الاربعاء 2 محرم 1424 هـ الموافق 5 مارس 2003 بدأت كلمة «الصمود» العربية تتردد على الساحة الدولية في الأسابيع الاخيرة باعتبارها اسم الصاروخ العراقي الذي امر كبير مفتشي الاسلحة الدوليين هانز بليكس بتدميره لتصبح في اذهاننا صنواً أو رديفاً للأنابيب المزعنفة بسماكة جذوع الاشجار لكن الكلمة في الذهن العربي تتمتع بجرس مختلف، يضاف الى معناها الذي يفيد الثبات على الموقف وتكتسب الكلمة اكبر مضامينها حين تأتي في سياق النضال الفلسطيني، حيث تأخذ معنى المقاومة للدفاع عن الوجود والرفض المطلق للتنازل حتى حين مواجهة عدو محتل للارض، تلك المواجهة التي يحرص الرئيس العراقي على الاشارة إليها في مواجهاته مع الولايات المتحدة وحلفائها. «صمود» الاقوياء هذا قد حول المفاوضات الجارية لاستصدار قرار جديد من مجلس الامن يخول بشن حرب على العراق الى منافسة شرسة بين الولايات المتحدة وبريطانيا واسبانيا التي ترى الحرب محتومة من جانب وفرنسا وروسيا والمانيا التي تسعى لتجنبها اما الجائزة التي سيفوز بها المنتصرون في هذه المواجهة فهي مستقبل الامم المتحدة ذاتها والشكل الذي ستكون عليه العلاقات الدولية. كل الاطراف فيما ستكون اكثر المواجهات شراسة في مجلس الأمن الدولي منذ جيل قد اوضحوا مواقفهم، وانتهوا، فيما تحاول الولايات المتحدة وحلفاؤها الحصول على قرار بالحرب لما يقولون انه عدم انصياع عراقي للقرار الدولي رقم 1441 وستصل هذه المواجهة ذروتها حين ينعقد مجلس الأمن الدولي للاستماع لما يعتقد انه آخر تقرير من هانز بليكس بعدها ستضغط الولايات المتحدة وبريطانيا لاجراء تصويت على قرارها المقدم للمجلس والذي يعلن ان العراق هو في حال انتهاك مادي لقرارات مجلس الأمن ويخولهما شن الحرب عليه. من ناحيته اوضح رئيس الوزراء البريطاني توني بلير مؤخراً، بما لا يدع مجالاً للشك انه ربما اكثر تشدداً من الرئيس الاميركي جورج بوش والاخير كان قد اعلن مسبقاً ان نزعاً كاملاً لسلاح العراق والاطاحة برئيسه فقط يمكن لهما ابعاد شبح الحرب، وهما شرطان من غير المحتمل لهما ابداً تقريباً ان يتحققاً معاً بما يجعلها ضمانة كافية لوقوع الحرب. على الجانب المناهض للحرب، تبدو المواقف آخذة في التشدد ايضاً بالقدر نفسه فقد اوضحت روسيا في الاوساط الدبلوماسية، ان لم يكن علناً، بأنها يمكن ان تستخدم حق النقض في مجلس الأمن بعد ان اوضحت فرنسا ذلك. بين هذين الجانبين في مجلس الأمن توجد ما اصبحت تعرف بستة الوسط، أنغولا والكاميرون وغينيا وتشيلي والمكسيك وباكستان، التي سيكتب لدعمها لقرار من عدمه على الأغلب ان يرسم ملامح رد فعل العالم، الاسلامي خصوصاً، على اي حرب محتملة تقودها واشنطن ضد العراق. وقد شهد الصراع على مواقف ستة الوسط هؤلاء مزيجاً من التهديد والترغيب والتجسس الأميركي على بعثاتهم الدبلوماسية والرشى السافرة وهؤلاء الدبلوماسيون الموسميون اصبحوا يبدون خائفين من غلظة العصا الاميركية في هجمتها لضمان اصوات الدول الاعضاء الكافية للحصول على اغلبية في مجلس الأمن تفسح امامها الطريق للغزو. عندما انكر آري فليتشر المتحدث باسم البيت الابيض استخدام الاوساط الدبلوماسية الاميركية لسياسة الترهيب هذه، ضحك المراسلون الذين كان يتحدث اليهم يوم الخميس الماضي ما جعله يغادر غرفة الصحافة. وفي غضون ذلك، كان الرجلان اللذان يتحدث فلايتشر باسمهما، بوش وتشيني، يرسلان الى هذه الدول واحدة بعد اخرى رسائل تحمل مزيجاً من الاطراء والتهديد وكل رسالة كانت مفصلة بحيث تلائم الاعتمادية التي تعانيها مستقبلتها على الولايات المتحدة ومدى النفوذ الاميركي داخلها. وبدأت مقار البعثات الدبلوماسية لستة الوسط تتلقى طوفان من الرسائل الالكترونية والمكالمات الهاتفية والضيوف من الاميركيين العاملين في الأمم المتحدة فيما كانت الوفود الدبلوماسية تغادر واشنطن الى عواصمها مسلحة بالعطايا لأولئك الراغبين في تلبية الطلب الاميركي والعقوبات الاقتصادية لمن لا يحذو حذوها. واخذت حمى الرياضيات تتفاعل