الثلاثاء 1 محرم 1424 هـ الموافق 4 مارس 2003 كل العرب، انظمة وشعوباً يجمعون على شيء واحد وهو ان الحرب في العراق قد تؤثر على العالم كله، لأنهم ومنطقتهم سيدفعون افدح ثمن. والأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى يحذر من ان الحرب ستفتح ابواب جهنم، فيما الرئيس المصري حسني مبارك يقول انها قد تشعل نيراناً مهولة من العنف والرعب. لقد اصبح العرب، المدركين بعمق لتاريخ مهاناتهم مع الاجانب، على وشك ان يروا اليوم احدى دولهم تتعرض للغزو والاحتلال وادارة الرئيس بوش لا تخفي نيتها في ان يكون هذا الغزو الخطوة الاولى في «اعادة رسم» المنطقة، على الأقل في مصلحة العدو التاريخي للعرب، اسرائيل، بقدر ما هو في مصلحتها. والمراقبون من ناحيتهم يضعون مسبقاً كل العواقب المحتملة لهذه الخطوة، والتي تتراوح بين وقوع العراق في خضم حرب اهلية وتفكيكة من قبل القوى المجاورة، الى محاولة اسرائيل اخضاع الفلسطينيين نهائياً، وللأبد هذه المرة وربما بقيامها بطرد جماعي لهم، شبيه بما حصل عام 1948. وقد عقدت القمة العربية في شرم الشيخ في وقت يجد القادة العرب انفسهم في مأزق خطير بين مواقفهم تجاه شعوبهم ومواقفهم تجاه الولايات المتحدة، التي يعرفون انهم سيصبحون اكثر اعتماداً على حسن نواياها تجاههم في عالم ما بعد الرئيس العراقي كما يعرف هؤلاء القادة ايضاً انهم يفعلون القدر الاقل من اي كان في كل العالم للتخفيف من حدة الكارثة التي تتهددهم جميعاً. واصبح المراقبون العرب يرددون القول حالياً ان من المصيب حقاً ان تكون حكومات العالم الاخرى، وبعضها حليف وثيق للولايات المتحدة، اكثر نشاطاً لوضع حد لهذا الوضع مما هي عليه الحكومات العربية. تقول جريدة «السفير» البيروتية ان: «الدول الاوروبية تكن مشاعر قومية عروبية اكثر من العرب انفسهم ويشير هؤلاء الى ان الحكومة التركية وان لم تنجح هي من حاولت جمع الدول العربية لتوقيع مبادرة اقليمية تهدف لتجنب الحرب، وكان التحريض الاوروبي هو الذي حرك الرئيس المصري حسني مبارك ولو متأخراً، للتأكيد على الدور الاقليمي المصري كداعمة للعمل العربي المشترك. فلسطين كانت دوماً هي قضية العرب الاولى، وقد وصل العرب للاقتناع بعجز قادتهم بعد فشلهم على مدى العامين الماضيين في توفير اي دعم ذي معنى للانتفاضة، او على الاقل لدفع الولايات المتحدة الى ضبط، مدللتها، اسرائيل غير انهم اليوم ومع قضية العراق، قد غرقوا في اليأس اكثر. المراقبون يصفون اللحظة الراهنة بأنها الموت الفعلي لمبدأ العروبة الذي هيمن على المسرح السياسي الاقليمي منذ نالت الدول العربية استقلالها بحيث تمثل مكونات «أمة» عربية كبيرة يجب عليها دوماً ان تتعاضد دفاعاً عن المصالح العربية العليا. تقول صحيفة «البعث» السورية: «ان الطلقة الاولى في الحرب الانجلوسكسونية على العراق ستكون رصاصة الرحمة للنظام العربي ـ ذلك النظام الذي اصبح اليوم اقل اللاعبين تأثيراً في الوطن العربي اليوم». من الناحية الرسمية، كل الدول العربية تعارض الحرب.