الاثنين 30 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 3 مارس 2003 اجرت مجلة «تايم» حواراً مطولاً مع هانز بليكس كبير مفتشي الامم المتحدة في العراق تحدث فيه عن مدى صدقية العراق ومدى ضرورة التهديد باللجوء إلى القوة العسكرية وعن اجواء التشاحن داخل اروقة مجلس الامن حول الازمة في العراق. وفيما يلي نص الحوار: ـ في الظروف المثالية، الى متى ينبغي ان تستمر مهام بعثة التفتيش الدولية حتى تعرف ما إذا كان العراق متعاونا؟ ـ يفترض ألا يستغرق ذلك وقتا طويلا، ستكون هناك دائما شكوك، لكن بالنسبة للأمور الكبيرة، مثل النشاطات على صعيد الصناعة، أعتقد أننا بحاجة الى أشهر فقط لانجاز مهامنا. ـ هل تعتقد ان العراق يزداد تعاوناً؟ ـ من المؤكد أن هنالك اختلافاً بين لهجة تقريري المقدم الى الامم المتحدة في 27 يناير الماضي ولهجة التقرير الثاني الذي قدمته في 14 فبراير الماضي. من المفترض ان اقدم توضيحا دقيقا لما اراه على ارض الواقع، واذا تغير الواقع، فمن واجبي ان اسجل ذلك. وبحلول 14 فبراير كنا قد لاحظنا عدة امور فتحت امكانية احراز تقدم، وان كانت لم تقربنا من بلوغ هدفنا في نزع السلاح. ـ ماذا كانت بالضبط امكانيات التقدم؟ ـ لقد اخبرنا العراقيون في باديء الأمر بأنهم دمروا كل الاسلحة البيولوجية في صيف 1991، لكن الوثائق التي تثبت ذلك دمّرت ايضا، وليس لديهم ما يقولونه اكثر من ذلك. والان قالوا لنا انه ربما تكون هناك طريقة لاكتشاف شيء تحت الارض. وانا قلت ان مفتشينا لا يعلقون آمالاً كبيرة على هذا الكلام. لكننا مع ذلك مستعدون لمتابعة الامر معهم. ثم بعد ذلك زعموا انهم حفروا الارض حتى وصلوا الى الصخر، واخبرونا اننا ربما نجد آثاراً للاسلحة المدمرّة المدفونة. ـ هل ثمة وثائق اخرى تبعث على الامل بإحراز تقدم؟ ـ تلقينا رسالة تضمنت اسماء الاشخاص الذين شاركوا في عملية تدمير الاسلحة البيولوجية في صيف 2001. بعض هؤلاء لايزالون على قيد الحياة، ويمكن اجراء مقابلات معهم. ومنذ ذلك الحين تلقينا قوائم باسماء اخرى من قطاع الصواريخ ومن قطاع الصناعات الكيماوية. ولا استطيع الان استباق الاحداث بشأن النتائج التي يمكن ان نصل اليها من التحدث الى هؤلاء. لانهم ربما يكونوا قد تلقوا توجيهات دقيقة حول ما سيقولونه لنا. وقد نسمع منهم ذات الرواية الرسمية. ـ هل بدأتم بمقابلة الاشخاص المذكورين في تلك القوائم؟ ـ ليس بعد، لكننا نخطط الان لوضع الآلية المناسبة للقيام بذلك. ـ هل من الضروري التهديد باستخدام القوة للحصول حتى على الحد الادنى من التعاون من جانب العراق؟ ـ كما يقول الامين العام للامم المتحدة كوفي عنان، فان الدبلوماسية قد تكون بحاجة للدعم بالقوة. وبعثات التفتيش ربما تكون بحاجة للدعم عن طريق زيادة الضغوط على العراق. ـ إذن فان حشد القوات العسكرية الاميركية في المنطقة ساعدكم فعلياً؟ ـ لا اعتقد انه كان بوسعنا القيام بأي مهام تفتيش لولا الضغوط الخارجية، بما في ذلك حشد القوات الاميركية. ـ هل أعضاء مجلس الامن يعتمدون عليكم اكثر من اللازم في صنع قراراتهم؟ ـ لا اعتقد ذلك. فانا ارى ان الولايات المتحدة اكثر تصميما الان على التمحيص في مدى تعاون العراق من التمحيص في درجة نزع اسلحته. ويبدو لي ان الولايات المتحدة وبريطانيا مهتمتان بشيء اساسي، وهو ما إذا كان هناك تغير في جوهر التعامل العراقي. ـ انت قلت في 14 فبراير ان هناك العديد من المواد المحظورة بما في ذلك اطنان من المواد الكيماوية الفعالة. لم يبرر فقدانها. وقلت ان هناك قضايا اساسية عالقة، بما في ذلك مكان وجود مستودعات الانتراكس وسموم «في أكس» والصواريخ، بعيدة المدى. اليس هذا كافيا للقول ان العراقيين لا يتعاونون معكم؟ ـ هل يمكننا اعتبار عدم تلسم الوثائق التي هم ينكرون وجودها بمثابة عدم تعاون؟ هم ينكرون امتلاك هذه الوثائق، والآخرون يقولون انهم يرفضون اعطاء الوثائق. وانا لا أملك دليلاً على ان الوثائق بحوذتهم. ـ إذا، عندما تسألونهم عما فعلوا بالانتراكس، يقولون لكم انهم القوها في حفرة في الصحراء؟ ـ اجل، لكن ليس في حفرة في الصحراء، بل سفحوها على الارض، وهكذا فعلوا بمواد «في اكس» السامة. ـ هل تصدقهم؟ ـ أود أن ارى دليلاً على كلامهم، وانا لا اعتمد في عملي على احساسي الغريزي. عليّ ان اكون محامياً، اريد ان اجد دليلا ملموسا، اريد ان اقابل اشخاصا محددين. واذا كان بحوذتهم وثائق حديثة، نحدد ما إذا كانت حقيقة ام زيف. ـ كيف يمكن ان لا يكون هناك اي وثائق؟ الم يكن النظام العراقي في السابق معروفا بكفاءته العالية في حفظ السجلات؟ ـ بل، لقد كان من افضل الانظمة تنظيما في العالم العربي. لكن اذا قاموا بتدمير الوثائق بالدرجة نفسها من الكفاءة، اذن، فربما لم يتبق سوى القليل منها، لكن في المقابل، عندما كانوا بحاجة لاثبات شيء، كانوا يجدون السبيل الى ذلك. ـ اذن هناك شيء من الغرابة في الامر برمته؟ ـ نعم، الامر غريب بعض الشيء. ـ ماذا ستفعل اذا لم تستطع في نهاية المطاف الحصول على وثائق كدليل ملموس؟ ـ لن اقول انهم مدانون فانا لا اجزم بان الوثائق بحوذتهم. لكنني لن أوصي مجلس الامن بالثقة فيهم. ـ هناك ايضا تساؤلات حول ما اذا كانت كميات الاسلحة التي صرّح عنها العراق اصلا تمثل الكميات الاجمالية التي يملكها. ـ انت تلمح هنا الى افتقارهم الى المصداقية، بالطبع ليست لهم مصداقية، ولو كانوا يتمتعون باي قدر من المصداقية، فمن المؤكد انهم فقدوه في عام 1991م. ولا ارى انهم اكتسبوا اي مصداقية منذ ذلك الحين، لابد من وجود ادلة ملموسة على كل شيء، واذا لم يكن هناك ادله، او اذا لم يعثرا هم على الادلة، فاننا نقول : عذرا، لا اجد اي ادلة، ولا استطيع ان اوصي بالثقة في العراق. ـ اذن فالامر يعود الى مجلس الامن ليأخذ النتائج التي خلصتم اليها و.. ـ هذا صحيح فالخيار الاخير هو قرار سياسي. ـ هل تقدم مذكرات سرية الى اعضاء ادارة بوش؟ ـ حسنا، انني التقي بكولن باول وكوندوليزا رايس في بعض الاحيان. ـ هل تشعر باي ضغط من جانب الولايات المتحدة لإضفاء صيغة معينة على تقاريرك؟ ـ المناقشات بيننا متحضرة جداً. وبعض الاشياء التي تنقلها وسائل الاعلام فيها بعد بعيد تماما عن اجواء محادثاتنا. ـ ماذا عن التوقيت؟ الجدول الزمني الملح لادارة بوش مقيد بالمخاوف من ان موسم الحرّ الوشيك سوف يعرقل خططها العسكرية. ـ سألت عن ذلك، وقيل لي ان التأخير يصعب مهام القوات العسكرية، لكنه لا يحول دون تنفيذها. وهذا ليس عاملاً حاسماً. ـ على من طرحت هذا السؤال؟ ـ من غير الحكمة ان اجيب على هذا. ـ هل فاجأك اي شيء في اجتماع مجلس الامن في 14 فبراير؟ ـ لا. لقد قمت بتسجيل ما قاله وزير الخارجية الفرنسي بعناية شديدة، وهو قال انه لا يستثني خيار استخدام القوة. وقال القضية في جوهرها مجرد موضوع وقت. ـ هل تشير في كلامك هذا الى ان الفجوة بين الولايات المتحدة وفرنسا ليست عميقة حقاً؟ ـ ربما لا تكون كذلك. لقد قرأت اعلان الاتحاد الاوروبي الذي يقول ايضا ان مهام التفتيش يجب ان تستمر لكن لا يمكن ان تستمر الى الابد. لذلك اعتقد ان الفرنسيين في مرحلة معينة سيكونون مستعدين للقول انه في حال فشل مهام التفتيش، سيكون الوقت قد حان لاستخدام القوة. ـ هل تعتقد ان اتاحة ثلاثة اشهر اضافية لمهام التفتيش هي فترة معقولة؟ هل ستكون اتاحة تسعة اشهر فترة طويلة اكثر من اللازم؟ ـ اذا تعاون العراقيون بعفوية، بشكل كامل، فلن نحتاج الى وقت طويل، واذا كان مستوى التعاون متوسطا، فان التحقيق في الامور سوف يستغرق بعض الوقت. هل سنتمكن من انجاز ذلك بحلول منتصف مارس او حتى أبريل لا سوف يستغرق الامر فترة اطول من ذلك، اسلافي تحدثوا عن سنتين، وانا سأكون اكثر تفاؤلا من ذلك. سيستغرق الامر شهوراً. ـ هذا اذا تعاون العراقيون، أليس كذلك؟ ـ أجل، فإذا حاولوا اعاقة عملنا، فسيكون من الصعب علينا احراز اي تقدم، واذا اجرينا مقابلات مع كل اولئك الاشخاص الذين وردت اسماؤهم من القوائم، وسمعنا القصة ذاتها منهم جميعا، نعم، لقد كنا هنا، ورأيناهم وهم يسفحون المواد البيولوجية والكيماوية على الارض.. الخ، عذراً لقد نظرنا في كل الوثائق التي في حوذتنا ولم نعثر على اي شيء جديد». عندها نكون قد وصلنا الى طريق مسدود. وسوف اذكر ذلك في تقريري. ـ ما الذي يمكن ان يجعلك تقول «هذا يكفي»؟ ـ اذا سألني مجلس الامن بصراحة عما اذا كان هناك اي معنى للاستمرار في مهام التفتيش؟ بعد شهر من الآن، لا أدري ماذا سيحدث في تلك الفترة. واذا تبين ان جميع الشهود يقولون ما يملي عليهم، واذا لم يجد العراقيون اي وثائق، واذا كنا لانزال نعوم في الدائرة نفسها، فمن المفترض ان ذلك سيعطي خلاصة سلبية. ـ هل تعتقد ان الرئيس العراقي شخصيا يقود التحركات العراقية اليومية؟ ـ إنني واثق من ذلك. ـ هل تستند في حكمك هذا على أي دلائل واضحة؟ ـ هذا هو تعريف الدولة الدكتاتورية. ـ هل تشعر بأنك تحت المراقبة داخل العراق؟ ـ كلا، لكنني افترض ان هذا امر مفروغ منه. ـ هل تعتقد ان المسئولين العراقيين يحصلون على اشعارات مسبقة حول مكان توجه فرق التفتيش؟ ـ ليس لدينا دلائل تشير الى انهم يعرفون مسبقاً وجهتنا، الا قبل فترة قصيرة نسبياً. وعندما نخرج من بغداد، بالطبع يمكنهم معرفة أننا نتجه شمالاً أو شرقاً.. الخ. ونحن نعي تماما خطر تعرضنا للاختراق الامني، فهذه الفرقة (من الامم المتحدة) ليست بيئة آمنة، وربما يتنصتون علينا، او ربما تتنصت علينا الاستخبارات الاميركية. ـ بخصوص مقابلات المفتشين مع العلماء العراقيين، الا يتطلب الامر منهم شجاعة لا تصدق او جنونا لكي يكشفوا عن معلومات ربما تدين النظام؟ ـ الامر ليس ابيض او اسود بهذه الطريقة. بالطبع، انني أعي حجم المسئولية الملقاة على عاتقهم، وحجم المخاطر التي تنتظرهم لو تفوهوا باشياء لا ينبغي لهم التفوه بها. لكني حتى في ظل هذه الاجواء فإن المقابلات التي اجريناها كشفت لنا الكثير من المعلومات، فأعضاء فرقنا علماء ايضا، ومجال الكذب محدود بين شخصين متخصصين في الميدان نفسه، ولذلك نقول انه يجب ان تتم المقابلات على انفراد. ـ ما هي افضل نتيجة ممكنة في عملكم؟ ـ افضل النتائج الممكنة بالطبع ان نجد اشخاصا يقولون ما يعرفون من دون تحفظ وان نجد وثائق حديثة وان نزور المزيد من المواقع في البلد ولا نجد فيها اي اسلحة. ـ وان يبقى الرئيس العراقي في السلطة؟ ـ مقررات مجلس الامن لا تطالب بتغيير الحكومة في العراق واعتقد ان الرئيس بوش قال ان هناك طريقتين للحل، اما تغيير النظام او ان يغير النظام مواقفه، اي سيكون هناك تغيير على اي حال، وهذا يناسبني. ـ هل سيكون من المفيد لو طالبتكم الولايات المتحدة وحلفاؤها بتقديم معلومات حول نقاط محددة قبل تاريخ محدد، والا سوف يباشرون الغزو. ـ ربما سيكون ذلك مفيدا، اود ان اقول ان الانذار بتحديد فرصة زمنية معينة يعتبر طريقة لممارسة ضغط، ولن يكون هذا مفيدا جدا بدون وجود ضغط خارجي، وتهديد باستخدام القوة لكي يدرك العراقيون ان ليس بوسعهم المماطلة الى الابد. ـ ما هي المعلومات التي ينبغي الاصرار على تقديمها؟ ـ هناك اشياء كثيرة ليست على تلك الدرجة من الاهمية لكن التركيز يجب ان يكون على الانثراكس وسموم «في اكس» والصورايخ واشياء اخرى من هذا القبيل». ـ اذن، انت ستكون مرتاحا بتلقي اسئلة محددة، وفرصة زمنية محددة للاجابة عليها؟ ـ نعم، لن اتضايق من هذا الوضع، فأنا كدبلوماسي لا استطيع القول انني سأكون مرتاحا. ـ هل تعتقد ان العراق يحول دون اعطاء موضوع كوريا الشمالية ما يكفي من الاهتمام العالمي؟ ـ اعتقد ان بوسع الواحد منا ان يقود سيارته ويمضغ العلكة في آن واحد. ترجمة: علي محمد عن «تايم»