الاحد 29 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 2 مارس 2003 جدار الفصل الذي يجري اقامته في عزبة سلمان، جنوبي قلقيليا، بين الفي منشه واورانيت، دمر حتى الان بضع عشرات من الدفيئات، وخزان مياه، وشبكات ري وبضع مئات من اشجار سكان القرية الصغيرة التي تضم 600 نسمة من السكان.بضع عشرات من دونمات الارض ـ بعضها مزروع، وبعضها غير مزروع ـ انتقلت الى ما وراء جبال الظلام من ناحية اصحاب الارض: فمسار الجدار تركها في غربه وفي شماله. ومع انه شفويا تعد سلطات الجيش بوضع بوابات ونقاط عبور في الجدار بحيث يتمكن الناس من الوصول الى اراضيهم ـ ولكن حتى الان ليس واضحا اين ستكون هذه البوابات وما هي اجراءات العبور فيها. عبدالله قزمار، 50 سنه، فقد هكذا معظم أرضه المزروعة، والتي في القسم الشمالي الشرقي منه في قرية عزبة سليمان.وعندما بدأت الجرافات ترسم خطا اجرد وواسع داخل كرم الزيتون وفي الارض البنية الخصبة طلب ان يعرف ما الذي يجر. هل الاراضي جنوب المسار ستستغل. نعم، اجابه سواقو الجرافات، هذه الارض ليست في خطتنا.فأعد هو دونمين ـ ثلاثة دونمات صخرية تبقت له وغرس فيها بذور الخضار: البطاطا، الملفوف، الكوسا، السبانخ. وما ان بدأت نباتات البطاطا تظهر حتى وصلت اليها الجرافات وقلبت الارض ـ على بعد مترين من منزلين قيد البناء على مسافة 15 متر من بضعة منازل مأهولة. هل المسار تغير في وقت العمل نفسه، ام وسع؟ معظم الاشخاص الذين تعمل الجرافات بجوار منازلهم وداخل حقولهم، يتعلمون بالالم وبالتدريج بان كلمة «الجدار» الدارجة على لسان الاسرائيليين، بل وكلمة «السور» ـ الدارجة على لسان الفلسطينيين، لا تصفان الواقع كما هو. فالحديث يدور عن سور من الاسمنت سيعلو ارتفاعه حتى ثمانية امتار، وفوقه سيكون سياج، وعن قناتين عمق الواحدة اربعة امتار على طول كل جانب السور، وعن طريق ترابي يحظر الوصول اليها ويسمح فيها باطلاق النار على المتسللين، وعن طريق ناعمة لقص الاثر، بجدار الكتروني، وعن طريق دوريات عسكرية ذات مسارين وعن ابراج حراسة محصنة على مسافات ثابتة. في اماكن مختلفة ستشكل كل هذه العناصر، او بعضها منظومة السور المقام، في الوقت الذي لا يزال معظم اصحاب الاراضي وسكان القرى والمدن لا يعرفون ماذا سيكون عليه بالضبط حجم الاراضي الخاصة بهم التي ستتضرر مباشرة. ومنذ المرحلة الاولى لبناء السور، في محافظات الشمال الغربي للضفة الغربية (جنين، طولكرم وقلقيليا)، تبين ان 15 قرية ـ بما فيها نحو 14 الف من السكان ـ سيجدون أنفسهم، لبيوتهم واراضيهم ـ بين السور وبين الخط الاخضر. وحسب التقديرات، فان 15 قرية اخرى في هذه المقاطعات ـ بمن فيهم نحو 140 الف نسمة، ستحاط بسور الفصل من ثلاثة اتجاهات: الثلاثين قرية هذه ـ صغيرة وكبيرة ـ متوقع لها شروط عزل وقطع قاسية جدا حتى عن تلك التي سببتها سياسة الاغلاق الاسرائيلية في السنتين الاخيرتين، والاغلاقات والمحظورات بحق الحركة على طرق الضفة. في المرحلة