الثلاثاء 1 محرم 1424 هـ الموافق 4 مارس 2003 أجرت مجلة «ريبليون» الاسبانية، مؤخراً حواراً شاملاً مع عالم اللسانيات والمفكر الأميركي نعوم تشومسكي تناول فيه حشداً من القضية المهمة، وفي مقدمتها التوجهات الامبراطورية للحكومات الأميركية والاوضاع في أميركا اللاتينية والاستمرار الغريب لأوضاع كثيرة كانت سائدة في ظل الحرب الباردة حتى اليوم على الرغم من الانتهاء المفترض لتلك المرحلة. وفيما يلي نص المقابلة: ـ في التحليلات الأخيرة التي تجرى للوضع العالمي انطلاقاً من منظور اليسار، نجد وجهتي نظر متباينتين، فمن جانب تتحدث وجهة النظر الاولى عن نظام عالمي مشيد من قبل الولايات المتحدة ومسيطر عليه من قبل كبرى الشركات متعددة الجنسية، ومن الجانب الآخر، تقوم وجهة النظر الثانية على فكرة ان العالم مسيطر عليه من قبل السلطة الامبراطورية للولايات المتحدة هل تعتقد ان بوسعنا الحديث عن شكل جديد للامبريالية قاعدته الولايات المتحدة، وما هو دور الشركات الكبرى؟ ـ ان تعبير «امبريالية» واسع جداً، ويمكنه الاشارة الى جميع انواع علاقات القوة والسيطرة وعندما يتوفر هذا النوع من العلاقات بين الدول او مؤسسات اخرى، بوسعنا الحديث عن الامبريالية، ان شئت فيما يتعلق بالنظام العالمي الراهن، يقوم هذا على مجموعة دول قوية جداً، مجموعة السبع بشكل اساسي لكن الولايات المتحدة اقواها جميعاً مع ان الاتحاد الاوروبي يمكنه مضاهاتها حيث يعتبر الاوروبيين القوة بعينها وهذه الدول مرتبطة بقوة بمؤسسات دولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، المسيطر عليهما، في واقع الامر من جانب واشنطن وهي مرتبطة ايضاً بالشركات الكبرى التي تتمتع بسلطة وتأثير كبيرين لكن الشركات ليست عناصر مستقلة بذاتها، اذ تحتاج لسلطة الدولة بطرق شتى بالدرجة الأساسية كي يكون العالم مسيطر عليه وتحت تصرفها لكن هذه الشركات تحتاج الى الدولة بشكل مباشر ايضاً، وذلك من اجل المعونات المالية فاقتصاد الولايات المتحدة ليس اقتصاداً رأسمالياً بأي شكل من الاشكال، حيث يقوم الى حد كبير على قطاع حكومي دينامي جداً. وبالتالي يتعين على دافعي الضرائب تسديد التكاليف وتحمل مسئولية مخاطر الاطوار الجديدة للتطور الاقتصادي، وعندما تؤدي هذه الامور وظيفتها تجني الشركات الخاصة الفوائد بالاضافة الى ذلك، ترتبط هذه الشركات بعلاقات وثيقة جداً فيما بينها. اذ ان شركات مثل «آي بي إم» و«سيمنز» و«توشيبا» تعمل في مشروعات مشتركة وهي تتنافس فيما بينها بشكل نظري لكنها تتفاعل بشكل استراتيجي، حيث بنت نوعاً من النظام المركنتيلي الذي تسيطر عليه قوى خاصة مع كل أنواع الروابط فيما بينها وفي علاقة وثيقة مع الدول الأكثر قوة. ويمكنك أن تسميه مثلما تشاء، فأحياناً يسمونه مركنتيلية تعاونية، وهذا تعبير ليس سيئاً. ـ تعتبر نفسك فوضوياً تحريرياً، ولقد كرست اهتماماً كبيراً لحركة الحرية النقابية في الدولة الإسبانية خلال سنوات الثلاثينات. ويبدو أن الحركة المناهضة للعولمة فيها عنصر فوضوي مهم. هل تعتقد أن الفوضوية، كأيديولوجية واستراتيجية، آخذة باسترجاع دور البطولة. وهل ترى تواصلاً أم إختلافاً بين الحركة المناهضة للعولمة والحركات الفوضوية في كتالونيا وأراغون باسبانيا؟ ـ دعني أشير إلى ضبط مصطلحي، فأنا اقترح أن نتحاشى تعبير «مناهضة العولمة». إذ أن الأمر يتعلق بعبارة دعائية مبتكرة من قبل من يدعمون شكلاً خاصاً للعولمة القائمة على الشركات الكبيرة، من أجل الإيحاء بأن الذين لا يتفقون مع هذا الشكل من العولمة، يريدون الرجوع إلى العصر الحجري. كل العالم يقف إلى جانب العولمة، فهذا الأمر لا جدال فيه. والشيء المؤكد هو أن اليسار والحركة العمالية يرتكزان على فكرة التضامن العالمي، والمسألة هي: أي شكل ستأخذه العولمة؟ ذلك أن الحركات المنادية بالعدالة الشاملة والحركات التي تجتمع في بورتو أليجري لديها رؤية مغايرة عن التكامل العالمي وعن التجمعات متعددة الجنسية. وتلك الحركات ولدت من رحم النضالات الشعبية، من النضالات التي تشكل جزءاً من التقليد الفوضوي. فمثاليات هذا التقليد لم تختف أبداً، وهي تعطي دفعة لكل أنواع النضال. وهي تطرح على بساط البحث، عموماً، مشكلة الزعامات والسيطرة، بما في ذلك سلطة الدولة. وعلى صعيد الممارسة، تشجع على الإدارة الذاتية العمال لنشر الديمقراطية في عالم العمل. وبهذا الشكل لم تسمح «حركة دوس سيم تيرا» في البرازيل وهي تتحدث عن الكومونات في أراغون، لكنها تفعل الشيء نفسه. إنه شيء يحدث بشكل عفوي. ـ أحد أهم مقومات الحياة السياسية في الولايات المتحدة هي القوميات المحيطية. وحديثاً رفعت صفة الشرعية عن حزب الباسك «باتاسونا» الذي له ارتباطات مع منظمة «إيتا». وفي غاليسياثمة حركة قومية مهمة، أقل شعبية من الحركة الباسكية والكتالونية لكنها، بكثير من المعاني، أكثر إنتقاداً وتقدمية. ما هي وجهة نظرك حول هذه القوميات المحيطية ولاسيما حول المشكلة الباسكية وعدم قانونية حزبها الاستقلالي؟ ـ اعتقد ان اضفاء صبغة غير شرعية على حزب استقلالي هو قرار خاطيء، سواء كان ذلك في بلد الباسك أو في ايرلندا الشمالية. وأنا متأكد من أن المنظمات السياسية لها صلة من نوع ما مع الحركات الارهابية، لكن طريقة معالجة القضية ليست رفع الشرعية من الأحزاب، وإنما التوصل الى اتفاقات سياسية تتناول القضية بأسلوب جدي. وهكذا أنا لا أتفق مع اضفاء عدم الشرعية على باتاسونا. وفي ما يخص القوميات، لست متأكد الى اي درجة هي محيطية فعلاً. أعتقد أن دمج أوروبا في دولة كبرى مركزية بشكل كبير ـ وهو الطريق التي يسير فيه الاتحاد الأوروبي ـ هو أمر صحي جداً. هذا ما يحدث في جميع أنحاء أوروبا وبحدة خاصة في اسبانيا، والعجز الديمقراطي الشهير الحاصل بسبب مركزية الاتحاد الأوروبي يمكنه افساح الطريق أمام مجتمع أكثر قوة وصحة. فالأمر يتعلق بأحد أهم التطورات في الأزمنة الأخيرة، لذلك لا أعتقد ان القوميات تسير باتجاه أن تكون محيطية، بل إنها سوف تمتد عبر أوروبا كلها، وهذا ما يحدث فعلياً في الجزء الأكبر من البلدان. من جانب آخر، نعيش رد فعل قوي جداً من جانب اليمين في الحكومة الاسبانية، الذي يحاول بناء وحدة «وهمية» في اسبانيا. وكلمة «وهمية» صحيحة تماماً. فالوحدة تتم في الغالب على مستوى سلطة النخب. وأبعد من ذلك كله، الحقيقة ببساطة هي ان الناس متنوعون جداً ومصالحهم تتقاطع في كل أنواع الاتجاهات، وليس بالضرورة الاقليمية منها، بل العلاقات الطبقية ايضا.. وجميع هذه التطورات هي صحية ويجب تشجيعها. فالكائنات البشرية ليست مخلوقات للدولة، بل تتمتع بأبعاد كثيرة أخرى. ـ أحد الموضوعات التي انشغلت بها أكثر من غيرها هو الوضع السياسي في اميركا اللاتينية حيث تبدو أحداث كثيرة وحديثة في تلك المناطق استمراراً للحرب الباردة وحيث تبدو الطبقات الحاكمة قلقة جداً من «محور شر» جديدة بين فنزويلا والبرازيل وكوبا. ما هو تشخيصك لهذه التطورات؟ ـ إنك على صواب عندما تشير الى الاستمرارية مع مرحلة الحرب الباردة، لكن ثمة سبب لذلك يفيد بأن ما حدث في أميركا اللاتينية لم يكن مرتبطاً كثيراً بالحرب الباردة. فباعتبار الحالة الكوبية، على سبيل المثال، تمثل الحالة التي كان من الممكن ربطها مع الروس، نجد أننا نعرف عملياً، الكثير حول هذه المسألة، لأن أحد الأشياء الايجابية في الولايات المتحدة هي أننا أمام مجتمع مفتوح للغاية حيث تستطيع الوصول الى الوثائق الداخلية أكثر من أي بلد آخر. وإذا دققنا بطريقة صحيحة في الأحداث، فسوف نرى أن المواجهة لم تكن على علاقة بالروس، وإنما بشيء مختلف بشكل كامل. إعتلى كاسترو السلطة في يناير 1959، وخلال شهرين فقط كان مجلس الأمن القومي الأميركي قد خطط للتخلص منه. مع انه في تلك اللحظة لم يكن هناك شيوعيون ولاروس في الجوار. وفي اكتوبر بدأت طائرات اميركية، انطلقت من قاعدة في فلوريدا، بقصف كوبا. وكان هذا بداية مرحلة طويلة من الهجمات الارهابية، مع ان كوبا ربما هي هدف للارهاب اكثر من كل ما تبقى من العالم. وفي عام 1960، اتخذ قرار سري للاطاحة بالحكومة، وسمي ذلك حينها بـ «تغيير النظام». وعندما اصبح كنيدي على رأس السلطة في الولايات المتحدة، فإن أول الاشياء التي فعلتها حكومته كان اجراء دراسة حول اميركا الجنوبية حيث يقولون: مشكلة كوبا هي انتشار فكرة كاسترو حول استعادة زمام السلطة التي سوف تلهم اناساً آخرين في نصف الكرة الارضية ولديهم مشاكل مشابهة على فعل الشيء نفسه. ومن ثم لدينا اجتياح «خليج الخنازير». الكوبيون من جهتهم رفضوا هذا الاجتياح وقاوموه، الامر الذي اغضب حكومة كنيدي الذي امر فريقه بأن يطلق ضد كوبا كل ارهاب الارض بسبب تحديها المنتصر للولايات المتحدة، وليس بسبب صد العدوان فقط. كما انهم يقولون في الوثائق حرفيا: ان وجود نظام كاسترو بحد ذاته يشكل تحدياً للسياسة الاميركية في اميركا اللاتينية خلال القرن ونصف القرن الاخير، مع ان هذا النظام كان من المفترض ان يكون تحت سيطرة الولايات المتحدة، لكنه الآن يشق طريقه بنفسه. لذلك بدأوا حينها سلسلة طويلة من الهجمات الارهابية ضد كوبا التي لم تكن مزحة بأي حال من الاحوال. فلقد كانت جدية جداً وادت إلى مقتل عدد كبير جداً من الاشخاص وإلى تدمير شامل وغرق سفن ومحاصيل مسمومة... الخ. ووصلنا بذلك إلى ازمة الصواريخ حين نصب الروس اسلحة نووية تحسباً للغزو، وفي المحادثات الجارية الآن في الذكرى الـ 40 للأزمة، يقول موظفون اميركيون مثل ماكنمارا: اننا لم نكن نخطط في الواقع، للغزو. لكنه يقول ايضاً انه لو كان روسياً او كوبياً، لافترض ان العدوان كان على الابواب، لان كل شيء كان مصوباً في ذلك الاتجاه. وهكذا تم وضع الصواريخ هناك لاحداث تأثير رادع لخطط العدوان. وكاد ذلك ان يفجر العالم تقريباً. ولقد عرفنا للتو عندما كنا قريبين من نهاية المفاوضات التي جرت الاسبوع المنصرم في هافانا بأن الذي انقذ نصف الكرة الارضية الشمالي من الدمار الشامل كان ضابطاً روسياً ألغى الامر بإطلاق الصواريخ النووية عندما كانت غواصته تتعرض لهجوم من قبل مدمرات اميركية. وبفضل ذلك مازلنا على قيد الحياة.