الاحد 29 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 2 مارس 2003 في الوقت الذي تتزايد الحشود العسكرية الاميركية في منطقة الخليج، يتبلور في الاذهان شعور كئيب بحتمية وقوع غزو للعراق الا ان الحرب ليست ولا ينبغي ان تكون حتمية وبالتأكيد ليست هناك حاجة الى ان يتم شن حرب في غضون أيام او اسابيع. لقد بدأ الرئيس الاميركي جورج بوش مؤخراً، في رسم صورة الحرب في تضاعيف خطاب حالة الاتحاد الذي ألقاه في الثامن والعشرين من يناير الماضي وهو الخطاب الذي كان اقرب الى الشعارات والعبارات المنمقة منه الى المنطق المتماسك فعلى الرغم من جميع تلك الاتهامات التي وجهها بشأن الشر الذي يتسم به الرئيس العراقي، لم يتطرق بوش الى تفسير حتمية شن الحرب حالياً، بدلاً من السماح لمفتشي الامم المتحدة بمواصلة عملهم وتقرير ما اذا كان العراق تخلص من اسلحته او يمكن اجباره بالفعل على التخلص من اسلحة الدمار الشامل. ان الامر سيكون تصرفاً غير مسئول وعملاً عنجهياً متغطرساً وأرعناً من الناحية السياسية اذا ذهب بوش لشن حرب من دون ان يوضح بالتفصيل كيف يشكل الرئيس العراقي اليوم تهديداً وشيكاً لأميركا ولأمن التدفق النفطي من الخليج، ولماذا تعتبر الحرب افضل وسيلة مقارنة بالاحتواء القوي للعراق، في التعامل مع الرئيس العراقي. فإذا اراد بوش الحرب فعليه ان يوضح هذه الامور واذا كان مستعداً للمعركة، فعليه ان يشرح كيف من وجهة نظره تقل تكلفة الحرب المادية والبشرية عن مواصلة نظام التفتيش ومصاحبته بتهديد قوي باستخدام القوة المسلحة فعلى سبيل المثال، هل وضعت الادارة الاميركية في الاعتبار بشكل كاف الامكانية المتمثلة في انه في حال مهاجمة العراق، يمكن ان يقوم الرئيس العراقي بعد ان يعدم الخيارات بشن هجوم على الاراضي الاميركية باستخدام اسلحة بيولوجية او كيميائية؟ ليس كافياً ان يقول بوش ان الرئيس العراقي عليه ان يتخلص من اسلحته طواعية بالطريقة نفسها التي قامت بها جنوب افريقيا بالطبع، سيكون من الافضل ان يتم هذا الامر ولكن شن الحرب ينبغي ان يكون الملاذ الاخير، فإذا كانت هناك سبل اخرى لنزع اسلحة العراق فيجب ان يتم اللجوء اليها اولاً قبل الحرب. ان بوش يقوم بلعبة خطرة للغاية، فهو يقامر على انه في ضوء وجود هذه الحشود المنذرة بالحرب في المنطقة، حيث يوجد حالياً في منطقة الخليج اكثر من 150 ألف جندي اميركي، فإنه اما ان ينهار الرئيس العراقي، او ان تذعن الدول الحليفة لأميركا ولكن غير الراضية عن الحرب لرغبة واشنطن وتوافق على خطط الحرب. غير ان هذه اللعبة يمكن ان تؤدي الى نتائج عكسية من الناحية السياسية والاستراتيجية فحالة القلق وعدم الارتياح ازاء الحرب تزداد يوماً بعد يوم على الصعيد الداخلي والخارجي فطبقاً لأحدث استطلاعات الرأي فإن سبعة من كل 10 أميركيين يعارضون الحرب على العراق في حال عدم موافقة الامم المتحدة وفي اوروبا والعالم العربي فإن نسبة معارضة الحرب تصل وتتعدى 90% من المواطنين. والطريقة الوحيدة التي يمكن ان تنجح بها هذه المقامرة وتؤدي الى نجاح سياسي حاسم لبوش تتمثل في الاذعان غير المحتمل للرئيس العراقي في اللحظات الاخيرة الى الضغط العسكري العنيف الذي يمارسه بوش على العراق غير ان هذا الضغط سلاح ذو حدين ففي حال عدم استسلام العراق، فإنه سوف يكون هناك ضغط متساو في درجة عدم احتماله على بوش لاستخدام القوات التي نشرها بتكاليف باهظة فالرئيس الذي وضع مئات الآلاف من قواته في ساحة المعركة يشبه الى حد ما شخصاً يمسك بمطرقة في يده ويرى كل شيء حوله مسامير يجب استخدام المطرقة معها. وتتزايد حدة الضغوط الدولية على بوش للتراجع عن الحرب وقد اعترفت الادارة اخيراً، وان كان على مضض بتزايد هذه الضغوط، ففي 24 يناير الماضي ظهرت في الافق ملامح التوصل الى حل وسط عندما اعلنت بريطانيا واميركا انهما بصدد