الاولى، عندما سيكتمل، فانه سيحيط 70 وجودا مجتمعيا فلسطينيا يسكن فيها 213 الف نسمة. في التقرير الاول الذي بادر اليه ووجهه البنك الدولي (كأحد المؤسسات الاساسية ذات الصلة بجهاز الدول المانحة للسلطة الفلسطينية) عن الاثار التي ستكون «لجدار الفصل» على السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية يجري التشديد، ضمن امور اخرى على الحقائق الثلاثة التي يتعلمها قزمار الان على جلدته: فقدان الاراضي لالاف العائلات وتدمير مصادر رزقها. التغيير الدائم لمسار سور الفصل في سياق البناء ـ الهدم نفسه الامر الذي لا يتيح التقرير الان بالضبط ماذا سيكون عدد الاشخاص الذين سيتتضررون مباشرة. وعدم النشر الرسمي من جانب حكومة اسرائيل باي معلومات عن انظمة العبور الى الاراضي التي ستعلق بين الخط الاخضر وسور الفصل وعن هوية الاشخاص الذين سيسمح لهم بالعبور. وفي جولات الاعضاء الاربعة للجنة واضعي التقرير على طول المسار، لم ينجحوا في اكتشاف وجود مثل هذه المعابر. «لم يتبقَ سوى ان نرى سياسة العبور هذه حين ستنفذ اذا كانت ستفي بالقدر المعقول بحده الادنى اللازم لتلبية الحاجات الاجتماعية والاقتصادية والانسانية للسكان المتضررين»، هكذا ورد في التقرير الاولي الذي رفعه مندوب البنك الدولي في البلاد، نيجل روبرتس، لمندوبي الدول المانحة والرباعية في جلستهم في لندن الاسبوع الماضي. هذه الجملة الاساسية تدل على هدف التقرير: اعداد الدول المانحة لاحتمال معقول في ان تكون مطالبة الان لتمويل عمليات غوث على اختلاف انواعها «للتخفيف» عن الاثار الاقتصادية والاجتماعية القاسية التي ستكون لبناء السور داخل منطقة هي المنطقة الزراعية الصرفة للضفة الغربية. هذا بالضبط هو الذي ازعج ممثلي السلطة الفلسطينية وم. ت. ف ممن قرأوا التقرير الاول: ليس فيه معارضة سياسية صريحة لسور الفصل او للاسف لحقيقة انه لا يحترم الخط الاخضر والاملاك الخاصة للفلسطينيين. وعلم المندوبون الفلسطينيون بان هذا كان مطلبا اميركيا صريحا: عدم الانتقاد او اطلاق معارضة لمجرد وجود السور (الامر الذي يميل اليه قسم من المندوبين الاوروبيين). ومن جهة اخرى، علم الفلسطينيون بان مندوبين اميركيين اوضحوا لاسرائيل بانهم لا يريدون ان يروا «اي ترحيل داخلي» ينطوي عليه اقامة السور ـ اي طرد الناس من قراهم. ويقصد الاميركيون على ما يبدو الطرد الموجه، المباشر والمبادر اليه. ولكن واضعو التقرير يسمحون لانفسهم بان يعربوا عن التخوف الصريح من أن تؤدي الاثار المدمرة للسور بشكل غير مباشر الى «هجرة» داخلية وحراك للسكان من المناطق التي ستتضرر. فمثلا، حسب معلومات وصلت الى واضعي التقرير، فقد ابلغ مندوبو الادارة المدنية مختار القرية الصغيرة دبعة، في منطقة قلقيليا، بان قطاع من 300 متر عن السور ستكون محظورة امام حركة الاشخاص. ولكن هذه المنطقة تضم كل منازل القرية الصغيرة، التي يسكن فيها 250 شخصا. بمعنى ان أمر حظر الحركة من شأنه ان يفرض اخلاء المنازل. واضعو