الاثنين 30 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 3 مارس 2003 عندما تتحدث مؤلفة الكتاب الذي نناقشة هنا عن «صناعة الطعام» في الولايات المتحدة الاميركية، فانها ترى ان نجاحها الهائل كان نتيجة لاتجاهات القرن الماضي التي قادت الى تحول الناس من الاعتماد على الاطعمة البيتية والتي انتجت مكوناتها جميعها محليا، الى الاعتماد على شراء الوجبات المعالجة والمصنّعة والمنقولة عبر مسافات بعيدة، كذلك ادت تحولات القرن العشرين الى الانتقال من عالم المزارع الصغيرة الى المؤسسات العملاقة، واوجدت هذه التغيرات نظام مزارع قليلة العمالة، ومع ذلك فهي اكثر كفاءة وتخصصا. وفي عام 1900 كان 40% من مجموع السكان في اميركا يعيشون على المزارع، اما اليوم فإن النسبة لا تزيد على 2% ومنذ عام 1960 انخفض عدد المزارع من نحو 2,3 ملايين الى 9,1 مليون مزرعة، ولكن متوسط حجمها زاد بنسبة 40% وزادت انتاجيتها بنسبة 82% وتقوم معظم المزارع الآن بالاعتماد على سلعة واحدة مثل تربية الماشية، او الدجاج، او الخنازير، او الذرة، او القمح، او فول الصويا، وكثير من هذه المزارع يشكل جزءا من نظام تكامل «رأسي»: اي ملكية مؤسسة واحدة لكل مراحل الانتاج والتسويق. وتمثل تربية الدجاج مثالاً واضحاً لهذا، ففي منتصف خمسينيات القرن الماضي كان الدجاج تتم تربيته في مجموعات صغيرة، على يد العديد من المزارعين، اما اليوم فالاغلب الآن هو نظام «التربية التجارية» بأعداد هائلة في ظل تعاقد عدد قليل من الشركات الكبيرة. أرباح بالمليارات تقول الكاتبة ماريون نسلة ان الضغوط الاقتصادية تجبر شركات الاغذية والمشروبات على التوسع الى احجام هائلة ففي عام 2000 صنفت سبع شركات اميركية بين اكبر عشر شركات اغذية في العالم، وهي شركات فيليب موريس، وكون اجرا، ومارس، وآي. بي. بي، وسارا لي، وهاينز، وتايسون للاطعمة، وصنفت شركة نسلة «السويسرية» الاولى، ويونيليفر (المملكة المتحدة/ هولندا) الثالثة، ودانون (فرنسا)، السادسة، وصنفت شركات اميركية اخرى بين اكبر مئة شركة على مستوى العالم. وفي اميركا وحدها حازت ثلاث شركات فحسب على نحو 20% من جميع ما انفق على الاغذية في عام 1997، وتشير المؤلفة في احدى قوائم الشركات الى وجود اكبر عشر شركات منتجة للاطعمة المغلفة في اميركا عام 2000 وفقا لحجم مبيعاتها السنوية وميزانياتها الاعلانية، وقد حققت اكبر الشركات ارباحا تزيد على 30 مليار دولار لكل واحدة من مبيعاتها السنوية، الامر الذي فرض ضغوطا كبيرة على الشركات الصغيرة لكي تندمج مع بعضها، وقد عانت محلات السوبر ماركت ايضا من مثل هذه الضغوط، ولذا فان عملية الاندماج بين شركات الاطعمة والسجائر تحتاج الى اهتمام خاص. وتشير المؤلفة الى ان شركتين، من بين اكبر اربع شركات للسجائر في الولايات المتحدة، اشترتا ـ او قايضتا ـ شركات للاغذية والمشروبات في مناورات من اجل حماية استثمارات حملة الاسهم في مواجهة دعاوى المسئولية القانونية على صناعة التبغ امام القضاء. ولقد كان للاستهلاك المتزايد للطعام خارج البيوت تعقيداته بالنسبة لصناعة الغذاء ولصحة الناس ايضا، وادى ذلك الى انتشار نوعيات من الشركات التي تقدم خدمات غذائية، مثل شركات الوجبات السريعة، وشبكات المطاعم، والمؤسسات التعاقدية، والعمليات الفندقية، وكانت اكثر شبكات الخدمات الغذائية مبيعا