الاحد 29 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 2 مارس 2003 أبرز ما تتسم به الحرب المقبلة التي تعد لها واشنطن ضد العراق هو مستوى غزارة النيران، ربما على نحو لم يسبق له مثيل منذ قصف الحلفاء الجوي لدريسدن وغيرها من المدن الالمانية في الحرب العالمية الثانية، بل ان واشنطن لم تتردد في التلويح بأنها لا تستبعد استخدام السلاح النووي ضد العراق، حيث أكدت البنتاغون انها تجهز اسلحة دمار شامل لاستخدامها، اذا واجهت القوات الاميركية موقفاً خطيراً في العراق. وحتى بدون الوصول الى هذا الحد الخطير من القصف، فإن خطط الحرب الاميركية تقوم على تنفيذ قصف حتى الاغراق للعراق، وتنوي البنتاغون اطلاق عدد من الصواريخ في اليوم الواحد يفوق ما اطلقته القوات الاميركية من صواريخ طوال حرب الخليج الماضية بكاملها، وهذا ما حدا بمنظمة الصحة العالمية على التأكيد ان نصف مليون مدني عراقي سيقتلون او يصابون اصابات خطيرة في هذه الحرب. وقد ذكر ضابط الاستخبارات العسكرية الاميركية السابق وليام اركن مؤخراً بأن القيادة المركزية الاميركية ومقرها في منطقة الخليج انتهت من اعداد «وثيقة التخطيط النووي الميداني» بشأن العراق وعددت فيها الخيارات والاهداف الممكنة لاستخدام اسلحة نووية ميدانية ضدها. واضاف ان مصادره في القيادة، التي لم يسمها تخطط لمهاجمة هذه المنشآت التي تزعم انها مبنية تحت الارض، حيث اتهمت الولايات المتحدة العراق مسبقاً بأنه انشأ مواقع عسكرية عميقة تحت المواقع السكنية، بشكل يحضر الذريعة لمهاجمة هذه المواقع. من الواضح ان الولايات المتحدة على الرغم من التفوق الهائل في القوات لا تستبعد استخدام الخيار النووي، اذا وجدت نفسها في ورطة في العراق، فمنذ اوائل العام الماضي كانت البنتاغون في مراجعتها للموقف النووي التي سربته لوسائل الاعلام، بعد ان وقعها وزير الدفاع دونالد رامسفيلد قد اكد ان السلاح النووي لن يكون مستبعداً في حالة حدوث تطورات عسكرية مفاجئة. وقد اصبح واضحاً الآن من التسريبات والدراسات والبيانات ان غزو العراق، إن وقع، سيبدأ بإطلاق القاذفات والسفن الحربية لحوالي 400 صاروخ كروز على العراق في اليوم الاول، وهذا العدد يزيد عن الصواريخ التي استهدفت العراق طوال «عاصفة الصحراء» 1991، وتتبعها في اليوم التالي 400 صاروخ اخرى. وبهذا المعدل من القصف الصاروخي اي صاروخ كل 4 دقائق تقريبا ستقضي هذه الصواريخ على امدادات المياه والكهرباء والاتصالات والمباني الحكومية وان القصف الجوي هذه المرة سيفوق اي شيء سبق ان عرفه التاريخ. وعن ذلك قال مسئول في البنتاغون لاحدى شبكات التلفزيون الاميركية ان النطاق الغريب لهذا القصف لم يسبق ان وقع من قبل ولا سبق لاحد ان فكر فيه، ولن يكون هناك مكان آمن في بغداد في ظله. وما اصبحت تعرف باسم خطة معركة «السيطرة السريعة» هذه مستمدة من تقرير وضعته اكاديمية الامن القومي الاميركية عام 1996 اي قبل هجمات 11 سبتمبر، وسمي هذا المفهوم باسم مبدأ «الصدمة والرعب» لانه يسعى للتغلب نفسياً على العدو وبالتالي تخويف الآخرين ايضا. ويرسم هارلان اولمان احد واضعي التقرير لشبكة سي. بي. اس التلفزيونية صورة موازية لما حدث في هيروشيما. حيث يقول ان العراقيين في غضون 5 ايام فقط سيصبحون عسكريين ومدنيين، منهكين بدنياً ونفسياً. واضاف ان ما تخطط له واشنطن في اطار الحرب المقبلة هو احداث مفعول فوري شبيه بما حدث في هيروشيما، ليس في ايام واسابيع، بل في دقائق فقط. الفكرة كما اوردت