التقرير يحصون في هذا السياق بضعة نماذج من السنتين الاخيرتين، والتي اضطر فيها الاف الاشخاص الى تغيير اماكن سكناهم نتيجة القيود المتشددة التي فرضتها اسرائيل على حركة الفلسطينيين. بين 6 الاف الى 8 الاف من سكان قلقيليا غادروا المدينة: معظمهم عادوا الى القرى الاصلية التي خرجوا منها، بعد أن انتقلوا في فترة اوسلو الى المدينة لاغراض الرزق اساسا. وآخرون عادوا الى الاحياء المدنية البعيدة التي تسكن فيها عائلاتهم. في كل ارجاء الضفة ـ المرضى بامراض العضال (مثل مرضى الكلى والسرطان)، والذين يخرب الاغلاق على امكانية حصولهم على العلاج الطبي المنتظم، غادروا قراهم وانتقلوا الى السكن في المدن، بالقرب من المستشفيات او العيادات. والتقرير يحصي ست مجمعات قروية صغيرة نسبيا (2700 نسمة بالاجمال)، بين جنين وقلقيليا، من شأن بناء السور ان يعزلهم تماما ويمس بشدة في امكانيات حصولهم على الرزق والحياة، ولهذا مما يؤدي الى نقل السكان. ويأتي التقرير كنموذج قرية ام ريحان، شمال شرقي جنين. منظومة من الحواجز تعزلها منذ الان عن القرى المحيطة. والان الوصول اليها يتم عبر «خليج» في مسار السور. العبور من القرية والدخول اليها محظور على سكان الضفة من غير سكانها. وترتيب خاص يسمح لخمسة معلمين من قرية يعبد المجاورة دخولها. مندوب القرية روى لواضعي التقرير بان الحصول على تصريح دخول من الادارة المدنية لاحد المعلمين استغرض سنة كاملة. كما ان لسيارات الاسعاف مسموح الدخول ـ بعد تنسيق مسبق. والطواقم الطبية الاخرى، والتي يفترض بها ان تقدم خدمات التطعيم للرضع، لا يسمح لها بدخول القرية، المحبوسة الان بين مسار السور والخط الاخضر. كما ان الادارة المدنية حظرت مواصلة بناء طابق ثاني للمدرسة المحلية والتي تعاني من نقص شديد في الغرف. كما أن الطلبات من الادارة المدنية للوصل بشركة الكهرباء رفضت ـ منذ العام 1986. ويشير واضعو التقرير الى تخوف السكان من ان يكون المقصود في نهاية الامر طردهم من اراضيهم. وحسب هؤلاء السكان، فانهم سبق ان سمعوا كلمات بهذه الروح من احد مندوبي الادارة المدنية. في المقاطعات الفلسطينية الثلاث في الشمال الغربي والتي تتأثر من المرحلة الاولى من بناء السور، يعيش نحو نصف مليون نسمة ـ نحو 25 في المئة من سكان الضفة الغربية (دون احصاء سكان المنطقة التي ضمت الى القدس). نحو نصفهم سيتضررون من بناء السور مباشرة. ومساحة المقاطعات الثلاثة ـ 995 كيلو متراً مربعاً، نحو 17 في المئة من اراضي الضفة، ولكن نصيبهم في النشاط الزراعي أكبر: من اصل 175,5 مشروع زراعي في الضفة الغربية (مزارع، مصالح زراعية)، 42 في المئة ـ اي 170,2 ـ توجد في المقاطعات الشمالية. ومن اصل 133 مشروع مياه (ابار) وكهرباء في الضفة، 106 موجودة في هذه المحافظات (نحو 80 في المئة). قرى «خط التماس» تمتعت بازدهار نسبي مقابل مناطق اخرى في مقاطعتها، حيث معدلات البطالة والفقر اعلى من المتوسط الفلسطيني في الضفة. ويعود