الاربعاء 2 محرم 1424 هـ الموافق 5 مارس 2003 أجرت صحيفة «لوس انجلوس تايمز» حوارا، مؤخرا، مع المؤرخ بول كنيدي، مؤلف كتاب «صعود القوى العظمى وانهيارها» تناول خلاله بالتحليل عدة قضايا، أهمها ابعاد التماثل وأوجه الشبه التاريخي بين الفترة الحالية والمرحلة التي سبقت الحربين العالميتين الأولى والثانية، والضرر الكبير الذي سوف تتسبب فيه أميركا للعالم ولنفسها في حال قيامها بضرب العراق من دون موافقة الأمم المتحدة، وبدائل القيام بالحرب، الى جانب قضايا اخرى عديدة. وفيما يلي نص الحوار: ـ اذا القينا نظرة الى الوراء، فربما يتضح لنا أن هناك تشابها تاريخيا بين اغتيال الارشيدوق فرديناند في سراييفو عام 1914، وهو الحادث الذي أدى الى اشعال نيران الحرب العالمية الاولى، واحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001. فلقد أدت هذه الحادثة عام 1914 الى تفجر خلافات وتصدعات فهنا نظام عالمي متهاو لم يكن به توازن في القوى، تماما كما هي الحال الآن، عندما لم يعد النظام العالمي القديم الذي ساد في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية مناسبا لوقائع العصر الراهن. ولم تعد المصالح المشتركة عنصر ضغط او اقناع بشكل كاف. فهل نحن الآن بالفعل نمر بهذه الحالة لا سيما وان كلا من الناتو والاتحاد الاوروبي والامم المتحدة واقعون جميعا في أزمة؟ ـ يا إلهي، حقاً لقد بتنا نشاهد «انقسامات متفجرة» في نظامنا العالمي، تماما مثلما حدث عام 1914، وهو النظام الذي لم يعد يناسب حقائق العصر الحالي. ان التوترات التي نواجهها اليوم يمكن ان تكون غير متناسبة مع تلك الحقائق والوقائع التي واجهها الغرب في الفترة بين اواخر الأربعينيات واوائل التسعينيات من القرن الماضي. فنحن في عالم جديد. ولكن هذا لا يحدث لأول مرة. فمنذ سبعة اعوام، قمت انا وزملائي في قسم الدراسات الأمنية الدولية في جامعة يال بتنظيم مؤتمر عنوانه «الصور الاستراتيجية المتغيرة في القرن العشرين». وقد ناقش هذا المؤتمر كيف يتعامل القائمون على وضع اساسيات في العالم مع هذا الزخم من الاحداث المتفجرة التي وقعت بالعالم في الفترة من 1917 الى 1923 ثم في الفترة من 1944 الى 1948، ثم في الفترة التي تلت عام 1989، وهي الفترات الثلاث التي مرت بفيض هائل من التغيرات. وربما كان علينا ان نضيف فترة رابعة وهي ما بعد الحادي عشر من سبتمبر، لأننا حاليا وبالتأكيد نتعامل مع تدفقات هائلة من الاحداث والمواقف المتغيرة. ولكن الفارق، بالمقارنة مع عام 1914، هو ان سوء التقدير والافعال العبثية للفترة الحالية ليس من المحتمل ان يؤدي الى نشوب حرب عالمية. فنحن عم 1914، كان الصرب الذين يعادلون عراق اليوم بحكم المقارنة وذلك بسبب اغتيال الارشيدوق يحظون بحماية الامبراطورية الروسية. والآن لا توجد قوى عظمى يمكن ان تتدخل في حال قررت اميركا معاقبة العراق عسكريا. وهذا هو معنى المناقشات والحوارات المتوترة التي تدور في مجلس الأمن الدولي وفيه تكمن الأهمية الكبيرة لهذه المناقشات. ان القوة غير المحدودة تقريبا واللامتناهية للاعب الرئيسي الوحيد في مسرح الاحداث يتم تقييدها بفعل تلك المواثيق الدولية التي من قبيل المفارقة تم وضعها عن طريق هذا اللاعب نفسه وهو الولايات المتحدة عام 1945 التي لعبت دورا رئيسيا في وضع هذه الاتفاقات. وفي حال اختيار هذه الدولة الكبرى عدم التقيد بهذه المواثيق فان النظام العالمي سوف يتغير بشكل نهائي وللابد. وأوجه التشابه هنا هي اننا، كما انهارت أوروبا القديمة تحت ضغط الأزمات التي وقعت بين عامي 1908 و1914، وكما تحطم نظام التجارة القائم على مبدأ العولمة منذ قرن مضى بفعل