الاربعاء 2 محرم 1424 هـ الموافق 5 مارس 2003 يبدو الأمر وكأنه عود على بدء. فمنذ 12 عاماً، وفي عشية انطلاق حرب الخليج السابقة، كان الاتحاد السوفييتي السابق يحاول عرقلة هجوم عسكري تقوده الولايات المتحدة على العراق، ويهدد باستخدام حق النقض لتحقيق هذا الهدف، وفي محاولة لاحداث انقسام في التحالف الغربي ضد العراق، ارسلت موسكو أحد رجال الكرملين وأحد أصدقاء الرئيس العراقي وهو يفجيني بريماكوف إلى بغداد من أجل التوصل إلى اتفاق سلام. واليوم، حيث تحشد أميركا قواتها في الخليج العربي، تلمح روسيا إلى أنها ربما تستخدم حق النقض ضد أي قرار من مجلس الأمن يسمح باستخدام القوة ضد العراق كما ان بريماكوف ذهب لبغداد مرة أخرى في مهمة سلام سرية كلفه بها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.غير ان المؤشرات تدل على ان الوضعين مختلفين، فعلى الرغم من ان الاتحاد السوفييتي السابق عمل خلال سنوات الحرب الباردة الطويلة من أجل احداث وقيعة بين أوروبا وأميركا فإن الكرملين يبدو وكأنه طُعن من الخلف بفعل الانقسام الأطلسي الاخير حول كيفية التعامل مع العراق. فخبراء السياسة الروس تتملكهم حالة من الغضب الشديد وهم يناقشون الكيفية التي يجب أن يكون عليها التصرف الروسي ازاء مناقشة استخدام القوة ضد العراق في مجلس الأمن ووصولها إلى التصويت، وهو الأمر الذي من المتوقع ان يحدث قريباً، ومن وجهة نظر الكثيرين من هؤلاء الخبراء فإن المشكلة الرئيسية تكمن في كيفية الحصول على أكبر قدر من الفائدة في الوقت الذي يتم تجنب أكبر قدر من الضرر، لا سيما فيما يتعلق باتفاق الشراكة الهش الذي تم بين روسيا وأميركا في أعقاب احداث الحادي عشر من سبتمبر. يقول اليكسي ارباتوف وهو نائب رئيس لجنة الدفاع في مجلس الدوما الروسي: يمثل هذا الأمر أزمة خطيرة لروسيا، فموسكو لا تؤيد استخدام القوة ضد العراق، ولكن عن طريق استخدام حق النقض في مجلس الأمن، فإننا ربما نبدو وأننا نتزعم حلفاً ضد الأميركيين، الأمر الذي يمكن ان يطيح بكل ما كسبناه من علاقاتنا بأميركا خلال العامين الماضيين. ويحث بعض الخبراء القادة الروس على ان يكونوا أكثر قوة في تأييدهم لفرنسا وألمانيا وهما الدولتان اللتان تعارضان بشدة السياسة الأميركية بشأن العراق. يقول فيكتور كريمنوك نائب مدير معهد الدراسات الأميركية ـ الكندية في موسكو: بصرف النظر عما سيحدث بشأن العراق فإنه من الواضح ان نظام ما بعد الحرب الباردة سيمر بقدر من التغيرات الكبيرة فنحن نشاهد الآن ظهور أوروبا أخرى تعتمد بشكل أقل بكثير من السابق على الولايات المتحدة، أوروبا أخرى أكثر اصراراً وتحدياً في التعبير عن موقفها وأكثر دفاعاً عن مصالحها الخاصة، لذلك فإن روسيا عليها ان تواجه هذا الخيار الاستراتيجي: هل على المدى البعيد ستذهب مع أوروبا أم مع الولايات المتحدة؟ يقول كريمنوك وآخرون يشاطرونه الرأي انه منذ انهيار الاتحاد السوفييتي فشلت روسيا في محاولاتها للتوصل إلى شراكة كبيرة مع واشنطون.. لقد تجاهلت الادارتان الأميركيتان السابقتان فرصة ربط روسيا بأميركا اقتصاديا وسياسياً ولذلك فنحن ليس لدينا ما نخشاه من أي رد فعل أميركي ضدنا في حال تأييدنا للموقف الألماني ـ الفرنسي حول العراق. ان هناك حالة مرارة منتشرة بشكل واسع في الدوائر الروسية بسبب عدم منح أميركا لروسيا مركز أكثر الدول تفضيلاً من الناحية التجارية، ولا تزال روسيا تعاني من الرسوم الأميركية المفروضة حديثاً على صادرات الفولاذ الروسية، كما ان بعض أصحاب الاتجاه القومي في روسيا يمقتون الدعم الأميركي لتوسيع الناتو عن طريق ضم دول شرقية له، اضافة إلى انسحاب الرئيس بوش الفردي من معاهدة حظر الصواريخ الباليستية منذ عام. يقول سيرجي ماركوف، رئيس المجلس المدني للشئون الدولية التابع للكرملين: «خلال معظم فترات العقد الأخير، لم تكن أميركا تعامل روسيا كدولة صديقة، ولكن كمنافس جيوبولتيكي محتمل ونتيجة لذلك فإن الشراكة الاقتصادية الأميركية مع روسيا تكاد تكون غير موجودة، كما أن العلاقة السياسية بينهما ضعيفة للغاية». وعلى نحو مخالف، فإن علاقات روسيا التجارية مع أوروبا خلال العقد الماضي نمت بشكل سريع تمثل الآن أكثر من نصف حجم تجارة روسيا مع كل دول العالم. يقول الخبراء ان روسيا قد ورثت الكثير من دوافع الاتحاد السوفييتي السابق فيما يتعلق بمعارضة الحرب وتبني سياسة خارجية تقليدية يتم خلالها التعامل مع العراق على انها دولة شريكة ذات قيمة عالية تدخل معها روسيا في استثمارات اقتصادية بشأن حقول النفط فضلاً عن الاهتمام الروسي المتعلق بالحصول على الديون التي لا يزال يدين بها الرئيس العراقي لموسكو منذ الحقبة السوفييتية والتي تصل إلى سبعة مليارات دولار سنوياً. ولكن في الوقت الذي تحاول فيه بلدان أخرى تزعم اتجاه مضاد لأميركا، فإن روسيا اليوم ليست إلا متفرجاً سلبياً يعاني من انقسامات عميقة. يقول بوريس ماكارينكو، وهو محلل في مركز الاتجاهات السياسية: «يالها من مفارقة في ان يشاهد الكرملين حلمه القديم، المتمثل في أن يرى أوروبا وأميركا متخاصمتين، يتحقق ولا يدري ماذا يفعل». عن «كريستيان ساينس مونيتور»