الاثنين 30 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 3 مارس 2003 غيرت هجمات 11 سبتمبر سياسات الولايات المتحدة وحياتها السياسية الى حد ما كنا نستطيع تخيله في البداية فها هو رئيس اميركي بشرعية مشكوك فيها وصل للبيت الابيض نتيجة للفوضى الانتخابية في فلوريدا وبأغلبية غير شرعية في المحكمة العليا، قد اصبح زعيماً كارزمياً ينال اعجاب غالبية الاميركيين هذا الرئيس استخدم هالته الحربية لاخراس المنتقدين ولزيادة صلاحيات الرئاسة الى حد كبير ولقمع الحريات المدنية وادارته التي كانت حين تشكلها حذرة جداً من اي تدخل خارجي، تطلق الوعود الآن باستخدام قوتها العسكرية بشكل عدواني في العالم كله.. وبدون اي مبرر للحرب يستخدم الرئيس الاميركي الدعم الذي حصل عليه في حربه على الارهاب ليجهز البلاد لحرب اخرى ضد العراق ورئيسه صدام حسين. كل هذا يثير أسئلة عميقة حول بلادنا وانفسنا هل اصبح الاميركيون يعتقدون ان التوازنات السياسية الحذرة واسس حماية الفرد التي يتضمنها دستور جيمس ماديسون اصبحت قديمة اليوم ولا تلائم الحقائق المظلمة في القرن الواحد والعشرين؟ أم ان 11 سبتمبر قد اخافنا الى الحد الذي يجعلنا نريد قيادة ليست لديها اي احاسيس بالضوابط؟ هل نريد ان تصبح الولايات المتحدة قوة امبريالية سافرة تخطط بكل برودة اعصاب لحرب يرفضها معظم حلفائنا؟ هل اصبحنا امة مختلفة في خضم هجمات 11 سبتمبر؟ وان لم نكن كذلك، كيف تأتى لجورج بوش وادارته ان يوجهانا نحو الحرب بهذا القدر القليل من المعارضة لها بيننا؟ يلقي بوب وودوارد بعض الاضواء على هذه الاسئلة فكتابه «بوش يدخل الحرب»، مثلما يقدمه هو «يضع وصفاً للرئيس الاميركي جورج بوش المحارب خلال الايام المئة الاولى التي تلت 11 سبتمبر 2001»، وهي الايام التي حدثت فيها عملية تحول اميركا الوصف يعتمد على مداخل مذهلة على الحقائق: لقاءات مطولة مع بوش ومساعديه وملاحظات اخذها عن مجريات اجتماعات مجلس الأمن القومي وغير ذلك اشك في ان يكون اي تأريخ لمرحلة ازمة قد اعطى هذا الحجم من اقوال هذا العدد من المشاركين البارزين في العملية القيادية والقريبين جداً من الحدث. غير انه تأريخ من نوع غير مريح، حيث يفتقر لأساسيات العمل التأريخي: السياق والتحليل ووجهة النظر ربما لا يزعم وودوارد لنفسه صفة «المؤرخ» وهو يقول انه ليست لديه وجهة نظر، وكل ما يريده ببساطة هو اطلاعنا على ما حدث، مشهداً بعد مشهد، غياب التحليل يجعل «بوش محارباً» عملاً مخيباً لأمل قارئه. اذ يثير صفحة بعد صفحة الاسئلة المتوالية في ذهن القارئ وهي الاسئلة التي لا يطرحها وودوارد اصلاً، دع عنك محاولة الاجابة عليها، ومرة بعد اخرى نجد انفسنا ونحن نقرأ الكتاب كيف انتقلنا من كذا الى كذا، ومن الاسئلة المهمة جداً هو كيف تحولت الحرب ضد الارهاب الى حرب ضد العراق؟ أثيرت فكرة الهجوم على العراق خلال اجتماع مجلس الأمن القومي في اليوم التالي على هجمات 11 سبتمبر كما يقول وودوارد وكان وزير الدفاع دونالد رامسفيلد هو من اثارها حينما قال: لماذا لا نحارب العراق وليس القاعدة فقط؟ «وودوارد لم يختم هذا السؤال بعلامة الاستفهام» وفي منتجع كامب ديفيد اليوم التالي، اعاد رامسفيلد ونائبه بول ولفويتز طرح الفكرة غير ان وزير الخارجية كولن باول تحدث مطولاً ضدها كما عارضها ايضاً، تبعاً لوودوارد، نائب الرئيس ديك تشيني الذي قال: «اذا ذهبنا لمحاربة الرئيس العراقي فسنفقد موقعنا الذي نستحقه باعتبارنا الرجال الطيبين» لكن مع حلول اغسطس 2002 اصبح تشيني علناً يضغط لشن حرب على العراق، وينتقص فكرة ارسال مفتشين لنزع اسلحة العراق باعتبارها عبثية حينها اصبح تشيني «عاشقاً» للحرب فما الذي حدث خلال الفترة التي فصلت هذين الموقفين؟ وودوارد لا يقول شيئاً لتفسير تغير وجهة نظر تشيني. اما بالنسبة للرئيس، فينقل وودوارد عنه قوله لمساعديه في 17 سبتمبر «اعتقد ان العراق متورط، لكنني لن اضربه الآن لا يوجد لدي دليل هذه الايام» ولو ان بوش قد حصل على الدليل فإنه حتى اليوم لم يخبر العالم به لكنه في عام 2002 بدأ يطالب بـ «تغيير النظام» في العراق لماذا؟ هل كان مدفوعاً بمنطق تشيني ـ رامسفيلد ـ ولفويتز؟ وودوارد لا يشرح. غير ان «واشنطن بوست» كانت قد رسمت لذلك اليوم صورة مختلفة تماماً في عددها الصادر في 12 يناير 2003 في مقالة بقلم غلين كيسلر تقول الصحيفة انه في 17 سبتمبر 2001، اليوم نفسه الذي تحدث عنه وودوارد قال بوش لمن حوله انه ليس لديه دليل ليهاجم العراق وقع خطة لشن الحرب على افغانستان كما طلب من البنتاغون الشروع في وضع خطط لغزو العراق وتمضي المقالة لتقول ان دعاة الحرب المتشددين على العراق يعتقدون ان بوش تبنى وجهة نظرهم «في غضون ايام ان لم يكن ساعات» من هجوم 11 سبتمبر. وتذكر مقالة كيسلر نقطة مذهلة اذ الحقيقة هي ان قرار بوش بوضع العراق على قائمة أهدافه بقي سراً ليس امام العامة فقط بل ومعارضي هذا التوجه داخل الادارة ايضاً وبينهم وزير الخارجية باول وظل هؤلاء يجادلون لشهور بعد ذلك غير مدركين ان بوش قد حسم امره وانتهى. وها هنا مثال آخر على الاحباط الذي يصيب القارئ وهو يتصفح كتاب وودوارد: ينقل الكاتب عن بوش قوله في اجتماع مجلس الأمن القومي في 17 سبتمبر 2001 «وزارة العدل والسي آي ايه والإف بي آي ستساهم في حماية اميركا من هجمات اخرى» (تعبير فارغ على نحو غريب في مثل هذا الاجتماع فهو اشبه بالكلمات التطمينية التي تقال في خطاب) ثم يقول وودوارد: الرئيس وجه وزير العدل آشكروفت ليطلب صلاحيات قانونية جديدة من الكونغرس للإف بي آي لتعقب الارهابيين والتنصت عليهم وايقافهم وهو مشروع قيد التنفيذ مسبقاً. «هل ادت كلمات بوش هذه بآشكروفت لشن هجومه الموسع على الحريات المدنية واعتقال مئات الاجانب تحت الادلة السرية وتأكيد صلاحياته لسجن مئات المواطنين الاميركيين بشكل مفتوح دون محاكمة ودون معرفة ما