الثلاثاء 1 محرم 1424 هـ الموافق 4 مارس 2003 تفضح الحكومة القديمة - الجديدة، الواقف على رأسها بكل مشكلاته. فقد ظهر شارون، وليست هذه هي المرة الاولى، كواحدة من الخراف التي تسرح في مزرعته - عاجزا خائفا، مذهولا ظله. وبدا للجميع ان «بطل الحرب ومحتل بيروت»، و«عدو الامة العربية»، بات لهم كنمر من ورق، ناموسة لكل شيء. فعلى الرغم من ان شارون احرز النصر لحزبه، الا انه تصرف كواحد من صغار موظفي الحزب. وبدلا من ان يفرض ارادته على نشطاء الحزب كان عبدا لهم. فقد خضع خلال يوم مشبع بالمفارقات لتهديدات وزرائه، وتراجع امامهم لحظة وراء لحظة. رضخ شارون لسلطة رعاع مركز حزب الليكود، على الرغم من انه كان وعد بانه سيشكل حكومته من دون مراعاة نتائج الانتخابات التمهيدية. وبدلا من تشكيل مجلس وزاري مكون من «الاختصاصيين والخبراء»، اختار جملة من التشكيلات العبثية التي تمخضت عن حكومة هي من اكثر الحكومات سوءا منذ قيام اسرائيل. لم تكن هنا عملية تركيب قاطرة لقيادة اسرائيل، ولا أي عملية «تحليق» او ابداع، وانما سلسلة من القرارات المتقلبة التي تسيء حتى لعملية اتخاذ القرارات في السلطة الفلسطينية. وقد كان الامر الذي وجه شارون لدى تشكيله لهذا المجلس الوزاري الغريب هو، رغبة شارون بعدم اثارة غضب، قادة «الميدان». فقد رضخ شارون لبلاغة الخطابة المتغيلة التي اعلنها مقاولو الاصوات، ابطال حدائق المعارض (مقر عقد الانتخابات التمهيدية لليكود) الذين يحتلون المقاعد الخلفية ويغرسون اسنانهم في عنق شارون. وقد بلغ شارون الذروة عندما نقل وزيرا فاشلا من وزارة مهمة الى وزارة اخرى مهمة فقط بسبب خوفه من زبد شفتيه. راقبوا وتسلوا: ثلاثة وزراء خارجية مختلفون خلال ثلاثة شهور. لن يفاجأ العالم بعد اليوم. فقد اعتاد منذ فترة على اصرار جمهورية «البرتقال» الشرق اوسطية على ان تجعل من نفسها اضحوكة . لقد عرف آبا ايبان، وزير الخارجية الاسطوري، لماذا كان عليه ان يموت قبل الانتخابات الاخيرة. من حسن حظه ان يتقلب داخل قبره فقط، اما نحن فستبقى امعاؤنا تتقلب، فيما سيرتمي العالم العربي ارضا من الضحك. يتناقض ضعف شارون السياسي كليا مع صورته الخارجية. ويتضح ان شارون قوي في مواجهة خصومه فقط عندما تتوفر لديه فرق الجيش الاسرائيلي. خذ منه طائرات «الاباتشي، وددبوريم» و«دوفدوفانيم» تكتشف الامور على حقيقتها. ويتصرف شارون في الحلبة السياسية بعد ان تجرده من قوة الجيش المساندة، كالمتردد والمصالح، والمتآمر، المنافق، وفوق كل شيء فهو يترف كالهاوي. فالسلام داخل صفوف حزبه اهم بالنسبة له بدرجات كثيرة من تشكيل حكومة قادرة على العمل، او من صورة اسرائيل امام العالم. وسينعكس هذا الامر ابتداء من هذا الاسبوع، في صورة وزير جديد ثقيل اللفظ واللسان، حظي بمنصبه فقط بسبب الخوف من صيحات زوجته. ويبدو انه يهتم بنقاء كفيه في القيادة بالقدر نفسه الذي يهتم فيه بالثلوج التي تساقطت قبل عامين عندما قرر تسليم سلطة القانون لصاحب سوابق وسياسي مشبوه. (المقصود محاولات شارون تعيين هنغبي وزيرا للعدل قبل عامين) ولو كان شارون تلقى تهديدا مبطنا من عم عنبال لكان منح عضو الكنيست الجديدة منصبا وزاريا. لقد اصبح رئيس الحكومة مديرا لدائرة التشغيل، وهو يخاف من كل مسدس ماء وهمي يوجه اليه. قبل اسابيع معدودة فقط وعد شارون بأن يكون في حكومته 18 مقعدا وزاريا فقط. عدو هذه المقاعد اليوم لتكتشفوا بسهولة ان وعوده لا تساوي شيئا. وحقا نحن امام حكومة من جنرالات البصل والثوم. انه ناد يضم في عضويته فقط كل القطط السمان، والمنبهرين بالاضواء وهم يحملون جميعا سكاكين اخفوها خلف ظهورهم. فكروا مثلا في متانة الثقة السائدة بين شارون، وبين وزير ماليته الجديد، وهما دخلا «عش الزوجية» مجددا بواسطة مفاوضات بين محاميهما، لقد ولدت هذه الحكومة بالخطيئة، حتى قبل ان تؤدي اليمين القانونية، ولا صفة لها ولا رونق. لا تملك كرامة ولا تعرف الخجل، لا مظهر لها ولا جوهر. ويمكن تعداد فشلها في المستقبل من الان دون ان تتورد وجنتاها من الخجل ابدا. وقد حدث كل ذلك فيما كان بمقدور شارون ان يبني، بمساعدة انتصاره الانتخابي، مجلسا وزاريا لا مثيل له مكوناً بغالبيته من اصحاب القدرات والكفاءات، وان يكنس تحت سجادة الحزب كافة مقاولي الاصوات. لكن شارون اضاع هذه الفرصة، وسيرافق هذا الامر الدولة في طريقها الى انهيار اخر نحو الهاوية. لربما كان من الافضل، ونحن نعيد التفكير بالامر. ان نسلمه على الرغم من كل شيء لبلجيكا. بقلم : شاورل تسدقا _ عن «معاريف»