في تقرير عام 1996 كالآتي.. الهدف الرئيسي من السيطرة السريعة هو افتعال قدر فائق من الصدمة والرعب عن العدو بشكل فوري وذلك لشل ارادته وتحطيم قدرته على متابعة المقاومة وبتعابير مقتضبة فإن السيطرة السريعة تسعى للسيطرة على بيئة المعركة وشل العدو بحيث يعجز عن استيعاب التطورات فيفقد مقدرته على المقاومة على المستويين التكتيكي والاستراتيجي. وبالتالي يصبح العدو عاجزاً تماماً وغير قادر على مواجهة تحركاتنا العسكرية. ويتابع التقرير: نظرياً يسعى نطاق الصدمة والرعب في السيطرة السريعة لاحداث الاثر المعادل غير النووي نفسه الذي كان للقنبلتين النوويتين اللتين اسقطتا على مدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين. لقد كان اليابانيون حينها مستعدين لابداء مقاومة انتحارية للاستسلام من دون شروط، الى ان استخدم السلاح النووي ضدهم، لقد كان اثر هذا السلاح كافياً لتغيير عقلية المواطن الياباني وتوجه القيادة اليابانية بفعل الصدمة والرعب. ولا يستبعد ذلك التقرير الخيار النووي، بل على العكس، حيث يؤكد ضرورة عدم استبعاد احتمال استخدام الاسلحة النووية، ويفيد ان السيطرة السريعة يجب ان تتعزز بالمقدرة التدميرية لهذه الاسلحة. بعد هذا القصف التمهيدي الهائل يبدأ الزحف البري نحو بغداد، ان لم يكن العراق قد اعلن استسلامه بعد، وهذه المرحلة مهمة جداً بالنسبة لبوش حيث يؤكد له مستشاروه السياسيون ان تصوير الشارع العراقي على شاشات التلفزيون، وهو يرحب بالغزاة، سيصحح الضرر السياسي والدبلوماسي الذي تعرضت له الولايات المتحدة في العالم نتيجة حربه الانفرادية بدون غطاء دولي، ولهذا فهو حريص على تحقيقها بأسرع شكل ممكن. الهجوم البري سينطلق من الكويت التي تبعد عن بغداد حوالي 500 كيلومتر تتقدم الدبابات متبوعة بفرق المشاة الميكانيكية. كما يشير المحللون الاختصاصيون الى ان انطلاق الغزو البري سيشهد انزال قوات خاصة بالمروحيات الهجومية حول العاصمة العراقية ليتصلوا تدريجياً مع طوابير المدرعات المتقدمة من ناحية الحدود الكويتية. كما سينطلق هجوم بري جنوبي ثانوي من الاراضي الكويتية ايضا لاحتلال البصرة والوصول حتى شط العرب وهو الحدود مع ايران. ويشير المراقبون الى ان الطبيعة الطبوغرافية للاراضي التي ستعبرها القوات الغازية نحو البصرة حيث تكثر فيها المستنقعات ستجعل مشاة البحرية الاميركية على الاغلب هم من يتقدمون هذا الهجوم. فهؤلاء تتوفر لهم العربات البرمائية المدرعة اللازمة لعبور مثل هذه التضاريس. وما دامت تركيا قد وافقت اخيراً، على ما يبدو على السماح بانطلاق غزو بري من اراضيها فستشهد الحرب البرية ايضا دخول الجيش الاميركي من الشمال نحو بغداد مروراً بالمنطقة الشمالية الجبلية الصعبة. وعلى الرغم من الغزو البري، فإن الاميركيين يعتمدون اساساً على القوات الجوية لتحقيق نصر خاطف في غضون ايام، وليس اسابيع.. فالقصف الجوي بالقنابل دقيقة التوجيه التي استخدمت في افغانستان ينظر اليه الآن على انه السلاح الاهم الذي سيقضي على المقدرات العسكرية العراقية. النظرية الرائجة حالياً مفادها ان الخطة العراقية الدفاعية تقوم على استدراج رجال القوة الغازية الى بغداد وايقاعهم في فخ حرب شوارع بطيئة ومطولة ومنهكة بمعنى آخر يريدها العراقيون ستالينغراد اخرى. لكن المشكلة التي يشير اليها الاميركيون باعتبارها ستقيهم هذا الفخ هي اقتناعهم بأن الجنود العراقيين لن تكون لديهم العزيمة ولا الارادة لخوض مثل هذا القتال من بيت لبيت في