانين تمويل تلك الحملات. الأموال المشبوهة 2ـ الاموال المشبوهة: تنطبق مواد قانون الحملات الانتخابية على الانتخابات الفيدرالية، في اميركا، وهي لا تضع حدودا للاموال التي يمكن تقديمها للولاية او للمنظمات السياسية الوطنية وهذه «الثغرة» تبيح دفع نقود «مشبوهة» اخرى مطلوبة في دعم قضايا يراد للاحزاب السياسية والمرشحين مساندتها وتدعم هذه النقود الانتخابات بطريقة غير مباشرة، ويمكن ان تأتي من اي مصدر، ولا قيد على كمياتها، ولا تحتاج للافصاح عنها، وعلى عكس اموال لجان العمل السياسي يمكن ان تكون هبات النقود المشبوهة بأرقام هائلة ففي انتخابات دورة 1997 ـ 1998 ـ قدمت مؤسسات الاعمال الزراعية نقودا مشبوهة قيمتها 3,1 مليون دولار للديمقراطيين، و 4,1 مليون دولار للجمهوريين، وفي الفترة بين 1997 ـ 1999 قدم تجار التجزئة في الاطعمة نحو 1,1 مليون دولار للديمقراطيين، واكثر من 8,3 ملايين دولار للجمهوريين .. وهكذا دواليك. وقد سمحت قوانين الانتخاب الاميركية منذ مدة طويلة، لرجال اللوبي بتقديم هدايا صغيرة لاعضاء الكونغرس مثل اقامة ولائم الغداء، والكتب، والمشروبات، والعينات، وتذاكر المسارح وغيرها. وقد صيغ قانون اصلاح اللوبي عام 1996 للحد من قيمة مثل هذه الهدايا. ومنع اعضاء مجلس النواب من قبول الهدايا فيما الا اذا كانت صغيرة جدا، واستبعد القانون تماما وجبات الطعام والملاهي، وسمح لاعضاء مجلس الشيوخ بقبول الهدايا الفردية التي لا تتجاوز قيمة الواحدة منها 50 دولاراً، ولا تزيد في مجموعها على 100 دولار خلال السنة الواحدة، اما مسألة قيام اعضاء اللوبي بدفع تكاليف اجازات اعضاء السلطة التشريعية، فهي تحتاج الى تدقيق وفي ظل مواد القواعد الاخلاقية، قبل عام 1996 كان اعضاء الكونغرس يستطيعون قبول القيام برحلات، وقبول المكافآت عن احاديثهم التي يقدمها لهم رجال اللوبي. وقد أظهر تحليل للسفريات التي قام بها اعضاء مجلس النواب بين 1989 و 1990 ان الاعضاء قبلوا بشكل جماعي رحلات وصل عددها الى نحو 4 آلاف رحلة ترعاها مؤسسات، وكان ثلثاها هدية من مؤسسات او اتحادات تجارية، كما ان الاعضاء قبلوا ايضا اكثر من 500 الف دولار على شكل مكافآت شرفية، وقد حاول قانون 1996 منع الرسميين المنتخبين وموظفيهم من قبول رحلات مدفوعة من جماعات المصالح الخاصة. ولكن ظلت الثغرات قائمة واصبح في استطاعة اعضاء الكونغرس القيام برحلات يدفعها اعضاء مشتركون من اللوبي في مناسبات يرعاها حزب سياسي او بعثة لتقصي الحقائق، او مؤتمر يدعى اليه العضو كمتحدث. وخلال عامي 1996 ـ 1997 قام 87 سناتوراً، و 356 عضوا من مجلس النواب، و 2020 من موظفيهم، برحلات بلغت تكلفتها 6,8 ملايين دولار، وكانت معظم رحلات القيادات مدفوعة القيمة من صناعة اللحوم، وبلغت نفقات 26 منهم 18550 دولاراً.