الحرب، ربما نواجه انهيارا أو تضررا شديدا للترتيبات الدولية التالية: منذ عام 1945، اتفقت القوى الكبرى الخمس في الأمم المتحدة على أن يكون لها حق النقض، حيث كان الاميركيون والسوفييت مصرين على ذلك، ولكن بجانب هذا الحق وافقت تلك الدول على احترام حق النقض لباقي الدول الخمس، وذلك من أجل المحافظة على هيبة هذه الدول فحسب، ومن الممكن في المستقبل القريب ان نرى لأول مرة في التاريخ دولة من الدول الدائمة في مجلس الأمن تتجاهل حق الفيتو الذي تستخدمه دولة دائمة اخرى. وعلى القيادتين الفرنسية والأميركية، وهما الدولتان من المحتمل ان تستخدم احداهما حق النقض ضد قرار الاخرى، ان تفكر في هذه المسئولية التاريخية بشكل عميق. وعلاوة على ذلك، فانه في حال حدوث انقسام كبير في المجلس حول العراق، كيف يمكن لنا ان نتوقع حينذاك الشكل الذي ستعمل من خلاله هذه المنظمة الدولية خلال الازمة الدولية التالية، ولتكن هذه الأزمة خاصة بكوريا الشمالية، او الهند وباكستان، أو تركيا، او اميركا الوسطى، أو غرب افريقيا، او اي طرف آخر؟ فعندما انقسمت عصبة الأمم حول أزمة اثيوبيا عام 1935، أضحت المنظمة «كالبطة العرجاء» امام الأزمات التالية التي واجهتها. أما الناتو فهو في رأيي اكثر حاجة للاصلاح من الأمم المتحدة، وبعيدا عن مطالب ادارة بوش المتمثلة في «هل انتم معنا أم ضدنا بشأن القضية العراقية»، يواجه الناتو مشكلات عويصة خاصة به: أولا، لا يوجد عدو مثل حلف وارسو يوفر للحلف القوة والدعم اللذين ابقيا على قوة الحلف أثناء الحرب الباردة. ثانيا، بينما هناك الكثير من الاعضاء الجدد بجانب الكثيرين الذين على وشك الانضمام، لا يوجد هناك اعادة تحديد او اعادة تعريف للغرض الرئيسي لوجود هذا الحلف. ثالثاً، ذهب اقوى واكثر اعضاء الحزب نفوذاً، وهي الولايات المتحدة الى الخارج لقتل اعداء اجانب. رابعاً، من دون الاسهامات العسكرية الاميركية، يجد اعضاء الحلف الباقون انفسهم في وضع حرج للغاية في غياب قوة عسكرية كافية، وذلك باستثناء بريطانيا وفرنسا. خامساً، هناك حديث يلوح في الافق حول عمليات «خارج المنطقة» يمكن ان تؤدي الى حدوث انقسام بين الدول الاعضاء. فلماذا، على سبيل المثال، تتعهد الدنمارك بمساعدة تدخل عسكري في جنوب غربي اسيا؟ والاهم من ذلك، اذا رجعنا الى النقطة «ثالثا» مع اختلاف بسيط، هو ان الولايات المتحدة لا تشعر انها بحاجة كبيرة للناتو وتعتقد ان التحديات الامنة التي تلوح في الافق ستكون بشكل رئيسي خارج نطاق اوروبا. وبالنسبة للاتحاد الاوروبي، فإن الموقف سيئ بالفعل. فقطعاً اخر شيء يمكن ان تفعله اوروبا هو ان تثير مشاجرات بالطريقة التي فعلتها مؤخراً. فهناك بريطانيا ضد فرنسا والمانيا، وهناك بولندا وجمهورية التشيك ضد فرنسا، وهناك ايطاليا واسبانيا وبريطانيا وست دول اخرى ضد فرنسا والمانيا، وهناك تحذير وجهه الرئيس الفرنسي جاك شيراك للأعضاء المنضمين حديثاً والمرشحين للانضمام الى الاتحاد الاوروبي من الانحياز للولايات المتحدة. ان الامر بالفعل يثير الحزن، ويؤكد على ادعاءات الصقور من الادارة الاميركية بأن اوروبا «لا فائدة منها» وانها تبطئ من فرص الاندماج الاوروبي في المجالات الاخرى. وربما سيكون من الحكمة الا يقوم الاتحاد الاوروبي بالبحث عن سياسة خارجية مشتركة وذلك لبعض الوقت من الان. فهذا البحث عن سياسة مشتركة يبدو وأنه يعوق اكثر منه يدعم الوحدة الاوروبية. فلماذا عدم العودة لاصلاح السياسة الزراعية المهلهلة، على سبيل المثال، وترك الشئون الخارجية للأمم المتحدة والناتو، اللذين من واقع عملهما عليهما ان يلعبا دوراً مركزياً في هذا الشأن؟ ـ اذا مضت الولايات المتحدة لشن الحرب وحدها من دون تفويض من الامم المتحدة، فأي منهما سيفقد شرعيته: اميركا ام الامم المتحدة؟ ـ اذا حدث ذلك فإن الطرفين سيخسران. فالولايات المتحدة سوف تفقد شرعيتها واحترامها في معظم انحاء العالم، وسوف تفقد الامم المتحدة شرعيتها واحترامها بين الوطنيين الاميركيين والحكومة الاميركية. وسوف يحدث هذا سواء اكان هناك انتصار اميركي سريع على العراق ام اذا امتد الصراع وتحول الى معركة وحملة دموية طويلة. ففي الحالة الأولى، سوف يكون هناك قدر كبير من الاستياء من التصرف الاميركي الذي يفتقد الموافقة الدولية. وسوف تبحث القوى الاخرى وسائل من شأنها كبح جماح الاميركيين في المستقبل. فمن حينذاك سيمكنه احترام مجلس الامن بعد ذلك؟ وفي الحالة الثانية، اذا وقعت احداث سيئة على غرار ما حدث في فيتنام ومدغشقر وكمبوديا، فسوف تتحمل الولايات المتحدة كل المسئولية، وسوف يكون هناك رد فعل على مواطنيها، ربما يتمثل في العودة الى الانعزالية. ـ احد اوجه الشبه التاريخية الاخرى يتمثل في انه اذا شنت اميركا الحرب بشكل منفرد، فإن الحال تمكن ان تنتهي بها وهي تعاني عزلة عالمية مثلما حدث مع بريطانيا وفرنسا بعد العدوان الثلاثي الفاشل على مصر عام 1956. ـ نعم، فأميركا يمكن حينذاك ان تواجه الموقف نفسه الذي واجهته كل من فرنسا وبريطانيا عام 1956، حيث انها في هذه الحالة ستواجه رفضا عارما من بقية العالم. فأثناء ازمة تأميم قناة السويس، شبّه رئيس الوزراء البريطاني آنذاك انتوني ايرن الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر بأنه «هتلر اخر»، والآن يصور البيت الابيض الرئيس العراقي على انه ديكتاتور فاشي اخر، وهو امر يؤثر بالسلب على الرؤية الاميركية وقدرتها في الحكم على الامور. غير ان توجيه ضربة غير حكيمة ضد بغداد ين يعني ان قوة اميركا ستواجه نهايتها. فبالمقارنة مع الدول الاخرى، اميركا تعتبر فائقة القوة، في حين انه في عام 1956 كانت بريطانيا في حالة ضعيفة. ولكن لا يزال الامر غير مخالف للقول ان يتم الادعاء بأن الولايات المتحدة سوف تكون أضعف بعد الحرب، فربما الضعف لا يكون متعلقاً بالناحية العسكرية، ولكنه مرتبط بامرين اخرين اكثر ابدية: اما الاول، فيتعلق بالضرر الذي ستلحقه بنفسها سواء اكانت الحملة نصراً عسكرياً سريعاً يدفعها لمزيد من الثقة والعنجهية، أم كانت حملة طويلة دموية يترتب عليها رد فعل شعبي معاكس. الامر الثاني يتعلق بالضرر الذي سوف تلحقه بالنظام الدولي وبالعلاقات عبر الاطلسي وبالمصير السياسي لاصدقاء جيدين مثل رئيس الوزراء البريطاني توني بلير وبالاخص الضرر الذي سوف تلحقه بمصداقية الامم المتحدة نفسها. فباختصار، لا يستحق الامر دفع هذا الثمن الباهظ. فهناك وسائل اخرى لاحتواء الرئيس العراقي ينبغي اتباعها. واخيراً علينا ان نوضح ان التشابهات التاريخية موجودة لنقطة معينة فقط، فالتاريخ لا يكرر نفسه بشكل كلي، والكثير من السياسيين يلجأون للتاريخ للدفاع عن سياساتهم الحالية. فالصقور الاميركيون يقولون ان فرنسا تميل الى تهدئة الامور بشكل سلبي كما حدث في ميونيخ عام 1936. في حين يرى منتقدو بوش انه يشبه ايدن عام 1956 او القائد الايطالي بنيتو موسوليني من تصرفه مع اثيوبيا عام 1935. فالدور المعني ذو القيمة الذي تلعبه التشابهات التاريخية يتمثل من جعلنا نقف ونفكر: هل نحن مثل نيفل تشامبرلين؟ هل نحن مثل لندون جونسون وفيتنام؟ هل نحن مثل الالمان عام 1914 فنحن لسنا مثل اي من تلك الحالات بشكل متماثل وكامل. ولكن على الرغم من ذلك، فإنه لاتزال هناك فائدة في تدبر هذه التشابهات. ترجمة: حاتم حسين _ عن «لوس انجلوس تايمز» خاص لـ «البيان»