لكن ما الذي حدث بعد ازمة الصواريخ؟ استمر كنيدي وعملياً زاد الهجمات الارهابية ضد كوبا. فقبل عشرة ايام من اغتياله، اعطى اوامر جديدة بعمليات ارهابية وابتزازية في كوبا، وهذا متواصل حتى اليوم. وعلاوة على ذلك، هناك حصار يخنق البلد. وذلك يعني ان تدخل الروس كان يهدف في نهاية المطاف إلى حماية كوبا من الهجمات، لكنه لم يكن يتعلق بالحرب الباردة، واذا امعنت النظر في اشياء اخرى، سترى الشيء نفسه. فعملياً في الحالة النيكاراغوية، اجتاحت الولايات المتحدة الساندينيين بأيدي الروس وذلك عن وعي وقصد منها، لانها ارادت ذريعة للهجوم الذي كانت تقوم به. وارادت نيكاراغوا طائرات للدفاع عن مجالها الجوي من هجوم الولايات المتحدة التي حلقت طائراتها فوق نيكاراغوا مرسلة رسالة إلى القوى الارهابية قائلة لها إلى أين كان يتعين عليهم الذهاب... إلخ ولذلك ارادت نيكاراغوا الدفاع عن مجالها الجوي وحاولت الحصول على طائرات فرنسية، لكن الولايات المتحدة ضغطت على فرنسا كي لا ترسل طائراتها إلى نيكارغوا، فلقد ارادت واشنطن ان تقدم تلك الطائرات من جانب الروس، ولحسن الحظ ان الساندينيين كانوا مستعدين كي لا يقبلوا بالطائرات الروسية، لكن على كل حال استمرت ادارة ريغان بنشر شائعات بأن نيكاراغوا كانت ستحصل على الطائرات الروسية الجاهزة لمهاجمة الولايات المتحدة. انك اذا حللت الحالة تلو الاخرى فسترى انها جميعاً تعمل على هذا النحو. ـ خرجت البرازيل للتو من انتخابات تؤكد تقدم اليسار في القارة. ما هي الاستراتيجيات التي تطورها السلطة للسيطرة على هذا التقدم؟ ـ تشكل البرازيل مصدر قلق الآن ـ مثلما كانت كذلك في ظل ادارة كينيدي، والاسباب هي نفسها حيث كان غولارت يتحرك باتجاه وضع استقلالي، فلقد كان شعبياً معتدلاً. وادارة كنيدي لم ترق لها الاصلاحات التي كان يقوم بها. لذلك اعدوا ـ ولم يكن هناك روس في الجوار ـ لانقلاب عسكري تجسد بعد اغتيال كنيدي بقليل. وقامت ديكتاتورية عسكرية وحشية، صفق لها انصار كنيدي ووصفوها كأكبر نصر بالنسبة للحرية في اواسط القرن العشرين وذلك بشكل حرفي، بينما كانت تمارس ابشع انواع التعذيب وكل الاشياء الاخرى. وكل ذلك لا يمت للروس بصلة. بل كان مرتبطاً بمسألة ان البرازيل ـ التي هي اهم من كوبا بكثير ـ كانت تتحرك باتجاه موقع استقلالي، ما جعلها مسألة لا تحتمل الانتظار وليس مسموحا بها. الشيء نفسه يحدث اليوم في فنزويلا. اذ ان شافيز شخصية قليلة الشعبية في الولايات المتحدة، التي تقول عنه انه شعبوي واصلاحي.. وفعل شيئاً رهيباً للغاية بعد يوم واحد من انتشار اخباره هنا. اعاد تسمية ما يسمى بـ «يوم كولومبوس» بـ «يوم مقاومة السكان الاصليين». وهكذا لا يزال يتعين عليهم التفكير بطريقة للتخلص من شافيز، لكن ينبغي ان تكون طريقة مغايرة لسابقاتها في حالة البرازيل، لدينا الآن لولا مرشح حزب العمال الذي يمثل وبقوة اكبر واهم حزب اشتراكي