كل شارع من شوارع العاصمة بغداد وهذا ينطبق اكثر على المدنيين العراقيين. ويزعم الاميركيون ان قوات الحرس الجمهوري الخاصة، وهي التي يعول عليها الرئيس العراقي لحماية بغداد لا يمكن الاعتماد عليها لاداء هذه المهمة، لانها ستتفكك حالما يشعر افرادها بقرب نهاية الحكومة العراقية وتبحث عن الامان والسلامة، وبالتالي فإن هذا ينطبق اكثر على قوات الجيش العادي الاقل تسليحاً وتنظيما وتدريباً. ولهذا قد يكون الخيار الامثل امام القيادة العراقية هو استدعاء قوات الحرس الجمهوري بكاملها الى بغداد، حيث تضم على الاقل 10 الاف رجل، وهي افضل تدريباً وتسليحاً من الجيش العادي الذي يعتبر حالياً اضعف بكثير مما كان عليه في حرب الخليج السابقة عام 1991، وحينها ابدى الجيش العراقي بالكاد مقاومة قبل استسلامه. ومع ذلك يقول المتحمسون الاميركيون لمفهوم النصر السريع ان الحرس الجمهوري مجتمعاً حتى لو استطاع ان يدافع عن بغداد، فلن يستطيع فرض سيناريو ستالينغراد، لانه لن يتمكن من الابقاء على ولاء العراقيين من سكان المدينة للقيادة، حيث سيكونون منتظرين الفرج على يد الاميركيين حسب زعمهم. لكن ان كانت هذه هي الحال، كما يكرر المحللون والمسئولون الاميركيون والبريطانيون منذ شهور فما بال هؤلاء شرعوا، مؤخراً، يسربون طروحات مفادها ان القيادة العراقية قد تلجأ لسياسة الارض المحروقة، امام تقدم اي غزو اميركي، بتدمير الجسور والطرقات وغيرها من عناصر البنى التحتية، لتبطيء تقدم القوات الغازية قبل المعركة النهائية الدموية في بغداد. لقد بدأ الكشف عن سلسلة من السيناريوهات الاسوأ، بعد ان ركز القادة العسكريون الاميركيون طوال الفترة الماضية على التأكيد بأن غزو العراق سيكون نزهة، حيث ترسم هذه السيناريوهات احتمالات وورطات مظلمة حالما ينطلق الغزو. ويقول الاميركيون والبريطانيون الآن ان القيادة العراقية على الاغلب ستركز على ابطاء تقدم القوات قبل حصار بغداد. ويقولون ان الرئيس العراقي يعتمد على فرض صمود التطورات العسكرية، عبر التمكن من تحقيق قدر مهم من الخسائر البشرية الاميركية بشكل يجعل معه الشروع في مزيد من التقدم الى بغداد امراً غير مقبول سياسياً في الولايات المتحدة وبريطانيا، وعلى الرغم من نفي الرئيس العراقي في لقائه مع احد التلفزيونات الاميركية قبل ايام لمثل هذه السيناريوهات اخذت البنتاغون تقول ان الرئيس العراقي قد اعطى اوامر، بنسف السدود والجسور واشعال حقول النفط، ولا يتردد هؤلاء في اتهامه ايضا بأنه يخطط للتسبب في طارئة انسانية في بلاده تشغل العالم وتربك المهاجمين وتبطء هجومهم. غير ان هذه التسريبات المتعمدة حالياً للسيناريوهات الكابوسية تستهدف تحقيق اغراض اكثر خبثاً على ما يبدو. فالقادة الاميركيون يسعون لتجنب اي اتهامات مستقبلية، اذا واجه غزوهم عواقب سلبية بعد شهور من السيناريوهات الوردية حول ذلك الغزو السياحي واعطاء انفسهم فرصة للقول حينها: لقد حذرنا من احتمال سيناريوهات سيئة! الحقيقة هي ان البنتاغون غير متأكدة بعد مما سيكون عليه سلوك الحرس الجمهوري العراقي وخصوصاً القوات الخاصة منه. ويدرك الاميركيون ان اي حصار لبغداد سيواجه على الاغلب قوات عراقية منتشرة وفق تكتيك دفاعات حلقية متعددة تنفتح امام المهاجمين لجرهم نحو قتال في الشوارع. وكل ما يأمله الاميركيون الآن هو تجنب حرب شوارع تحمل معها المجازفة بالتعرض لخسائر بشرية ثقيلة وتكلفة سياسية باهظة، تكفي لاجبارهم في مرحلة ما على وقف الهجوم. اعداد: جلال الخليل