هي محال السندويتشات، وسلاسل محال الوجبات السريعة، وقد حققت احداها ـ وهي شركة وجبات سريعة شهيرة ـ حصيلة مبيعات بلغت 6,19 مليار دولار في عام 2000، من فروعها البالغة 12804 فروع في انحاء الولايات المتحدة. الوفرة الزائدة ترى الكاتبة ان تحسن مستوى الكفاءة، والتخصص، وحجم الزراعة ومنتجات تصنيع الطعام، ادى الى اعظم الاسرار الخفية في نظام الغذاء الاميركي وهو : «الوفرة الزائدة» اذ توفر امدادات الطعام في اميركا متوسطا يوميا قدره 3800 سعر حراري للفرد الواحد، وهو رقم يبلغ ضعف الكمية المطلوبة من اجل الطاقة لدى معظم النساء، ويزيد بمقدار الثلث عن الكمية المطلوبة لدى معظم الرجال، واعلى بمراحل عديدة عما يحتاجه الاطفال الرضع والصغار، والكبار قليلي الحركة، وتوضح «الوفرة الزائدة» سبب التنافس الشرس بين شركات الاغذية على دولارات الزبائن، وسبب بذل جهودها لايجاد بيئة سياسية وتنظيمية «صديقة للمبيعات»، كما ان تلك «الوفرة الزائدة» تكفي لفهم السبب في اتخاذ تلك الشركات موقف الدفاع عن النفس في مواجهة مجرد طرح فكرة بسيطة تتحدث عن ان الاطعمة التي تنتجها قد تزيد من المخاطر على سلامة او صحة الناس. وتتصدى المؤلفة لتحليل موجبات عملية التسويق وترى ان الشركات ـ لكي تبيع منتجاتها ـ تلجأ الى دراسة الاسباب التي تدعو الناس لتناول طعام معين وتفضيله على طعام آخر. وهي اسباب عديدة، ومعقدة، وليست مفهومة، دائما، ذلك لاننا نختار نظمنا الغذائية في اطار البيئة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي نعيش فيها. وعندما تشح النقود او الاغذية لا تتاح للناس رفاهية الاختيار ذلك لانه بالنسبة لاغلب سكان العالم فان الاعتبار الاول يتمثل في الحصول على «طعام كافٍ» لتلبية المتطلبات البيولوجية واحتياجات الانسان للطاقة والمواد المغذية. ومن اكبر مفارقات التغذية ان النظم الغذائية التقليدية المعتمدة على النبات، هي نظم مثالية في تلبيتها المتطلبات الغذائية للانسان. وهذه الاغذية يستهلكها الفقراء، ويعتبر بعضها من افضل مطابخ العالم، وعندما ينشأ بعض الناس على مثل هذه الاطعمة ويتجاوزون مخاطر مرحلة الطفولة، فان النظم الغذائية التي يتبعونها ـ مع اسلوب حياتهم النشط ـ تمنحهم مرحلة بلوغ خالية من الامراض المزمنة حتى اواخر اعمارهم. كذلك من المفارقات انه لوحظ ان بعض الناس، بمجرد ان يصبحوا مقتدرين، يدخلون في مرحلة تسميها المؤلفة «مرحلة التحول الغذائي» وفيها يهجرون النظم التقليدية المعتمدة على النبات ويبدأون في تناول كميات اكبر من اللحوم والدهنيات والاطعمة المعالجة، وتكون النتيجة حدوث زيادة حادة في السمنة وما يرتبط بها من امراض مزمنة، وفي عام 2000 ولاول مرة وصل عدد الناس الذين يعانون من زيادة الوزن. الى نفس عدد الذين يعانون من سوء التغذية بالضبط وهو 1,1 مليار شخص لكل مجموعة منهم على حدة، وقد لوحظ حدوث تغيرات في النظم الغذائية حتى في الدول الصناعية مثل فرنسا، وقد نتج عنها ارتفاع سريع في الامراض المزمنة السائدة، وفي بدايات الستينيات من القرن العشرين تضمن النظام الغذائي الفرنسي 25% فقط من السعرات الحرارية الناشئة عن الدهنيات، ولكن النسبة وصلت الآن الى 40% نتيجة للزيادة في تناول اللحوم ومنتجات الالبان والاطعمة المعالجة وعلى الرغم من ان الفرنسيين كانوا سابقا يتمتعون بتحاشي