ديمقراطي في العالم. والولايات المتحدة تحاول بكل قوتها منع اعتلائه السلطة. ومع انها لا تستطيع في هذه اللحظة وقف مسيرة الفوز الانتخابي، لكن الذي فعلوه كان فرض شروط ـ ليس الولايات المتحدة وحدها، وانما كل المجتمع العالمي ونخبة الاعمال في البرازيل ـ هي الشروط ذاتها التي يجب على اي رئيس جديد ـ لولا في هذه الحالة ـ الالتزام بها، ولم تعن في جوهرها اكثر من استمرارية السياسات الليبرالية الجديدة. لهذا السبب كانوا يستثمرون على الارض، مهاجمين العملة.. انها تقنية «ستاندر» لتدمير بلد، وتشكل جزءاً من عولمة الليبرالية الجديدة: اطلاق الحرية المالية يزود المستثمرين وملاك الاراضي بسلطة هائلة على البلدان. وذلك هو ايضاً احد الاسباب التي ادت لهبوط النمو الاقتصادي ـ بشكل معتبر خلال العشرين عاماً الاخيرة على الصعيد العالمي. لكن هذه السياسات الليبرالية الجديدة تقوض الديمقراطية ايضاً، وذلك اهم بكثير، اذ انهم يسحبون سلطة القرار من الدول ويعطونها للمستثمرين العالميين والملاك.،. الخ وحتى ان الحديث يتم احياناً عن «مجالس نواب افتراضية» تحدد سياسات حكومية عن طريق سيطرة رأس المال العائم، العملة... لتأخذ البرازيل كمثال، فنتيجة السياسات الليبرالية الجديدة التي قام بها كاردوسو، اصبحت البرازيل ترزح تحت عبء دين كبير. ولقد طلبوا قرضاً من صندوق النقد الدولي ومنحوهم قرضاً كبيراً، لكن بشرط واحد فقط: يبقى القرض مجمداً الى ما بعد الانتخابات، وسيكون على الرئيس الجديد مواصلة معايير صندوق النقد الدولي، ما يعني بشكل اساسي استمرار السياسة نفسها. انه خنق للبلاد. والمخرج الوحيد ثوري بشكل او آخر: ان تمسك اميركا الجنوبية زمام شئونها الخاصة بيدها وتواصل طريقها الخاص. فبلد واحد فقط، مثل كوبا او فنزويلا، لا يستطيع القيام بذلك، لكن جزءاً اساسياً من القارة قادر على ذلك، اذا ما كان البرازيل مستعدة. مما يعني، من جانب اخر، حرباً طبقية في البرازيل. ـ هل تعتقد ان ذلك يمكن حدوثه على المدى القصير؟ ـ إنني اعتقد انه سوف يحدث عاجلاً ام آجلاً، لكن لا اعرف إذا ما كان الوضع ناضجاً الآن بالذات. ولا يمكن ان يحدث اذا لم يتوفر دعم كبير من الشمال، طبعاً ليس من جانب الحكومات، وانما الناس. فإذا نمت وامتدت هذه الحركات المنادية بعدالة شاملة، من الممكن تقديم قاعدة دعم شعبي. والناس يتمتعون بقدرة جدية على المناورة وتاريخياً وجدت اصلاحات جوهرية. على سبيل المثال، لا يستطيع اي رئيس اميركي الآن فعل ما فعله كنيدي: الهجمات على فيتنام، تنظيم انقلاب عسكري في البرازيل، حرب ارهابية ضد كوبا.. فالرؤساء مجبرون الآن اكثر من ذي قبل بسبب التغيير في الجمهور العام، الذي يفرض حدوده على السلطة. وحركات العدالة الشاملة تستطيع تنفيذ تطويرات صحية جداً، موجهة باتجاه ضرورات الناس وليس باتجاه مصالح الشركات متعددة الجنسية. والبرازيل وفنزويلا وبلدان اخرى هي مقومات حاسمة في كل هذا، والبلدان التي تعاني اكثر من غيرها هي المسيطر عليها بالكامل من قبل الولايات المتحدة. السيطرة اكبر في الكاريبي واميركا الوسطى، اما النتيجة فهي كارثة كاملة، فالبلد الاكثر فقراً في نصف الكرة الارضية هذا هو هاييتي والثاني الاكثر فقراً هو نيكاراغوا، وغواتيمالا