الخميس 3 محرم 1424 هـ الموافق 6 مارس 2003 نادراً ما يترك البوابون ممن هم في منتصف العمر بصمتهم على العلم ولكن يبدو ان سيزار باربر قد كسر هذه القاعدة ففي يوليو الماضي، رفع باربر البالغ من العمر 56 عاماً والذي يعاني من مرض السكري وسبق له ان اصيب بنوبتين قلبيتين، دعوى قضائية ضد شركات الوجبات السريعة ماكدونالدز وبيرغر كنغ وكنتاكي وويندي ادعى فيها ان الامراض التي يعاني منها تتحمل هذه الشركات المسئولية عن جانب منها. وقد ورد في ادعائه انه تناول الطعام في المطاعم التابعة لهذه الشركات طوال سنوات دون ان يخبره احد بأن ذلك الطعام يدمر صحته. كانت الدعوى القضائية التي رفعها باربر الذي يعيش في بروكلين اول طلقة في معركة قضائية طال انتظارها ضد صناعة الوجبات السريعة ودورها في انتشار وباء البدانة الذي يكتسح تحديه نظام الرعاية الصحية الاميركي وبدافع من النجاح الذي تحقق مع شركات التبغ يعتقد المحامون الذين يقفون وراء هذه الفكرة ان بإمكانهم حمل محلات الوجبات السريعة على الايفاء بحصتهم من التكلفة الهائلة لرعاية الاشخاص البدينين والشخص الذي يستخدم نفوذه لحل هذه القضية هو جون بانزهاف من مدرسة الحقوق في جامعة جورج واشنطن في العاصمة الاميركية الذي كان العقل المدبر للحملة على شركات التبغ الكبرى. وكانت تلك الحملة قد اكسبته الاحترام في جميع انحاء العالم. ولكن شركات الوجبات السريعة الكبيرة تعتبر مسألة مغايرة تماماً. فبالنسبة للكثيرين ـ ومنهم قاض فيدرالي رفض الشهر الماضي قضية مماثلة ضد ماكدونالدز ـ تعتبر هذه المسألة سخيفة بشكل واضح ولكن هل من المؤكد ان الاشخاص الذين اصبحوا بدينين ومرضى لأنهم تناولوا الكثير من الوجبات السريعة عليهم ان يلوموا انفسهم فقط؟ قد لا يكون الامر على هذا النحو فهناك نتائج بحوث جديدة حول التأثيرات البيولوجية للوجبات السريعة توحي بأن البدانة المرتبطة بالأكل لا تعود الى انعدام ضبط النفس، وبدأ بعض العلماء يعتقدون ان الاكثار من تناول الاطعمة الغنية بشكل مفرط بالدهون والسكر يمكنه ان يحدث تغيرات في الدماغ والجسم تجعل من الصعب مقاومة هذه الاطعمة. بل ان بعض العلماء يعتقد ان الاطعمة يمكنها ان تتسبب في حدوث تغييرات تشابه الادمان تماماً، ولا يزال البحث بهذا الخصوص في مراحله الاولى، ولكنه يوشك بفضل سيزار ان يصبح البؤرة التي يسلط عليها الضوء. ان هزيمة صناعة الوجبات السريعة ستكون على الدوام مهمة اشد صعوبة من هزيمة بارونات التبغ فمن الواضح ان التبغ يؤدي للادمان ولا احد مجبر على التدخين وشركات التبغ كانت تعرف ان منتجاتها تبعث على الادمان ومع ذلك مارست التعتيم على الامر، لكن اياً من هذه الاتهامات لا يمكن توجيهها الى صناعة الوجبات السريعة. من جانبه، يؤكد بانزهاف ان بمقدوره ان يكسب المعركة القضائية بصرف النظر عن كل ذلك، ويشير الى انه يحتاج الى اثبات المسئولية الكاملة لشركات الوجبات السريعة عن البدانة وكل ما عليه فعله هو اقناع هيئة المحلفين ان المشكلات الصحية التي يعاني منها موكلوه ليست بالكامل من صنع ايديهم وان شركات الوجبات السريعة تتحمل قسطاً من المسئولية فربما كان يتعين عليها، على سبيل المثال، ان تضع ملصقات على الاغذية لاطلاع الزبائن على قيمتها العالية من السعرات الحرارية. غير ان اي اشارة الى ان الاغذية السريعة تبعث على الادمان ستجعل عمل بانزهاف اكثر سهولة وهو يعرف هذه الحقيقة تمام المعرفة بل انه يقول انه يعتقد ان الوجبات السريعة لها آثار «تشبه الآثار الباعثة على الادمان»، ويضيف بهذا الخصوص قائلاً: «حتى اننا قد نكتشف ان من الممكن ان نصبح مدمنين على الطعام الاميركي من البرغر والبطاطا المقلية». ولكن السؤال هنا هو: كيف يمكن لشيء تحتاجه من اجل البقاء ان يصبح مسبباً للادمان؟ قد تكون الاجابة عن هذا السؤال كامنة في الطعام نفسه، فالفرق بين وجبة سريعة ووجبة تطهى في المنزل هو كمية السعرات الحرارية والدهون التي تحتويها وبحسب ما توصي وزارة الزراعة الاميركية، فإن كمية الاستهلاك اليومي لرجل عادي هي 2800 كيلو سعر و93 غراماً من الدهون كحد اقصى ويمكن لوجبة واحدة في محل للوجبات السريعة تضم برغر ومقالي وشراب وحلوى ان تمنح الجسم كل تلك الكمية في جلسة واحدة. وبدأ علماء الاحياء يدركون الآن ان الافراط في هذه النسب يمكن ان يحدث تغييرات فسيولوجية يمكنها ان تخمد الاشارات الهرمونية التي تخبرك عادة بالتوقف عن تناول الطعام. وكان الباحثون قد اكتشفوا في العقد الماضي هرمونات كثيرة تلعب دوراً في ضبط الشهية للطعام وتعمل هذه الهرمونات في ظل ظروف طبيعية على التحكم بعملية الاكل وتساعد في الحفاظ على وزن ثابت للجسم ويتم افراز هرمون «لبتين» على سبيل المثال، بصورة مستمرة من قبل الخلايا الدهنية ويشير مستواه في مجرى الدم الى وضعية مخزون الدهون في الجسم. ويقوم المهاد البصري في الدماغ (الهيبوثلاموس) وهي المنطقة في الدماغ المسئولة عن تنسيق السلوك المتعلق بالأكل، بقراءة هذه الاشارة واعتبارها خطاً هادياً للحفاظ على ثبات المخزون الاحتياطي من الدهون. والمشكلة هي ان الاشخاص الذين يصابون بالبدانة يطورون مناعة ضد مفعول هرمون «لبتين» كما يشرح ذلك مايكل شوارتز وهو عالم الغدد الصماء في جامعة واشنطن في سياتل ويقول شوارتز ان «عقلهم يفقد قدرته على الاستجابة لهذه الهرمونات مع تزايد الدهون في الجسم». واذا ما استطاع العلماء ان يثبتوا ان الوجبات السريعة تسبب الادمان الذي يؤدي الى امراض البدانة والسكري وامراض القلب والشرايين، فإن شركات الوجبات السريعة ستواجه سيلاً من الدعاوى القضائية التي قد تكلفها مليارات الدولارات. ضرار عمير