اذا كان الرئيس يصنفهم باعتبارهم «مقاتلين اعداء؟» لا يورد الكتاب اكثر من هذا حول اجراءات مكافحة الارهاب في الداخل وما اذا كان بوش على علم بها المرء منا يريد معرفة المزيد وودوارد سيقول بلا شك انه كان يؤلف كتاباً مختلفاً غير ان المدخل للمعلومات الذي حصل عليه انتج زوايا مشوقة جداً لم يستكشفها. وودوارد يعتبر ظاهرة صحفية فهو وكارل بيرنشتاين بتقاريرهما عن ووترجيت في واشنطن بوست بداً العملية التي انتهت باسقاط رئيس اميركي ثم سردا قصة فعلة ريتشارد نيكسون بعد ذلك في كتابين شهيرين وكتاب «بوش محارباً» شأن كتب وودوارد السابقة الاخرى لم يكن نموذجاً للصحافة السابرة للاغوار التي تكشف حقائق مزعجة بل هو يمثل صفقة يتم فيها منح بوابة هائلة على المعلومات مقابل المجد فحينما يقترب وودوارد من شخصية رفيعة، فهو على الأغلب يقول انه يريد معرفة كيف كانت القرارات الكبرى تتخذ وأنه قد قابل آخرين وانه يريد الكتابة حول فلان وفيما اذا كان فلان قد تحدث اليه ام لا معظم الناس حين مفاتحتهم بهذه الطريقة يخافون عما قد يكون الآخرون قد قالوا عنهم ويتيقنون من ان كتاباً يكتسح المبيعات اصبح على وشك الظهور، وبالتالي يقررون ان صورتهم في الكتاب ستكون افضل لو ابدوا تعاونهم. وهم قد بدوا بصورة افضل «بوش يدخل الحرب» يبدأ بتسع صفحات عن جورج تينت مدير السي آي ايه التي حظيت بمعاملة محترمة جداً فيها. فالفشل الذريع السافر في التعامل مع تهديد ارهابي يظهر في الكتاب باعتباره نتيجة من بين اشياء اخرى، لضعف بيل كلينتون (وودوارد يكرر اخطاء كلينتون في الكتاب، بشكل يعكس بصدق وقناعة ازدراء بوش وادارته المحافظة عموماً له) وفيما يلي نموذج عن تعامل الكتاب مع نائب الرئيس ديك تشيني: «بعد 37 عاماً من الزواج، لا تزال لين تشيني ـ التي تحمل درجة دكتوراه في الادب الانجليزي وعملت رئيسة لمؤسسة المنحة الوطنية للعلوم الانسانية ـ لا تزال مندهشة من ان ذلك الشيء الصغير الذي يشغل رأس زوجها لم يمنعه من التركيز اولاً على ما هو مهم فهو هذه الايام قلق بشأن ليس بقليل وهو مستقبل العالم». ويؤكد وودوارد النبرة القدرية لكتابه بتكرار الاشارة ان الوثائق التي رآها كان مكتوباً عليها (في غاية السرية) فهو ببراعته يطلق تلميحاته التي تجعل القارئ يعتقد انه كان موجوداً هناك فعلاً بوش في احدى المرات يكلم بالهاتف فيردناند غارسيا النادل: «فريدي، اريد سندويش همبرغر» في ختام احد لقاءات كامب ديفيد المرهقة انضم بوش للآخرين وهم يتسلون بلعبة اللغز الخشبية حينما كانت كوندوليزا رايس، مستشارة الأمن القومي، تشاهد مراسم تبديل الحرس في قصر بكنغهام على التلفزيون وسمعت الفرقة الموسيقية تعزف النشيد الوطني الاميركي اخذت بالبكاء. ان مثل هذه الاشارات لا تبث الحياة في نص مثلما لا تجعل بعض اشارات الاهمية، كبطاقة «في غاية السرية» على الوثائق لا تجعل القارئ يشعر بأنه يطلع على شيء سري جداً ان موضوع