السبت 5 محرم 1424 هـ الموافق 8 مارس 2003 في التاسع من فبراير الماضي واستجابة لدعوة أطلقها حزب العدالة الذي يتمتع بتنظيم حزبي جيد، على الرغم من انه لا يملك إلا عدداً قليلاً من المقاعد في البرلمان الاندونيسي، انطلق عشرات الألوف من الاندونيسيين يتظاهرون في شوارع العاصمة الاندونيسية جاكارتا للتنديد بالحرب الأميركية الوشيكة ضد العراق. ويمكن لهذه المظاهرة السلمية التي تعتبر أكبر مظاهرة نظمت ضد الحرب في اندونيسيا، ذلك البلد الذي يمثل المسلمون 85% من سكانه، حتى الآن، أن تكون بداية سيل متدفق من المشاعر المعادية للحرب في جنوب شرق اسيا، تلك المنطقة من العالم التي يعتنق نصف سكانها البالغ اجمالي عددهم 500 مليون نسمة الاسلام. وفي ماليزيا هناك حركة ذات صلة قريبة من الحكومة تدعى «الماليزيون من أجل السلام» جمعت توقيعات مليون شخص على عريضة تندد بالحرب وتعترض عليها، وقدمتها إلى قمة حركة عدم الانحياز التي عقدت في العاصمة الماليزية كوالالمبور في الرابع والعشرين من فبراير الماضي. ولا يحظى خيار الحرب بتأييد شعبي في منطقة يسكنها حوالي 20% من مسلمي العالم، ولا شك ان قضية الحرب هذه تمثل عامل قلق لرؤساء هذه الشعوب، فبينما تعمل على زيادة التعاون مع الدول المجاورة فيما يتعلق بالحرب ضد الارهاب الاقليمي، نادت الحكومة الاندونيسية باجراء مزيد من العمليات التفتيشية في العراق عقب الخطاب الذي أدلى به وزير الخارجية الأميركي كولن باول أمام مجلس الأمن في الخامس من فبراير الماضي. وتشعر اندونيسيا بأن تغيير النظام في العراق من خلال الوسائل العسكرية هو أمر سيكون من «الصعب قبوله» على حد تعبير وزير الخارجية الاندونيسي حسن ويراجودا. وفي ماليزيا حيث يقل عدد المسلمين عن نظيره في اندونيسيا تعتزم حكومة رئيس الوزراء مهاتير محمد اتخاذ عمل استباقي ضد المعارضة التي تنامت قوتها في الأعوام الأخيرة. وتشعر الحكومة هناك بأن عملاً عسكرياً ضد العراق سوف يكون في مصلحة الارهاب الدولي. ولقد أساءت سياسة لي الذراع التي تمارسها أميركا من أجل شن حرب على العراق إلى موقف الحكومات التي كانت تدعم بشكل كامل الحرب على الارهاب منذ بدايتها. وتملك الغضب بشكل متزايد قادة الحركات الاسلامية التي لا تملك أي قدر من التعاطف مع النظام الحاكم في العراق، والذين كانت تتودد إليهم السفارة الاميركية في جاكارتا في الشهور الماضية. فبعد حديث الرئيس الأميركي جورج بوش في نهاية الشهر الماضي، قال سياف معريف، رئيس الحركة المحمدية التي تعد ثاني أكبر حركة إسلامية في اندونيسيا، ان «أميركا تتصرف بجنون والتصريحات التي أدلى بها رئيسها تعد تصريحات شخص مجنون». وعلى الرغم من ان الارهابيين قد أجبروا على اتخاذ مواقف دفاعية في أعقاب حملات الاعتقال الاخيرة، فإن معريف أبدى قلقه من أن يقوى مركز هؤلاء بسبب شن حرب ضد العراق، ويقول في هذا الصدد انه يمكن ان ينظم هجمات ضد المصالح الاميركية، بما في ذلك تلك الموجودة في اندونيسيا، وتضع حكومات المنطقة خططاً من خلال التعامل مع عواقب مثل تلك الحرب في حال نشوبها، وقد تم اتخاذ خطوات في اندونيسيا من أجل توفير مزيد من الحماية للمصالح الاميركية. وفي الفلبين، ذلك البلد الذي يستورد أكثر من نصف بتروله من الشرق الأوسط ويعتقد مسئولوه ان الحرب باتت «وشيكة» اعلن انه يجري زيادة احتياطات النفط لدى البلاد. وقد قامت كل من جاكرتا ومانيلا بالفعل باتخاذ ترتيبات لاعادة حوالي 100 ألف من مواطنيها العاملين في مناطق يمكن ان تتعرض لمعارك هذه الحرب المحتملة. ويعيد المراقبون السياسيون إلى الاذهان حقيقة ان هناك انتخابات رئاسية مقرر اجراؤها في 2004، ولن يؤدي هذا الاحساس المتزايد بالاغتراب من قبل المسلمين إلا إلى تعقيد الحرب ضد الارهاب. أما الموقف في ماليزيا فمختلف، وهناك سبب لهذا الاختلاف فمهاتير محمد أعلن بوضوح انه ضد أي عمل انفرادي تقوم به اميركا، كما انه يتحكم بالكامل في قواته، ولن ينال قليل من المظاهرات ضد الحرب من قبضته المحكمة على البلاد، غير ان اعلان هذا القائد المسن عن عزمه على التنحي في اكتوبر المقبل، بعد 22 عاماً قضاها في السلطة، يمكن ان يعطي فرصة لظهور حالة من الغموض في البلاد. كما ان خيار الحرب لا يحظى بتأييد من بقية المنطقة لا سيما ان دول المنطقة لا تزال تحاول تدريجياً حتى الآن الخروج من آثار الأزمة المالية لعام 1997، كما ان السياحة تعد من اهم مصادر الدخل هناك، غير ان ردود الأفعال على هذه الحرب لدى نشوبها سوف تعتمد بشكل رئيسي على العواقب الاقتصادية والاجتماعية التي يمكن ان تترتب عليها. ترجمة: حاتم حسين عن «لوموند»