الاربعاء 2 محرم 1424 هـ الموافق 5 مارس 2003 جاء أكثر المقاطع تفاهة في خطاب حالة الاتحاد الذي القاه الرئيس جورج بوش بعد نصف ساعة من بداية الخطاب، عندما كان يعدد نجاحات ادارته ضد تنظيم القاعدة. فقد قال في خطابه انه قد جرى اعتقال ثلاثة آلاف من الارهابيين المشبوهين. وتابع قائلا: إن الكثيرين غيرهم لقوا مصيراً مختلفاً. ودعونا نوضح الأمر بهذه الصورة: إنهم لم يعودوا يمثلون مشكلة للولايات المتحدة ولأصدقائنا وحلفائنا. وعندما تتحدث عن المسدسات التي يتصاعد منها الدخان، فانك تكاد ترى الرئيس وهو ينفخ في الماسورة المقلوبة لمسدسه من طراز كولت 45. لم تكن هذه لحظة كلينت ايستوود الأولى في تاريخ الرئاسة الحديثة في اميركا. فقد سبق لرونالد ريغان ان قال في عام 1985: «هيا.. أصنعوا نصري!» وأضاف نائبه، جورج بوش الأب لدى قبوله ترشيح الجمهوريين له للرئاسة في عام 1988 قائلا: «اقرأوا شفتي!». ولكنهما بهذا الكلام كان يعدان فقط برفض مشروعات القوانين المتعلقة بالضرائب. وجاء تبجحهما هذا مصحوباً بغمزة. أما بوش الابن، فقد كان يتحدث عن عمليات القتل بدون محاكمة. صحيح أنه تحت ظروف معينة ـ عندما تكون الأهداف ارهابيين معروفين، فان الاعتقال لايكون خياراً عملياً ويكون الخطر على المدنيين الابرياء ضئيلاً ـ يمكن ان تكون عمليات القتل هذه مفضلة على السماح لهم بالهرب. ولكن ان يقوم الرئيس بالتباهي بها بهذه الوقاحة، فان هذا لا يمثل نموذجاً للوضوح الاخلاقي الذي يفترض ان يكون مجال اختصاصه. «إنهم لم يعودوا يمثلون مشكلة». إن هذه العبارة تبدو مثل عبارات ريغان أو بوش الأب أقل مما هي مثل.. حسناً، دعنا نوضح الأمر بهذه الطريقة. في سرد يثير القشعريرة لفظائع الرئيس العراقي صدر في صحيفة «التايمز» قبل يومين من القاء بوش لخطابه، حدد جون بيرنز الحكمة المفضلة لدى الدكتاتور وهي: إذا كان هناك شخص، فان هناك مشكلة، وإذا لم يكن هناك شخص، فليست هناك مشكلة. (إقلع السن فتقلع وجعه). إن تبجح الرئيس الأميركي هو الشيء الذي كان في ذهن الأوروبيين، وبخاصة الأوروبيين «القدماء»، عندما قالوا إن الرئيس الأميركي هو راعي بقر غر. ولكن المشكلة تتجاوز شخصية جورج دبليو. بوش. ولا يسع المرء أن يقضي فترة في أي من الديمقراطيات المتقدمة الأخرى دون ان يصعقه الضرر الذي سببته السياسة الأحادية الجانب للإدارة الحالية، لا حول مسألة العراق فحسب، وانما ايضا حول موضوعات هامشية من ناحية استراتيجية مثل معاهدة كيوتو البيئية وتنظيم الأسرة ومحكمة الجزاء الدولية. الكل كان يتوقع ان يتغير هذا النمط بعد هجمات 11 سبتمبر 2001. ولكن ذلك لم يحدث، ولقد تم تفويت الفرصة التي تمثلت في التضامن العفوي لأوروبا ـ والذي تلخص في قرار الناتو، وللمرة الأولى على الإطلاق، استحضار المادة في ميثاقه التي تنص على أن أي اعتداء على أحد الاعضاء هو اعتداء على الجميع. إلا أنه من الطبيعي أن تنظر أوروبا، المنهمكة في ايجاد نظام عالمي قائم على السيادة المشتركة غير العنيفة، والولايات المتحدة، التي تضفي عليها قوتها العسكرية التي لا تضاهي مسئوليات متميزة ـ من الطبيعي أن تنظر الى العام بصورة مختلفة. ويبدو أنه لا مفر من وجود درجة معينة من التصرف الاحادي الجانب من قبل أميركا. ولكن هذه الإدارة نادراً ما تزعج نفسها بالتزام اللياقة في حدها الأدنى. وفي المقابل، يبقى الأوروبيون فخورين بمشاركتهم في افغانستان، ولكنهم يدفعون باستمرار نحو النظر إلى الحرب ضد الارهاب على أنها حرب أميركا، وليست حربهم. في الأيام التي تلت خطاب بوش، كان هناك نقاش حول ما إذا كان بوش قد استطاع ان «يثبت وجهة نظره» ولكن المسألة الحقيقية، بصرف النظر عما يقوله بوش، هي ما إذا كان هناك وجهة نظر أصلا وبهذا الصدد، فان اهم