بعض هذه الدول، مثل سوريا، تميل لأن ترضي شعوبها باتخاذها مواقف واضحة ضد الحرب وهذه المرة، بخلاف ما كانت عليه الحال في حرب الخليج، ترى سوريا في هذا الموقف الخيار المؤلم الأقل خطراً. لكن ارضاء أميركا بالنسبة للدول العربية الاخرى سلوك اكثر حكمة، وبالفعل لم تجد هذه الدول من سبيل سوى فعل ذلك بكل ما يعنيه من ازدراء لمقررات القمة السابقة في بيروت، حيث تفتح ست دول منها الآن اراضيها لتكون قاعدة انطلاق للحرب المرتقبة. وهؤلاء الذين لم يمنحوا لأميركا قواعد عسكرية للانطلاق في الغزو، مثل مصر، ينظر اليهم عموماً على الاغلب على انهم يتعاونون سراً مع «معسكر الحرب» الانجلو أميركي، او على أقل تقدير، هم اكثر اتساقاً مع هذا المعسكر مما هم عليه مع الاوروبيين المناهضين للحرب. يقول المحلل حافظ البرغوثي: «النظام العربي لم يكتف باعلان عجزه عن وقف هذه الحرب فحسب، بل انه تطوع للانضمام إليها وكأنه يقاوم رغبة الكثير من الحكومات والشعوب الصديقة في وقف مذبحة متوقعة للشعب العراقي». ويضيف: «غير ان التاريخ سيسجل ايضاً انه ليس الحكومات العربية فحسب قد فشلت وهربت بل الشعب العربي ايضاً كان مرعوباً ومهزوزاً». هذا القول اصبح النمط السائد عن التفكير المرتعد حول اسباب هذا الصمت في «الشارع» العربي، خصوصاً وان السخط الشعبي على الحكومات قد وصل في هذه المنطقة من العالم لأعماق تفوق اي منطقة اخرى. احدى الاجوبة التي تطرح على هذا السؤال هو القمع الفظيع الذي ستواجه به الحكومات اي استعراض جدي للارادة الشعبية. ومن الاجوبة الاخرى الاحساس بعدم المبالاة الذي تبعثه معرفة الشعوب بأن التظاهرات بوجود مثل هذه الانظمة لن تغير شيئاً طبعاً باستثناء احتمال ان تكتسب هذه الاحتجاجات شكلاً شمولياً وانفجارياً بحيث تغير الانظمة برمتها. واحتمال انهم قد يستطيعون ذلك فعلاً، هو الهاجس الذي يؤرق حالياً بعض الانظمة التي تعرف ان هذا الهدوء على السطح ليس معياراً لقياس حجم الغضب تحته، وان ما لم تفلح فلسطين في اطلاق شرارته، قد تستطيع العراق وفلسطين معاً اشعاله. تقول الصحافية المصرية أميرة هويدي: «اذا ما سقطت الصواريخ على بغداد، فقد تأخذ الامور منحى الجنون، خصوصاً في الجامعات». وبالفعل، فقد وصل مدى وعمق ازدراء العرب للمواقف المهادنة لواشنطن حداً يجعل العديد من العرب يرحب به بـ «العدوان» الانجلو أميركي الذي يحتقرونه في الوقت ذاته. حينما غزا الرئيس العراقي الكويت عام 1991، ادان البعض هذه الفعلة باعتبارها انتهاكاً سافراً للأخوة العربية، وفي الوقت نفسه رحبوا بها في الوقت نفسه لاعتقادهم ان نظام الرئيس العراقي هو اقل الأنظمة تردياً داخل النظام العربي وبالتالي فقد كان يوفر الصاعق الذي سينسف كل هذا النظام العربي. غير ان هذا لم يحدث، فبدعم اميركي استطاع النظام العربي بما فيه الرئيس العراقي نفسه ان يبقى سليماً تماماً. لكن الولايات المتحدة هذه المرة كما تشير الكاتبة راغدة ضرغام، هي من ستوفر هذا الصاعق المفجر، وتقول: «ان الاضطهاد الذي يعيشه العراقيون في ظل حكمهم، والازدراء الذي يكنه العرب الآخرون لحكوماتهم التي يعتبروها عصية على الاصلاح، قد وصل بهم حد اليأس». وتضيف «هذا اليأس قد ولد قبولاً بأي شيء يمكن ان يخلخل اسس هذا العالم العربي، حتى لو كان هذا الشيء حرباً يخطط لها رجال ـ بوش واعوانه ـ اشتهر عنهم ازدراؤهم واحتقارهم للشعوب العربية وولاؤهم المطلق لاسرائيل». بقلم: ديفيد هيرست _ عن «جارديان»