هو الثالث.. فمنذ عام 1990، عندما استعادت الولايات المتحدة سيطرتها بشكل كامل عليها وهذه البلدان تعاني في سقطة حرة، ذلك انها صغيرة جداً لفعل شيء، لذلك تحتاج الى الدعم والمساعدة. ـ عندما انهار الاتحاد السوفييتي،خلص العالم كله الى استنتاج مفاده ان التخطيط المركزي لم يكن قابلاً للحياة، لكنهم رفضوا ايضاً الخيارات الاخرى ـ مثل المجالس العمالية ـ الاقرب للتقليد التحرري الذي توصف به انت حيث اعتبرت جميع هذه الافكار طوباوية. وحسب الادعاءات الرسمية، فإن الطريقة الوحيدة الممكنة لتنظيم الحياة الاقتصادية هي رأسمالية حرية السوق، كيف تفسر رد الفعل هذا؟ ـ انه لرد فعل مثير للاهتمام، وعملياً كتبت حول الموضوع عندما سقط جدار برلين. واعتقد ان سقوط الاتحاد السوفييتي كان نصراً صغيراً بالنسبة للاشتراكية، مثل هزيمة الفاشية، اذ فتح طريق امام الاشتراكية من جديد. ذلك ان البلاشفة كانوا معادين للاشتراكية بشكل جذري منذ اللحظة الأولى. والاجراء الأول الذي اخذه لينين وتروتسكي في عام 1918، كان تصفية المجالس العمالية وتصفية مجالس السوفييت وتصفية المجلس التشريعي طبعاً. وكان عليهم تدميرها جميعاً لأنهم ارادوا تشكيل ما اطلقوا عليه اسم جيش العمال الخاضعين لمشيئة الزعيم، ولقد قاموا بذلك على اساس ما اعتبروه هم ماركسيين مفترضين حيث استلزمت تعدديتهم الماركسية فكرة ان روسيا لم يكن بوسعها ان تكون اشتراكية بدون ان تكون صناعية بالقوة وبشكل عاجل. وبعد التصنيع، كان التاريخ سيضع سحره حيز التطبيق وكل ذلك. لكن على المدى المتوسط، اصبح الاتحاد السوفييتي القوة الاكثر راديكالية المعادية للاشتراكية في العالم، اي اسوأ من المانيا النازية. لم يكن هناك منظمات شعبية ولا منظمات عمالية والمجالس العمالية لم توجد بالمطلق. ان تصفية هذا النظام خلفت حيزاً جدياً للمثاليات الاشتراكية الليبرالية، وهكذا يكون ما تكتشفه صحيحاً، وبالتالي هذا هو تفسيره، لكن الاحداث جاءت متعارضة بشكل جذري. وهذا هو احد اكبر الانتصارات التي حققتها دعاية لم اشاهد مثيلاً لها مطلقاً. ـ ما هي وجهة نظرك حول الخيار التقليدي الاخر لليسار، الاشتراكية الديمقراطية؟ ـ حققت الاشتراكية الديمقراطية نجاحاً غير عادي. طبعاً لم تحل جميع المشاكل، لكن عندما تم تطبيقها على المجتمعات عملت افضل بكثير من النظام السوفييتي وبطريقة اكثر انسانية. لدينا على سبيل المثال الصحة حيث نجد في هذا الميدان ان الولايات المتحدة هي البلد الصناعي الوحيد الذي لديه صحة عامة محدودة الى اقصى حد. فالصحة هنا ربما هي اسوأ من اي بلد صناعي آخر: انفاقات الفرد ضعف بقية البلدان الصناعية والنظام عاجز بشكل كامل، بطريقة انه اذا كنت شخصاً فقيراً في وسط بوسطن ولديك ازمة قلبية او شيء من هذا القبيل، فإنهم يأخذونك الى الطوارئ ويعالجونك. لكن لاحظ ان هذه هي الطريقة الأغلى والاقل تأثيراً. حيث لا يوجد اي تدبير وقائي والمعالجة باهظة الثمن لأنهم يستخدمون المستشفى العام في ماساشوسيتس، وهكذا توجد صحة عامة الى حد ما، لكنها عاجزة الى حد كبير. فهذا ما يحدث عندما تتحرك باتجاه انظمة السوق. في البلدان التي لديها شكل ما من خيار الاشتراكية الديمقراطية ـ وهناك انواع كثيرة مختلفة ـ تسير الامور