دراسة السماح للمفتشين بمواصلة العمل لعدة اسابيع اضافية وبهذا الامر امل كل من بوش وفريقه الخاص بالسياسة الخارجية ان يضفوا قوة على موقفهم في مواجهة حلفائهم ومنتقديهم الذين يعارضون العمل العسكري وذلك في حال ان يواصل الرئيس العراقي اعتراضه على تفاصيل عمليات التحقيق مثل عقد مقابلات خاصة وانفرادية مع العلماء العراقيين. وقد دعم هانز بليكس رئيس فرق التفتيش هذا الامر من قبل اميركا في السابع والعشرين من يناير الماضي باعلانه عن ان العراق لم يقبل بضرورة الاعلان عن كل ما لديه من اسلحة ونزعها ولكن الامل لا يزال باقياً ولكن حتى في هذه الحال يجب على بوش ان يفسر لماذا تعد الاسلحة الموجودة لدى العراق سبباً لشن الحرب لماذا لا يمكن ان يتم ردع الرئيس العراقي عن طريق الترسانة الاميركية القوية بما تملكه من اسلحة نووية؟ وجاء بديل آخر في سياق تقرير اصدرته في منتصف يناير الماضي مؤسسة «كارنيجي انداومنت» للسلام الدولي تنادي فيه المؤسسة باطالة عمليات التفتيش لاطول مدة تقتضيها الضرورة، على ان يتم خلال هذه الفترة التي قد تصل الى عام او اكثر الابقاء على تهديد الحرب في حال الا يحافظ الرئيس العراقي على التزاماته. ومن اجل ان يضفي مزيداً من الجدية والمصداقية على هذا التهديد العسكري، فإن بوش يحتاج الى الحفاظ على وجود عسكري اميركي كبير في الخليج لفترة طويلة تستمر باستمرار عمليات التفتيش، وهو الامر الذي سيكون مكلفاً للغاية، حيث سوف تصل تكاليف هذا الوجود العسكري الى حوالي مليار دولار في الاسبوع للابقاء على 150 ألف جندي في الخليج غير ان هذه التكلفة المرتفعة ستكون اقل بكثير من الناحية المادية والبشرية من تكاليف القيام بغزو شامل للعراق، وهو الغزو الذي سوف يكلف الخزانة من 100 الى 200 مليار دولار، ناهيك عن الخسائر البشرية الحتمية. وسوف تكون هناك تكاليف اخرى ففي هذه الحالة سيكون على بوش ان يقوم بتبرير مثل ذلك التحول الكبير في موقفه، وهو الامر الذي سيعرض التأييد الذي يحظى به من المتشددون في حزبه الى الخطر وبالتأكيد سوف يكون هناك جدل وتذمر كبيران في الكونغرس بسبب التكلفة المفتوحة وغير المحددة للابقاء على قوة اميركية كبيرة في الخليج فوجود عسكري مطول يحتاج الى وحدات احتياط، وهو الامر الذي سوف يشكل ضغوطاً على عائلات هؤلاء الجنود الذين سوف تتعرض وظائفهم وحياتهم الزوجية والاسرية الى الخطر تبعاً لذلك. غير ان المكاسب السياسية من هذا التغير في الاتجاه سوف تكون هي الاخرى مقنعة بالدرجة نفسها فبوش في هذه الحالة سوف يكسب مكانة كبيرة سواء في الداخل او الخارج فحينذاك يمكنه القول، والشرعية تسانده، بأن الضغط العسكري المتزايد الذي سيواصله على العراق سوف ينجم عنه درجة افضل من الانصياع لأوامر المفتشين وعن طريق الابقاء على تهديد الحرب، فإن بوش يكون قد حافظ على الوحدة الهشة للدول اصحاب حق الفيتو في مجلس الامن الدولي والتي سوف يحتاج بوش الى تعاونها العسكري في حال ان يفشل العراق فهي النهاية في الانصياع الى متطلبات نزع التسلح. فعن طريق الالتزام بالاصرار والصبر معاً فإن بوش سيمكنه الخروج من دائرة النقد التي تقابله والتي تسبب فيها اندفاعه العنيد والمتصلب نحو الحرب والاهم من ذلك كله هو انه في هذه الحالة سوف يضمن طالما تواصلت عمليات التفتيش التي تدعمها قوة عسكرية اميركية، ان يتم احتواء العراق بشكل فعال ويضمن الا يقدر العراق على تطوير اسلحة نووية او استخدام اي اسلحة بيولوجية او كيميائية ربما تكون لا تزال في حوزته. واذا كان الهدف هو انهاء التهديد الذي يشكله العراق على المنطقة فإن هذا الهدف سوف يتحقق مع قيام بوش بما سبق ذكره واذا استمر الرئيس العراقي على مراوغاته الى النهاية واصبحت الحرب حتمية نتيجة لذلك، فإن العالم آنذاك ربما سيقف مع اميركا بدلاً من ان يقف ضدها. ترجمة: حاتم حسين