الازدهار الى الاقتراب من اماكن العمل في اسرائيل، وتحويل القرى الى اسواق مريحة ورخيصة للاسرائيليين ومن الاملاك الزراعية في حوزتهم. ومع أن عدد سكانها يشكلون 15 في المئة من سكان الضفة والقطاع معا، فان هذه المقاطعات الثلاثة ساهمت بـ 28 في المئة من القيمة المضافة الزراعية الفلسطينية في عامي 2000 و2001 والثلاثة تستخدم ثلثي مياه الاستهلاك الزراعي في الضفة. نحو 40 في المئة من الاراضي المخصصة للزراعة في كل الضفة والقطاع توجد في هذه المقاطعات (560 كيلو متر مربع من اصل 515,1). في العامين الاولين للانتفاضة قطع مصدرا رزق. والثالث تضرر بسبب قيود الحركة التي خربت على قدرة تسويق المنتجات الزراعية. ومن جهة اخرى فان فقدان العمل في اسرائيل والروابط التجارية مع الاسرائيليين اعاد الكثير من الناس الى فلاحة الارض. اما السور، كما يقدر واضعو التقرير، فيمس وسيمس بحرية الوصول الى مصادر المياه، للمصالح التجارية والمزارع الزراعية والاسواق، وهو يدمر الاملاك الخاصة وكذا يمس بامكانية تطوير مصادر رزق اخرى. فهو يعزل القرى والمدن عن بعضها البعض او يعزل الاجزاء المبنية فيها عن اراضيها ومصادر مياهها. والنتيجة المتوقعة هي فقدان المداخيل ولا سيما من النشاط الزراعي، وخسارة املاك مشجعة لخلق مصادر دخل، وتقليص المجال الجغرافي للنشاط الاقتصادي ومن ناحية كامنة ـ الانتقال من اقتصاد النقد الى الانتاج للاستهلاك البيتي والمحلي. حتى نهاية ديسمبر تم استطلاع 53 مجمع سكاني، يعيش فيها 800,141 من السكان المتضررين من سور الفصل. وقد نفذ الاستطلاع لجان الاغاثة الزراعية الفلسطينية. وحسب المعطيات فانه في هذه المجمعات السكانية دمر مباشرة من اعمال تهيئة التربة وبناء السور 84 الف دونم من اغراس الزيتون وغيرها من اشجار الثمر، 615 دونماً من الاراضي الخصبة (بما فيها الدفيئات)، 3,37 كيلو متر من منظومة الري، 15 كيلو متر من الطرق الزراعية. 11 من المجمعات السكانية على خط التماس هي ذات 350,238 دونم، ستحبس بين الخط الاخضر والسور. 57 في المئة من هذه الارض ـ مزروع. ان العزل والقطاع الجاري الان والمتوقع ان يتسع مع استمرار بناء السور يضع معاضل جديدة امام المزارعين: فهل يزرعون واين، واي نوع يختارون، وما هو حجم الاستثمار المرغوب فيه في وضع عدم اليقين المتطرف هذا. فللسور ستكون اثار حاسمة على الامن الغذائي ـ ليس فقط في المناطق المجاورة للخط الاخضر بل وفي كل الضفة. ويقدر التقرير بان بناء السور سيشدد من الميل الذي يميز السنتين الاخيرتين: تدهور خدمات الرفاه، الصحة والتعليم بسبب قيود الحركة وانعدام قدرة المعلمين والاطباء والطواقم الطبية الاخرى والعاملين الاجتماعيين وموزعي المياه للصهاريج ومزيلي القمامة (في ظل غياب ربط بشبكة المياه والمجاري) - الوصول الى القرى والمدن المختلفة بسبب مصاعب الطلاب والتلاميذ والمرضى من الوصول الى مراكز التعليم والصحة في القرى الاكبر او في المدن. بقلم: عميره هاس _ عن «هآرتس»