في الولايات المتحدة وهي تدرس الاصوات التسعة المطلوبة في مجلس الأمن لتمرير القرار، شرط الا تستخدم دولة دائمة العضوية حق النقض. اصوات بريطانيا واسبانيا وبلغاريا حتى الآن مضمونة اما روسيا والصين صاحبتي حق النقض فيتوقع ان تمتنعا عن التصويت فيما فرنسا ذات حق النقض، فهي على الأغلب ستصوت ضد القرار إلى جانب سوريا طبعاً. يبقى ستة الوسط يجدون من يذكرهم دوماً بثمن عدم الانصياع لأميركا والسابعة التي تورد مثلاً على ذلك هي اليمن التي اتتها الجرأة الى جانب كوبا عام 1990 على التصويت ضد حرب الخليج. حينها ألغت أميركا فوراً مساعدة أميركية مقررة لليمن بقيمة 70 مليون دولار. ومن الواضح تماماً أن التهديدات هذه المرة أشد. فقد مضى مسئولان رفيعان من وزارة الخارجية الأميركية وهما كيم هولمز ومارك غروسمان إلى المكسيك الأسبوع الماضي وهناك وصفت دعواهما بأنها «معادية» من قبل الدبلوماسيين الذين قالوا ان المكسيك ستدفع «ثمناً باهظاً جداً» إذا ما أقدمت على أي شيء غير دعم الأميركيين. وباكستان بدورها كانت عرضة للهجمة الدبلوماسية. فنتيجة دعمها لواشنطن في حرب افغانستان ألفي مليار دولار من ديونها للولايات المتحدة التي غضت الطرف أيضاً عن برنامجها النووي العسكري إضافة لمعونات مالية أميركية وأجنبية كبيرة. أما العصا التي يهوي بها الأميركيون على رأس تشيلي فهي اتفاقية للتجارة الحرة يشعر الأميركيون الجنوبيون أنهم بأمس الحاجة إليها. وبنود الاتفاقية هذه قد وضعت وتنتظر فقط موافقة السلطتين التشريعيتين في البلدين عليها. واذا ما كان الجيران الجنوبيون لاميركا يشعرون بسخونة العصا، فقد طالت سخونتها أيضا الدول الأفريقية الثلاث في ستة الوسط. وبدأ الضغط على انغولا بمكالمة هاتفية من البيت الأبيض قدم فيها بوش وتشيني معاً مناشدتهما الشخصية للرئيس خوسيه إدواردو دوسانتوس. لكن ليس الأميركيين وحدهم هم من اتصلوا هاتفيا به فقط بل كذلك فعل الفرنسيون أيضاً، حيث كانوا يبذلون جهودهم الحثيثة معه وإن كانت بتهديدات أقل. يوم السبت الماضي كان الفرنسيون يقولون بتفاؤل ان أنصار استمرار عمليات التفتيش في مجلس الأمن قادرون على إعطاء فرصة اضافية للجان التفتيش. وإلى جانب روسيا والصين، تعتقد فرنسا أنها تحظى بدعم انغولا والكاميرون وغينيا اضافة لعضوي الرفض المعلنين، ألمانيا وسوريا. وفي وسط هذا الخضم من الترغيب والترهيب، ستبقى القضية المهيمنة على الجو الدبلوماسي إلى حين قراءة تقرير بليكس هي بدء شروع العراق في تدمير صواريخ الصمود. وحول هذه القضية ستكون الجدالات ساخنة. فقد قالت فرنسا ان قرار العراق بقبول تنفيذ مطلب الأمم المتحدة بتدمير صواريخ هو دليل على ان التفتيش ينجح وهو ماتشاركها روسيا الرأي فيه ايضا. غير ان قرار العراق في واشنطن ولندن ليس سوى «خدعة أخرى» يقوم بها الرئيس العراقي وقد توقعها بوش وبلير. ويقول مصدر في الحكومة البريطانية: «الحقيقة هي ان العراق لايزال يرفض الانصياع للقرار 1441 الذي يطالب بكشف اسلحة العراق ونزعها بالكامل وفوراً وهذا لم يحدث. أما قضية الصواريخ فهي تشتيت للأذهان عن هذا». كل هذا يبقي السؤال مفتوحاً حول فيتو روسي أو فرنسي. ففيما تباحثت لندن وواشنطن همساً فيما بينهما حول احتمال فيتو روسي، فإن وزير الخارجية الروسي قد أوضح علناً انه يخالف الرأي الأميركي. وقال وهو يتحدث في العاصمة الصينية بكين الجمعة الماضي «أن لروسيا الحق في استخدام النقض وستستخدمه إذا رأت ذلك ضرورياً لحماية مصالحها والاستقرار الدولي». غير ان حتى أولئك الأشد عداء للولايات المتحدة وبريطانيا ومحاولتهما الحصول على قرار جديد يبدون متشائمين حول إمكانية منع الحرب في النهاية. ويعتقدون أن ما تريده أميركا ستحصل عليه. أضف لذلك أن هناك دوماً التهديد الأميركي الأقوى الماثل وهو ان الولايات المتحدة لن تضر بمصالحها الوطنية فحسب بل وستحول الأمم المتحدة الى شيء لامعنى له حين تتعرض حقيقة القوة الأميركية للمواجهة. ترجمة: جلال الخليل _ عن «جارديان»