الكتاب مهم جداً من دون شك، غير ان تكرار ما قيل في الاجتماعات ورسم الصور المقتضبة عن الشخصيات تجعل «بوش يدخل الحرب» هو عكس الكليشيه المعروفة «لا يمكن رفضه» احد اسباب ذلك هو السطحية في الكتابة وسبب آخر هو ان الكتاب يتناول المظاهر دون الغوص نحو العمق انما يعطينا صوراً قدرية عن بوش وجماعته بعد 11 سبتمبر بدون ان يحلل جوهر القضايا التي يثيرها الارهاب لاميركا والعالم. ان التكرار المجرد للحقائق شيء قد ملّه عالم الصحافة لقد انتهى هذا الاسلوب منذ الخمسينيات، بفضل تجربة التعامل مع جو مكارثر عضو مجلس الشيوخ، حينما ايقن الصحفيون من مدى التضليل المتضمن في الاكتفاء بنقل اقواله بدون اعلام القارئ بمدى زيفها ان الصحفي الذي يقوم بدور آلة التسجيل قد انتهى مفسحاً الطريق امام الصحفي الذي يقوم بدور المفسر والشارح للأحداث ما عاد قارئ اليوم يكتفي بمعرفة «الحقائق فقط» اما حينما يتعلق الامر بكتاب فإن هذا الاسلوب يصبح اقل ارضاء. اسلوب وودوارد يتبنى نهجاً مقلقاً آخر اذ نستطيع ان نكون اكثر من واثقين من الطريقة التي اتبعها في التعامل مع مصادره في هذا الكتاب اكثر من كتبه السابقة نحن نعرف انه التقى ببوش لقاءين مطولين وتحدث مع الكثيرين غيره لكن النتيجة لم تكن الحقيقة او المقاربة المنصفة منها ان مجرد حديث الانسان عن اخطائه يضفي عليه نبالة كبيرة ومعظم من يقابلون الصحفيين يعطون مقابليهم ما يكفي من المعلومات ليبدوا في صورة الصريحين الصادقين دون ان يقتربوا فعلاً من المسائل المهمة موضع التساؤل اذكر انه حين ترافع محام امام المحكمة العليا قبل قرن من الآن اعترف ان سابقة ما لا تقف في صالح دعواه فحصل على مديح اعضاء المحكمة لصراحته، لكن رئيس المحكمة تمتم حينها قائلاً: «لا يوجد ما هو خداع بالفعل بقدر الصراحة». ان السياق هو الذي يقربنا من الحقيقة كم كان وودوارد سيكون مفيداً لنا لو انه اخبر القارئ وهو يتحدث عن آراء رامسفيلد بأن وزير الدفاع المتشدد هذا قد زار العراق عام 1983 كمبعوث خاص للرئيس رونالد ريغان في ذلك الوقت كان الرئيس العراقي يستخدم الأسلحة الكيماوية ضد ايران غير ان رامسفيلد لم يقل اي شيء للرئيس العراقي حول هذا الامر حين اجتمع معه والاجتماع الودي الذي عقده الاثنان حينها فتح الطريق لاستعادة العلاقات الكاملة بين الولايات المتحدة والعراق. مع ذلك، يقدم «بوش يدخل الحرب» بعض الاسرار للقارئ فقد عرفنا بفضله ان «السي آي ايه» ارسلت رزم الدولارات الى زعامات الحرب الأفغانية لرشوتهم وجعلهم يقاتلون طالبان، 70 مليون دولار في الاجمال كما يقول وودوارد وكان الكتاب اول من ذكر ان فرق القوات الخاصة في «السي آي ايه» انزلت في افغانستان قبل شن الحرب بداية في يوم 26 سبتمبر بعميل اسمه غاري. (البعض يقول ان هذا جار حالياً في العراق). ويتحدث الكتاب عن حوار غريب جرى بين غاري وكوفر بلاك رئيس مركز مكافحة الارهاب في «السي آي ايه» قبل انزاله