بشكل اكثر فعالية بكثير. فعندما تملك نظاماً خاصاً، يوجد عدد كبير من البيروقراطيين والمحاسبين وكل انواع الناس الذين يضمون ان لا يعطي الاطباء علاجات كافية للناس. وكل تلك البيروقراطية تفسح الطريق اما تكاليف كثيرة. وحيث عملت الانظمة الاشتراكية الديمقراطية، قاموا بذلك بشكل عقلاً في جيد وبكل تأكيد انه افضل الخيارات. وهكذا ان الاستنتاجات التي اشرت اليها سابقاً ـ التي هي الاستنتاجات الاعتيادية ـ ما هي الا دعاية سخيفة. والمؤكد هو العكس تماماً، وهذا يعني ان ما يتعين علينا القيام به هو ان نتحرك باتجاه اشكال جدية من الديمقراطية، يكون فيها الاقتصاد على سبيل المثال تحت السيطرة الديمقراطية. والبرنامج النيوليبرالي يذهب بالاتجاه المعاكس تماماً. ذلك ان ما جرت العادة على تسميته بالخصخصة لا يتمتع بأي نوع من الحافز الاقتصادي، لكن فيه حافز مهم ضد الديمقراطية: اذ خصخصت خدمة ما، الصحة على سبيل المثال او الماء او اي شيء اخر فانك تسحب بذلك السيطرة العامة، تسحب سيطرة الاختيار الديمقراطي وتضع مكانها سيطرة الشمولية ان شركة خاصة هي مؤسسة شمولية انها اقتصاد موجه ومسيطر عليه من الاعلى الى الاسفل ولا يقدم حسابات للجمهور وهكذا لا توجد براهين اقتصادية على الخصخصة: المؤسسات العامة في البلدان الفاعلة هي فاعلة وفي بلدان غير فاعلة هي غير فاعلة. ـ من الجانب الآخر، شكل الاشتراكيون الديمقراطيون تاريخيا ظاهرة في «العالم الاول» في بلد مثل الارجنتين التي تمر الآن بأزمة اقتصادية واجتماعية عميقة، هل تعتقد ان الاشتراكية الديمقراطية يمكن لها ان تشكل حلا واقعيا، وماذا يمكن ان يكون الحل على المدى القصير؟ ـ ان ايجاد حل على المدى القصير بالنسبة للارجنتين الآن، مسألة صعبة جدا، وهناك اسباب كثيرة تجعل من الانظمة الديمقراطية ظواهر من «العالم الاول» وعندما تظهر في «العالم الثالث» تداس بشكل عنيف. ـ مثل الليندي في تشيلي؟ ـ اونيكاراغوا او غواتيمالا او امكنة كثيرة اخرى اما اذا تحركت السويد او فرنسا باتجاه الاشتراكية الديمقراطية فانك لا تستطيع سحقها وهكذات تحاول وضع لهذه الحركات بأساليب اخرى لكنك لا تستطيع تنفيذ انقلابات عسكرية ومن نافل القول انه من الممكن ان توجد مشكلات اخرى تبعا للبلد المعني اميركا اللاتينية لديها على سبيل المثال مشاكل داخلية جدية، علاوة عن تلك التي يزودها بها العنف الامبريالي، وبلدان اميركا اللاتينية لا تسيطر على طبقاتها العليا حيث لا يدفع الاغنياء ضرائب وليس لديهم روابط ولا مسئوليات مع مجتمعهم الخاص اذا دققت في اشياء بسيطة للغاية مثل الاستيرادات يمكنك رؤية انها في اميركا اللاتينية هي منتجات ترفية في غالبيتها، واذا نظرت الى بلدان شرق آسيا التي هي فقيرة على وجه العموم سترى انها تستورد وسائل انتاج والاغنياء يدفعون الضرائب ولا يوجد فرار لرؤوس الاموال، لكن يوجد مجتمع يحاول ان يتطور، اما في اميركا اللاتينية فان المجتمع منقسم بشكل عميق الى طبقتين الاغنياء فيه يشكلون جزءا من الـ «عالم الاول» وارتباطهم ببلادهم ضعيف جدا، ماعدا ذلك الجانب المرتبط باستغلال الايدي العاملة الرخيصة فعمليا اذا عشت في مدينة ساو باولو، فإن علاقتك بالفقراء البرازيليين هي نفسها عمليا التي