خطاب في الآونة الأخيرة لم يكن خطاب حالة الاتحاد. وانما كان التقرير الذي قدمه هانز بليكس من لجنة المراقبة والتحقق والتفتيش «أنموفيك» التابعة للأمم المتحدة ولم يكن التقرير المشوه الذي قرره المعلقون المحافظون بصورة مسبقة. وبهيئته المضجرة، فإن تقرير بليكس يعتبر متساوقاً بشكل تام مع وجهة النظر القائلة ان النظام العراقي يتعاون بالحد الادنى المطلوب لتجنب هجوم فوري وانه ليست لديه اي نية للتخلي عن طموحاته المهلكة. واقرب ما يكون بليكس من التوصل الى الاستنتاج يظهر في هذه الجملة التي يقول فيها: «بخلاف جنوب افريقيا، التي قررت من تلقاء نفسها التخلص من اسلحتها النووية والترحيب بعمليات التفتيش كوسيلة لايجاد الثقة في عملية نزع اسلحتها، فإن العراق يبدو انه لم يتوصل الى قبول حقيقي ـ حتى اليوم ـ لعملية نزع الاسلحة المطلوبة منه، والتي يحتاج الى تنفيذها لكي يحظى بثقة العالم ويعيش بسلام» ولوضع ما كان يقوله بليكس بصياغة اخرى، فإنه اذا استمر النظام العراقي في مقاومة عملية نزع الاسلحة فإن عليه حينها ان يتوقع الحرب. وحتى لو كان المرء لا يثق بادارة بوش فإن من الصعب عليه ان لا يتفق مع هذا الكلام. ومن الصعب ايضاً الاختلاف مع وجهة النظر المطالبة بتمديد فترة عمل نظام التفتيش وكما جاء في تقرير بليكس فإن «انموفيك» قد شكلت طاقمها في العراق من الصفر الى ان بلغ عددهم مئتين وستين مفتشاً ولديها الآن تحت تصرفها ثماني طائرات مروحية وطائرات استطلاع جوي بلا طيار وطائرات يو-2 وتتنامى فرص التوصل الى اكتشاف حاسم او جهد عراقي حاسم لتجنب هذا الاكتشاف وان منح المزيد من الوقت، خاصة اذا جاء ذلك مع قرار من مجلس الامن يفوض باستخدام القوة بشكل لا لبس فيه اذا لم ينزع العراق اسلحته بشكل لا يدع مجالاً للشك سيؤدي الى تقليل الضرر على وحدة جبهة الحلفاء وتخفيف العزلة (الذاتية المنشأ بشكل أساسي) التي تعاني منها الولايات المتحدة وتوجد اساساً للمشاركة الدولية في العبء الخاص باعادة بناء العراق. لقد ركز الجدل حول العراق بشكل شبه كامل على مجريات ما قبل الحرب وما بعدها وما لم يبحث الا بالكاد هو الحرب نفسها فصقور الادارة والمتشددون من بين كتاب الرأي في الصحف يقولون انها ستكون قصيرة وخالية نسبياً من سفك الدماء ولكن الحروب نادراً ما تجري كما هو مخطط لها فقبل اثني عشر عاماً، تم تجميع قوات الرئيس العراقي في صحراء خالية اما اليوم، ومع انها اكثر ضعفاً فإنها منتشرة في جميع انحاء بلاد كثيفة السكان بمساحة ألمانيا وتنص احدى خطط الحرب التي تسربت مؤخراً، الى ديفيد مارتن من سي بي اس نيوز، على قصف العراق بثمانمئة صاروخ كروز خلال اليومين الاولين من الحرب اي ضعف عدد الصواريخ التي ضربت بها خلال ايام حرب الخليج الاربعين وينقل مارتن عن احد مسئولي البنتاغون قوله: «لن يكون هناك مكان آمن في بغداد»، وتحمل هذه الخطة اسم «الصدمة والرعب» وهدفها هو «التدمير النفسي لارادة العدو للقتال» او ربما كان ذلك هو الهدف من تسريب المعلومات عن الخطة ولكن اي حملة عسكرية من المرجح ان تبدأ باسقاط القذائف على بغداد وسيموت الكثير من الناس واذا كان رد العراق على قصف عاصمته اقرب الى رد لندن في عام 1940 او هانوي في عام 1966 منه الى رد بلجراد في عام 1999 ـ اي اذا قويت ارادة جيشه بدلاً من ان تضعف ـ عندها لا يمكن لاحد ان يحدد مقدار المعاناة والموت الذي قد يلحق ذلك. منذ بضعة ايام ذكر وزير الخارجية كولن باول بأن رئيسه يذهب الى السرير في العاشرة مساء وينام مثل طفل فأجاب باول قائلاً: «وانا ايضاً انام مثل طفل.. واستيقظ كل ساعتين صارخاً» ان هدوء الرئيس يثير القلق بدرجة اكبر مما يبعث قلق الجنرال على الراحة، والعاصفة تقترب. ترجمة: ضرار عمير _ عن «نيويوركر»