امراض القلب، فقد اصبحوا الآن يعانون من زيادة السمنة ويتعرضون بمعدلات متزايدة لمرض السكري ونتائج صحية اخرى ناشئة عن المبالغة في الاكل وزيادة الوزن. وتعكس مرحلة التحول الغذائي كلا من الاختيارات الناشئة عن التذوق، وتلك التي ترتبط بالحالة الاقتصادية، فالحيوانات التي تمدنا بالاغذية والتي تربى في المراعي تأكل الحبوب الامر الذي يزيد من اسعار اللحوم، وبذلك يتحول تناولها الى علامة من علامات ارتفاع مكانة الشخص الاجتماعية، وترى الكاتبة ان بعض الناس، بمجرد تمكنهم من الحصول على اللحوم، لا يعودون الى النظم الغذائية المعتمدة على النبات، الا اذا اجبروا على ذلك بفعل انتكاسة اقتصادية، او عن اقتناع بضرورة ذلك لاسباب تتصل بالعقيدة الدينية او الحالة الصحية. وفي رأي ماريون نسلة ان البشر لا يعرفون بالسليقة كيف يختارون نظامهم الغذائي، وقد بقوا على قيد الحياة عبر مراحل التطور لان الاطعمة المغذية كانت متاحة من خلال الصيد او جمعها، اما في اقتصاد الوفرة فان شركات الاغذية تستطيع بيع منتجاتها للناس الذين يرغبون في شرائها فقط، ومن الامور الخاضعة للجدل مسألة ما اذا كانت احتياجات المستهلك هي التي تقود المبيعات ام ان صناعة الاغذية هي التي توجد تلك الاحتياجات، ومع ذلك فان جانبا كبيرا من جهود الصناعة يتجه الى محاولة معرفة ما يحتاجه الجمهور وكيفية تلبية ما يحتاجه، وتكاد جميع البحوث التي اجريت حول هذه المسألة تصل الى هذه النتيجة نفسها، وعندما يكون الطعام متوفرا وفي امكان الناس شراؤه، تصبح الاحتياجات البيولوجية الاساسية اقل الحاحا، ويصبح العامل الاساسي في اختيار الطعام هو التفضيل الشخصي لنوع دون آخر، وبالتالي فان الاختيارات الشخصية، تتأثر بالعقيدة الدينية، وبعوامل ثقافية اخرى، بالاضافة الى اعتبارات تتعلق بالحصول عليها في يسر، وبالسعر، وبالقيمة الغذائية. العوامل الاربعة في ظل اقتصاد تتاح فيه الوفرة في اختيارات الطعام يصبح هم شركات الاغذية متركزا على تلك المحددات الاخرى، اكثر من اهتماماتها بالقيمة الغذائية لمنتجاتها الا اذا كان محتواها من العناصر المغذية يساعد على اغراء المشترين، وهكذا فان محددات تسويق منتجات صناعة الغذاء تتصل بأربعة عوامل هي: التذوق، والتكلفة، وسهولة الحصول عليها، وحيرة الجمهور التي تفرد لها المؤلفة سطوراً طويلة تتحدث فيها عن تعمد صناعة الغذاء اغراق الناس فيها بتعدد الابحاث والآراء حول القيمة الغذائية من وقت لآخر. وتلخص ماريون نسلة تلك العوامل الاربعة في بضع صفحات مشوقة تتوقف فيها عند ما يلي: اولا: التذوق: تحت شعار اجعل الاطعمة حلوة ودسمة ومالحة ترى المؤلفة ان البالغين يفضلون الاطعمة التي يكون مذاقها ومنظرها ورائحتها جيدة ومألوفة ومتنوعة، ولكن هذه الاختيارات تتأثر بشدة بالخلفية العائلية والعرقية ومستوى التعليم، والدخل، والعمر، والنوع، وعندما يسألنا احد نقول اننا نختار طعامنا لاننا نحبه، بمعنى اننا نستجيب لنكهته ورائحته ومنظره وتركيبته، ويفضل اغلبنا الاطعمة الحلوة وتلك التي تحتوي على «كثافة في الطاقة» (اي سعرات حرارية عالية، ودسم، وسكر زائد) كما اننا نحب الملح ايضا، ويحتاج الانتشار العالمي لمثل هذه الاختيارات المفضلة الى وضع اساس فسيولوجي لها جميعا، ولكن الابحاث تبدو اكثر اقناعا بالنسبة للسكريات، كما ان الفاكهة الطبيعية ذات