تعيشها في مدينة نيويورك: هم من ينظفون بيتك وتلك مشكلات داخلية في اميركا اللاتينية يتوجب ايجاد حل لها، مشكلة اخرى هي ان بلدان اميركا اللاتينية كانت بشكل تقليدي منفصلة بعضها عن الآخر وهي تتجه نحو اوطانها الام القديمة، او كما يحدث الآن نحو الولايات المتحدة، لكن ليس فيما بينها وحتى النقل بينها موجة بغالبيته الى الغرب وهذه الاشياء يتعين ايجاد الحلول لها ايضا والارجنتين تعيش الآن في وسط هذا كله الارجنتين كانت افضل طالب لصندوق النقد الدولي، لكنها انهارت بالكامل لذلك عليها الآن امتلاك ما يعادل الثورة الاجتماعية وهذا ما يحدث على الارض الى حد كبير حيث لم يقرر الناس الانتحار ببساطة بل انهم يبنون الانماط التناوبية للوجود ونحن نشهد ظهور تعاونيات وانظمة تبادل تقوم على المقايضة، الارجنتين كقوة كامنة هو بلد غني جدا واذا حول المجتمع اتجاهه يمكنه فعل الكثير. ـ كفيلسوف وعالم لسانيات، بحثت دور وسائل الاعلام في خلق ما اسماه ايتييني دي لا بويته عبودية الارادة ويروق لنا ان نختتم هذا الحوار بتوجيه سؤال هز الفلسفة السياسية طوال قرون من الزمن: لماذا لا يثور الناس المضطهدون ضد اضطهادهم؟ ـ المسألة اعمق من ذلك بكثير! لدينا على سبيل المثال حالة النساء فلقد مورس اضطهاد رهيب ضد النساء في العالم كله تقريبا وطوال التاريخ كله، بما في ذلك الغرب لكنهن لم يثرن مع انهن فعلن ذلك بطريقة ما، لكن بشكل اساسي كتمن الاضطهاد، والشيء نفسه حدث في مجتمعات العبودية، فطوال فترات زمنية طويلة لم يثر العبيد اذ انهم اعتقدوا ببساطة ان هذا كل ما هو موجود وقالوا: ان علينا محاولة ممارسته بأفضل ما نستطيع وعلينا اللجوء الى اشياء اخرى عن طريق ثقافتنا وعلاقاتنا الشخصية التي هي في الاصل تشكل جزءا من عالم يجهله الاسياد، والشيء نفسه فعلته النساء لكن الناس يكتمون الاضطهاد والذين لا يفعلون ذلك ويحاولون المقاومة فانهم يدفعون ثمنا كبيرا جدا لذلك ان المسألة ليست بهذه البساطة فمع ان الاثمان تتباين، الا انها يمكن ان تكون هائلة وذلك ما يجعل الناس مسيطر عليهم خلال فترات زمنية طويلة والشيء نفسه يحدث في الثقافة الاميركية حيث يشعر الناس بانهم عاجزون ولا يفعلون الكثير من اجل حل مشاكلهم لانهم لا يرون كيف يفعلون ذلك، اما اذا فعلوا ذلك فان التكاليف الباهظة بانتظارهم وهذه التكاليف او الاثمان ليست هي القتل في اميركا لكن يمكن ان تكون باهظة لنفترض انك عامل في مصنع وتريد القيام بشيء بسيط للغاية مثل تنظيم نقابة، نجد ان ثمة ثمن يدفعه المنظم، فاما ان يفصلونه من العمل او يضعوه ضمن القائمة السوداء.. الخ، اما اذا نجح جهد انشاء نقابة، فان الناس جميعا يكسبون لكن النشاطات تواجه بأثمان لكن تقنيات السيطرة لا تعمل دائما، فثمة خميرة مقاومة متواصلة وتنتصر بشكل مستمر، لذلك نعيش في عالم افضل من عالم ما قبل خمسين عاما واذا عدنا الى مسألة حقوق المرأة، سنجد انها افضل بكثير مما كانت عليه قبل خمسين عاما اذ حدث تحسين هائل في اوضاعها في الجزء الاكبر من العالم ولم يكن ذلك هدية بل كان نتيجة نضال طويل دفع الناس من خلاله ثمنا باهاظا ولاقوا صعوبات جمة لكن هذا النضال يستحق العناء مع الوقت. ترجمة: باسل ابو حمدة _ عن «ريبليون» ـ اسبانيا