في افغانستان قال بلاك: «اذهب وابحث عن عناصر القاعدة واقتلهم! اننا سنبيدهم. اقبض على ابن لادن، اعثر عليه، اريد رأسه في صندوق!» وحينما سأله غاري: «أأنت جاد؟» أجاب بلاك: «قطعاً اريد ان آخذه واعرضه امام الرئيس». لكن الحقيقة هي ان الحرب الاميركية في افغانستان على الرغم من نجاحها في اسقاط طالبان، فإنها لم تتخلص من ابن لادن ولم تبد القاعدة بل على العكس، يقول تقرير لمجلس الأمن الدولي في ديسمبر 2002 ان هذه المنظمة تجند اعضاء جدد وتشكل تحالفات جديدة مع مجموعات اقليمية ودولية وان تهديدها لا يزال ماثلاً مثلما اظهر نفسه في بالي ومومباسا. لقد قال بوش انه يريد ابن لادن «حياً او ميتاً» كان ذلك شعاراً سياسياً شعبياً حينها اظهر الرئيس بصورة شخصية من الغرب الاميركي القديم ومع ذلك لم نجد ان الرئيس قد دفع ثمن هذا الشعار الفاشل حينما تبين انه تهديد فارغ لو كان بيل كلينتون هو من قال انه يريد ابن لادن حياً او ميتاً، لكان اليمين الاميركي قد جعله مسخرة بعد ان بدا واضحاً ان ابن لادن طليق وهو يرزق وان من قام بهجمات 11 سبتمبر شن بعد الحرب الاميركية مزيداً من الهجمات الجديدة. لقد كانت مناعة بوش السياسية انجازاً استثنائياً واقول «انجازاً» لأني اعتقد انه في وجه كبير منها كان وراء تحقيقها فقد ارتقى بنفسه الى مستوى التحدي الذي مثله 11 سبتمبر والذي اصاب معظم الاميركيين حينها بحالة عميقة من الاكتئاب والفوضى التي وضع الهجوم الرئيس فيها حيث بدا موقف غير المستعد وغير المطلع تنحت جانباً فيما قدم نفسه للاميركيين باعتباره «رئيس حرب» فقد تعامل مع 11 سبتمبر تماماً مثلما كتب في مذكراته مثل بيرل هاربر لقد اراد الاميركيون المجابهة والثأر وهو وعدهم بهما. لكن الصحيح ايضاً ان الديمقراط كانوا ضعيفين ومنقسمين وغير راغبين في الاشتباك مع رئيس حرب. الصحافة كانت خرساء ايضاً فيما كانت الادارة مستعدة لتقوم باللعب ببطاقة البطولة الوطنية ضد منتقديها فقد تحدث بوش عن اعضاء الكونغرس غير المستعدين لتخويله بالحرب الا بعد ان تقوم الامم المتحدة بدورها قائلاً: «يبدو لي انكم ان كنتم تمثلون الولايات المتحدة فعليكم اتخاذ قرار حول ما هو الافضل للولايات المتحدة» اما آشكروفت فقال لمن ينتقدون الاعتداء على الحريات المدنية بأنهم «انما يساعدون الارهابيين». اعتقدان شعبية بوش كانت ضعيفة قبل 11 سبتمبر ومهما كانت عيوبه، فقد اثبت انه سياسي فعال فهو لديه الغريزة السياسية ولديه الشراسة في خوض لعبتها واسألوا عن ذلك جون ماكاين الذي استهدفته دعاية بوش في الانتخابات الاولية في ساوث كارولاينا عام 2000 ووصفته بأنه معاد للجنوبيين هذه الاعلانات كانت توضع من جانب انصار بوش الذي كان يقول دوماً انه لا علاقة له بها مثلي، قال ابوه عام 1988 بأنه غير مسئول عن الاعلانات التي تهاجم منافسه مايكل دوكاكيس بخصوص قضية سجن ويلي هورتون فحين يتعلق الامر بالسياسة لا يكلف آل بوش انفسهم عناء الالتزام بشرف المنافسة. هالة «رئيس الحرب» هذه استخدمت من دون رحمة من قبل كارل روف معلم بوش السياسي، ومعلم الجمهوريين كلهم .