مذاق حلو بالفطرة، ولكن اكثرنا يستطيع ان يتعلم الاستمتاع بمذاق الخضروات المعقد والمر أحيانا، غير ان الكثير من الناس يحبون اكل شرائح اللحم، والهامبورغر، والدجاج المحمر، بالاضافة الى الحلوى والمشروبات الخفيفة، والمأكولات الخفيفة المالحة، ومثل هذه الاختيارات هي التي تقف وراء تقديم منتجات جديدة من الاطعمة، وقوائم طعام جديدة في المطاعم. ثانيا: التكلفة: تضع المؤلفة هنا شعاراً لصناعة الغذاء يقول: «اضف قيمة ولكن ابق الاسعار منخفضة» وهي ترى ان احدى نتائج الوفرة تتمثل في الضغط لاضافة قيمة غذائية على الاطعمة من خلال عملية المعالجة. وتتفاوت الاسعار تفاوتا كبيرا بالنسبة لكل من منتجات المزارع من الخضروات والفواكه الطازجة التي يحصل منتجوها على نسبة 5% من ثمنها من محلات السوبر ماركت، ومن الاطعمة المعالجة التي تفوق ارباحها تلك النسبة بكثير، ولكي تبدو المسألة سهلة على القاريء تشير مؤلفة الكتاب الى مثال واضح للقيمة المضافة الى طعام رئيسي وهو تحويل البطاطس الطازج (الرخيص) الى شرائح «الشيبس» (الغالية) والى قطع البطاطس المقلية في دهون اصطناعية او المغلفة بدقيق فول الصويا او الاعشاب (وهي اكثر ارتفاعا في اسعارها). ومع هذا الخلل في الاسعار تتجه شركات الاغذية الى التركيز على تقديم منتجات ذات قيمة مضافة بدلا من ترويج استهلاك الفواكه والخضروات الطازجة التي تندر الفرص لاضافة قيمة ما اليها، وقد يستطيع اصحاب الاسواق اضافة قيمة الى الفواكه والخضروات ببيعها مجمدة او معلبة، او قطفها قبل الاوان، ولكن حتى اكثر هذه المنتجات نجاحا مثل تلك التي قطفت مبكرا وتم تغليفها واطلق عليها اسم «بيبي» كالجزر الصغير، ومزيج السلاطة، والفواكه قبل موسمها، كل هذه تثير قلق المستهلك بسبب سعرها وخشيته من ألا تكون طازجة. وعلى الرغم من تركيز الشركات على القيمة المضافة فان الوفرة الزائدة تظل تؤدي الى خفض نفقات الطعام في اميركا مقارنة بأسعار غيرها في انحاء العالم، ويعود ذلك جزئيا الى ارتفاع مستوى الدخل، فالاميركي العادي يصرف اقل من 10% من دخله على الطعام بينما نجد الناس الاقل دخلا في بلاد مثل تنزانيا يصرفون اكثر من 70% من دخلهم على الطعام، واناسا آخرين من ذوي الدخل المتوسط في بلد مثل الفلبين يصرفون نحو 55% ولكن آخرين، حتى في بلاد ذات دخل مرتفع مثل اليابان، يصرفون نحو 20% من دخولهم لشراء الاطعمة، وتعتبر التكلفة عاملا مهما في اختيار الطعام حتى ان الاقتصاديين يستطيعون حساب تأثير التغير في الاسعار على مقدار تناول المواد المغذية .. وقد قدروا ان الانخفاض في اسعار اللحوم مثلا يؤدي الى ارتفاع المقادير التي يتناولها المستهلك من الكالسيوم والحديد، ولكنه يزيد كذلك من استهلاك السعرات الحرارية، والدهون، والدهون المشبعة، والكولسترول، وتورد الكاتبة سبباً آخر لانخفاض اسعار الطعام في اميركا وتراه اكثر اهمية عن غيره من الاسباب، وهو ان الحكومة الاميركية تقدم دعما ماليا لانتاج الطعام بطرق خفية يندر ان يلاحظها احد، ويعتبر دعم اسعار السكر والحليب الاكثر افتضاحا، كما ان دافعي الضرائب ايضا يدعمون حصص الانتاج، وحصص السوق، والقيود على الاستيراد، ومعدلات الضرائب المنخفضة، وايجارات الاراضي الرخيصة، وادارة الأراضي، والحقوق في المياه، وبرامج ترويج وتسويق السلع الغذائية الاساسية، وخلال الفترة من عام 1996 وحتى عام 2000 ارتفعت التكلفة الاجمالية للدعم الزراعي بسرعة من 18 بليون دولار الى 28 بليون دولار، ولا تدخر المؤسسات الزراعية الكبرى المستفيدة جهدا في حث الكونغرس والادارة الاميركية على الاستمرار في زيادة هذه الهبات السخية، ونعتقد ان واشنطن تتجاوز بذلك اتفاقية «الجات» وتتعمد تجاهلها. ثالثا: اليسر والسهولة: تحت هذا العنوان الخاص بالعامل الثالث من عوامل تسويق الاغذية يشير الكتاب الى «جعل عملية الاكل سريعة»، وذلك لان اليسر والسهولة في الحصول على الطعام وتناوله يعتبر عاملا مهما في توفير قيمة مضافة الى المنتجات. وهناك اسباب ديموغرافية مفهومة للاحتياج الى السهولة واليسر، ففي الربع الاخير من القرن العشرين ازدادت بشكل ضخم نسبة النساء ذوات الاطفال اللاتي دخلن الى سوق العمل، واصبح كثير من الناس يعملون ساعات اطول لكي يلبوا مطالب حياتهم، وفي عام 1900 في اميركا شكلت النساء 21% من قوة العمل، والمتزوجات منهن اقل من 6%، ولكن في عام 1999 قفزت نسبة النساء المتزوجات وغير المتزوجات، الى 60% وتغيرت بنية الاسرة الاميركية بعد ان لم تعد هناك ربة بيت رهينة المنزل وتقوم بطبخ الطعام، واصبحت النساء عاجزات، او غير راغبات، عن تخصيص وقت طويل لتسوق البقالة وطبخ الطعام وغسل الاواني بعد تناول الوجبات. بالفاكس والهاتف والانترنت تبين التحولات الاجتماعية بوضوح لماذا اصبح نصف الوجبات تقريبا يستهلك خارج البيوت، واصبح ربعها يتكون من الوجبات السريعة، وتضاعفت عادة تناول مأكولات «السناك» الخفيفة من منتصف الثمانينيات الى منتصف التسعينيات من القرن العشرين، كما توضح التغيرات الاجتماعية لجوء شركات الاغذية الى تقديم السندويتشات الجاهزة والمغلفة، وانواع السلاطات والمقبلات والحلوى الجاهزة، وتقديم اللبن الزبادي والمعجنات في انابيب، والدجاج المعد مسبقا، بل وكذلك «بدائل الوجبات المنزلية» التي تباع في محلات السوبرماركت وغير ذلك، وبهذا فإن بقاء صناعة هذه الاطعمة يبدو متوقفا على المذاق والسعر لا على محتوياتها من العناصر الغذائية، وكثير من هذه الاطعمة يحتوي على نسب عالية جدا من السعرات الحرارية والدهون والسكر والملح، ولكنها تسوق باعتبارها مغذية بسبب اضافة بعض الفيتامينات اليها. وقد يشعر علماء التغذية والناس التقليديون بالفجيعة بسبب هذه التحولات لان عنصر السهولة يتغلب لا على عامل الصحة وحده، بل وكذلك على المعاني الاجتماعية والثقافية للوجبات وأوقات تناول الطعام، وواضح هنا ان المؤلفة تشير الى عادة تجمع الاسرة معا على موائد الطعام في اوقات مختلفة مما كان يضفي على الاسرة جوا من الود والترابط العائلي، وقد ادت منتجات غذائية كثيرة الى تحويل عملية طبخ الطعام الى مسألة روتينية لا اهمية لها، وكذلك تشجيع الاتجاه نحو وجبات الصحن الواحد، وعدد اقل من الاطباق الجانبية، ومكونات اقل، وقطع اكبر لتوفير فضلات الطعام في الصحون، واصبح من السهل طلب الوجبات التي يتم توصيلها للمنازل عن طريق الهاتف او الفاكس او الانترنت، ومن المؤكد ان تفسير مغزى هذه التطورات سوف يظل يشغل وقت علماء الاجتماع والانثروبولوجيا سنوات طويلة، وفي الوقت نفسه سوف تظل مسألة السهولة تضيف قيمة الى الاطعمة وتحث صناعة الطعام على ابتكار المزيد من المنتجات التي يمكن استهلاكها بسرعة وبالحد الادنى من التجهيز.