عضو مجلس الشيوخ ماكس كليلاند نفسه الذي فقد ساقيه وذراعه في حرب فيتنام لم ينجح في الهجوم عليه باعتباره متراخياً ازاء الأمن القومي لأنه عارض قانون بوش الجديد لانشاء وزارة للداخلية الذي سيقضي على حماية سلك الخدمة المدنية لموظفيها وكليلاند خسر معركة اعادة انتخابه وبسيطرتهم على مجلس الشيوخ لن يحجم الجمهوريين بتوظيف حجة دعم رئيس حرب للضغط في صالح البرنامج السياسي الداخلي للبوش. غير ان العراق يبقى السؤال الكبير والاختبار الذي اختاره بوش، لنفسه لماذا اختاره إذن فيما نقترب من الحرب كما تذكرنا الصحف التي تسرد لنا يومياً خطط ادارة بوش لاحتلال العراق، يراودني هذا اللغز باستمرار بوش كان يستطيع ان يخرج من افغانستان منتصراً مطلقاً: رئيس تجاهل المشككين وانقض على مكان صعب وانتصر فلماذا العراق؟ هناك رأس خيط عن هذا اللغز في «بوش يدخل الحرب» يوم 3 اكتوبر 2001 فيما كانت الادارة تستعد لغزو افغانستان، عقد بوش اجتماعاً سرياً في نيويورك مع مجموعة من كبار رجال المال والاعمال وقال لهم: «اعتقد حقاً ان عالماً اكثر نظاماً سيخرج من كل هذا الحاصل الآن: تقدم حقيقي في سلام الشرق الاوسط واستقرار في مناطق انتاج النفط» لم يكن لاحد ان يصدق بأن حرباً في افغانستان ستكون لها هذه النتائج الشاملة وودوارد لا يقول شيئاً عن هذه العبارة غير انها تشير الى ان رؤية حرب في العراق كانت باعتبارها الطريق للسلام والتقدم ـ الرؤية التي يدافع عنها ولفوويتز بشراسة ـ كانت تشغل تفكير بوش. حقيقة ان هذه الرؤية الواسعة كانت تحرك سياسة الادارة تجاه العراق تبدو واضحة ايضاً في كتاب ديفيد فروم «الرجل الحق» فقبيل خاتمة كتابه، يقدم فروم وهو الكاتب السياسي المحافظ الذي يتمتع بمكانة متقدمة بين المحافظين، هذه الرؤية: «الارهاب وعبء الحرب ألقيا فجأة على كاهل جورج بوش وحتى تهزم الولايات المتحدة الارهاب وجدت نفسها تنجر الى حملة طموحة لتفكيك واعادة تركيب الوضع الراهن المتشدد في الشرق الاوسط واذا ما كتب لهذا المشروع النجاح، ستجلب حرباً جديدة واستقراراً جديداً لأكثر منطقة في الارض رذيلة وعنفاً ورخاء جديداً لنا كلنا بضمانها اكبر مصدر نفطي في العالم». يصعب علينا ابتلاع منطق هذه الرؤية حتى لو كتب لغزو العراق ان يكون سريعاً وناجحاً فكيف سيهزم ذلك الارهاب؟ فيما يخطب بوش في العالم عن عمل عسكري اميركي، تتزايد مشاعر العداء لأميركا في العالم. الاجزاء الشمالية الغربية من باكستان اصبحت الآن تحت سيطرة متشددين يطالبون برحيل القوات الاميركية عن البلاد لقد اودى العنف بحياة كثيرين في اليمن وكينيا واندونيسيا وكون سحق دولة عربية سيقلص الارهاب تبدو لي فكرة خيالية بعيدة. بقلم: أنطوني لويس _ ترجمة: جلال الخليل عن «نيويورك ريفيو اوف بوكس»