السبت 28 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 1 مارس 2003 في ضاحية العامرية المترفة الواقعة على بعد خمسة أميال غربي بغداد، يمتد طريق تتجنبه معظم السيارات العادية موازياً للطريق المؤدي للمطار. على ذلك الشارع وفي مبان وعنابر تبدو عادية من الخارج توجد ثكنة السرية الأولى من الكتيبة الثانية من اللواء الأول من الحرس الجمهوري الخاص العراقي، وهو جزء مما يدعى «الفرقة الذهبية» المكلفة بمهمة وحيدة هي حماية الرئيس العراقي. الرجال الذين يقيمون في ذلك المجمع أشداء وجباتهم واسلحتهم ومرتباتهم هي الأفضل في القوات المسلحة العراقية. بزاتهم العسكرية أنيقة، ويحافظون على لياقتهم البدنية بالتدريبات المتواصلة. الكثيرون من هؤلاء جرى تجنيدهم من مسقط رأس الرئيس العراقي، مدينة تكريت، أو من مناطق القبائل الموالية لعائلته المجاورة للمدينة، بعد أن يتم اختيارهم بناء على ولائهم المطلق للنظام، وتحديداً للرجل الذي يعرفونه كلهم بلقب «عمنا الكبير». مهمة هؤلاء هي قيادة قوافل السيارات التمويهية التي تضلل المراقبين لاخفاء أين يذهب الرئيس ـ وفي أي سيارة. ويهرول جنود من السرية بجانب هذه السيارات لدى وصولها ينتشرون بشكل دائري عند وصول الرئيس لتشكيل طوق أمني بأجسادهم حوله، ومن واجبهم اعتراض أي طلقة أو قنبلة قد تستهدفه بأجسادهم. غير أن رجال الكتيبة الثانية ليسوا الوحيدين المكلفين بحماية الرئيس العراقي. بل إن هؤلاء المسلحين دوماً والسائقين بنظاراتهم الشمسية ممن يقودون سيارات المرسيدس السوداء في المواكب الرئاسية ليسوا في الحقيقة سوى حلقة الحماية الثالثة والخارجية ضد محاولات الاغتيال. وداخل هذه الحلقة توجد حلقة أضيق من جنود الكتيبة الأولى من اللواء الأول التي تقع ثكنتها قرب كلية الأمن الوطني في بغداد، ومهمتها قتل أي شخص تفشل الكتيبة الثانية في ايقاف هجومه. في مركز هذه الحماية الطبقية توجد حلقة الحراس الشخصيين الأخيرة للرئيس، وهم من عناصر الأمن الخاص الذي يعتبر رمز الاخلاص والولاء للرئيس العراقي والذي لا يوفر عناصر الحماية القريبة له فحسب بل وينشر عناصره حول المكاتب الحكومية للتجسس على ضباط الجيش والاستخبارات الذين قد يفكرون في تدبير حركة انقلابية ضده، أما نواة خطوط الحماية للرئيس فتتمثل بالرئيس صدام حسين نفسه البالغ من العمر 65 عاماً حيث يحمل معه دوماً مسدساً على حزامه. السؤال الذي يدور اليوم في بغداد وغيرها من حواضر العراق هو فيما إذا كانت هذه الوحدات الأشد ولاء للرئيس العراقي نفسها يمكن له أن يثق بها للدفاع عنه، في بلد تجتاحه مشاعر المخاوف التي عرفتها أوروبا في نهاية القرن التاسع عشر، حيث يتوقع كل من فيه هجوماً أميركيا وشيكاً لا يتوقع أحد أن ينجو منه الرئيس العراقي هذه المرة. ويقول أولئك المكلفون بمراقبة تحركات الرئيس وتخمين تحركاته التالية أن كل من في العراق يجمعهم توقع النهاية الدائرة القريبة منه باستثنائه هو وأقرب أبناء عائلته منه، الذين لم يستوعبوا بعد ضآلة فرص الفوز في رهانهم. هذا الأمر يترك أكبر سؤال دون أجابة، ذلك السؤال الذي يدور همساً في العراق ويطرح بالكثير من الارتباك في واشنطن ولندن والأمم المتحدة: ما الذي سيفعله الرئيس العراقي بالتحديد حين يتيقن أنه أصبح محشوراً في الزاوية؟ يقول مصدر استخباري غربي: «ما نسمعه هو أن الجميع يتوقع ان الكل باستثناء عائلته يبحثون عن طريق للفرار. إننا نعلم نتيجة الاتصالات التي يجرونها مع اقاربهم في الخارج أن رجال النظام وحتى أقرب المقربين منه ـ باستثناء الرئيس ـ يجرون اتصالات مع العالم للعثور على طريقة للنجاة حين الإطاحة بصدام حسين. وآخرون يقومون بتحويل كل مملتكاتهم إلى سيولة وتهريبها لخارج العراق إلى حين يعتقدون أنهم سيكونون بأمان. الجميع يلعب لعبة الانتظار. لا أحد منهم يريد أن يمسك به صدام حسين قبل وصول الأميركيين كما أنه لا أحد منهم يريد أن يكون آخر الواقفين وهو يقاتل بجانبه حينما تكون نتيجة اللعبة قد حسمت. وقد بدأت ترد من بغداد وأوساط المنفى العراقي في الأسابيع الأخيرة هول بعض رجال النظام الموالين الذين أصبحوا يواجهون حتمية نهاية حكم الرئيس العراقي حيث أخذوا يحاولون المناورة بولاءاتهم بحذر حيث يحتمل توقيت تغيير الولاء عواقب قاصفية إن كان غير مناسب. وتقول بعض المصادر إن بعض العناصر في الأجهزة الأمنية قد حاولت التقرب من عائلات من أعدموهم محاولين شرح انهم ماكانوا يوافقون على الأوامر الموجهة اليهم، فيما قام آخرون بالتواري عن الأنظار. بل هناك قصص أيضا تدور حول قادة عسكريين أو حزبيين رفيعين يحاولون يائسين إيصال كلمة مفادها أن جنودهم لن يقاتلوا، بل ان البعض يشير الى أماكن تموضعهم وأنهم سيستسلمون إذا ما أتى الأميركيون. لكن إذا ما انتشر الاقتناع في النظام بأن اللعبة قد انتهت أخيراً فليس هناك سوى شيء مؤكد وحيد: هذه الرسالة لم تنفذ بعد إلى الحلقات الداخلية في قلب هذا الطوق الأمني الثلاثي الفولاذي بعد. يقول أحد المصادر: «لا تلوح أي اشارة على ان الرئيس العراقي قد فهم هذه الرسالة. بل على العكس. هو لا يزال مقتنعاً أنه قادر على المضي في اللعبة والفوز بها. نحن نعلم أنه يتابع أخبار التلفزيون وأن المعارضة العالمية للحرب تبدو وكأنها قد عززت من تصميمه. ووجهة النظر السائدة هي أنه مقتنع بأنه كلما استطاع تأخير الحرب كلما اصبح احتمال حدوثها أقل. لكنه سيدرك في لحظة ما أن الوقت لم يعد متاحاً وحينها سيكون في أخطر حالاته. وهناك اشارات ايضا توحي بها تصرفات الرئيس العراقي في الأيام الأخيرة، حيث بدأ يشد أزر حكمه باعتقال ضباط من الحرس الجمهوري يعتقد أنهم سيكونون أول من يتخلى عنه ويخربو بيت صدام حسين. ففي الأسبوع الماضي وضع اللواء سلطان هاشم أحمد الجبوري، كما ذكرت التقارير، تحت الإقامة الجبرية في خطوة غير اعتيادية الهدف منها كما هو واضح منع إنقلاب. وقد ذكرت بعض المصادر ان الرئيس العراقي جعله يحضر الأسبوع الماضي اجتماعاً للحكومة عرضت لقطات منه على التلفزيون العراقي لاعطاء الانطباع بأن كل شيء مستقر وطبيعي، لكن منزله وعائلته محاصران في الحقيقة بالحرس الشخصي للرئيس وهم موجودون هناك حتى لا يتمكن من الهرب. والجبوري ليس الوحيد في هذه الحال إذ يقول المصدر نفسه أن قادة عسكريين ومسئولين حكوميين رفيعين قد تعرضوا للاعتقال في الأيام القليلة الماضية. فأي حياة غريبة إذن يحياها الرئيس العراقي في قبو جهاز هذه الدولة السرية العنيفة والهائلة التي بناها وصممها بنفسه لهدف وحيد هو بقاؤه في السلطة؟ قصور الرئاسة الكثيرة، التي يتنقل بينها يومياً لتجنب المجازفة باكتشاف مكانه من قبل أعدائه الذين يراهم في كل ركن، تتضمن كوادر من الموظفين يحجزون له غرفة نومه في كل منها يومياً ويرشحون له مياه أحواض السباحة التي يستخدمها للحفاظ على وزنه وعلاج ألم الظهر عنده ويحضرون باقات الزهور النضرة كل صباح للغرف ويطبخون الوجبات الثلاث يومياً لرجل يعرفون انه على الاغلب لن يأتي ذلك اليوم. وفي أيام أخرى كما تقول المصادر الاستخباراتية الغربية فإن الرئيس العراقي ينزل ضيفاً على بيوت العراقيين «العاديين» ـ وهم على الأغلب من الاثرياء الذين أزدهرت اعمالهم في عهده ـ ويصرف سكانه ليمضي ليلته تلك. تقول مصادر المعارضة العراقية ان الطعام الذي يتناوله في الأماكن التي يحل فيها تأتيه جواً مرتين أسبوعياً، محاو ومأكولات بحرية ولحوم طازجة وكلها تخضع للفحص الجرثومي قبل أن يتناولها الرئيس. ومثلما يختار بنفسه كل اليوم القصر الذي سينام فيه، فإنه يختار أيضاً المكتب الذي سيعمل فيه ذلك اليوم، وهي كلها متطابقة تقريباً، حيث يقوم بالإشراف على تفاصيل عمل حكومته، ويستمع لمستشاريه ووزرائه، وهم يرفعون تقاريرهم الدقيقة حول المهمات التي يكلفهم بها. تفيد مقالة نشرتها مجلة «أتلانتك منثلي» الأميركية بقلم مارك بادون مؤلف كتاب «فجر الصقر الأسود» عن حياة الرئيس العراقي، إنه قارئ ومتابع تلفزيون نهم، حيث يتابع بالتفاصيل محطات التلفزيون العراقية، كما يتابع بهوس شبكات الـ «سي.إن.إن» والـ «سكاي» و«الجزيرة» والـ «بي.بي.سي». ويقول باودن إن وجهات نظره عن العالم مشكلّة في ضوء الأفلام التي يشاهدها والروايات التي يقرؤها مراراً وتكراراً: «يوم ابن آوى» و«الحوار» و«عدو الدولة» وكلها كتب تصور العالم الخارجي على انه ساحة نظريات تآمرية وعنف. أو ربما كان العكس صحيحاً، حيث تثبت هذه الكتب والأفلام ووجهة النظر الخاصة عن العالم عند هذا الزعيم المناور والذكي و القاسي الذي حوّل العراق إلى بيروقراطية عصابات. أيام الرئيس العراقي الأخيرة هذه داخل ستاره الفولاذي أصبحت بعيدة الآن عن تلك الأيام التي رأى فيها النور في قرية «العوجة» قرب مدينة تكريت في بيت خاله الذي سماه صدام. وكان صداماً بالفعل. ولد صدام لعائلة الخطاب الكبيرة التي كانت تعرف بشراستها في المنطقة، وذلك بعد أن توفي والده الفلاح الصغير من دون أن يراه. وهكذا نشأ الفتى صدام وحيداً منعزلاً نتيجة علاقته السيئة مع زوج أمه. وفي المقابل كان يحب عمه الذي أصبح تقريباً والده بالتبني، خير الله طلفاح، وهو ضابط في الجيش وقومي عروبي دخل السجن وطرد من الخدمة عقب ثورة فاشلة. يقول أصدقاء الطفولة عن الرئيس العراقي انه كان صبياً صعب المراس حتى انه كان يصيد السمك بالديناميت في النهر وهو يخوض به إلى صدره. وفي تلك الأيام، كما يقول من عرفوه، كتب مع ثلاثة من زملائه التلاميذ في المدرسة على ورقة ما يريد أن يكون كل واحد منهم حين يكبر. أحدهم قال إنه يريد أن يكون شاعراً شهيراً، والثاني ضابطاً كبيراً في الجيش والثالث عالماً، أما صدام فكتب إن كل ما يريده هو سيارة جيب وبندقية صيد ومنظار. صدام، التلميذ المتأخر في دراسته على الرغم من ذكائه، اكتسب الشهرة في المدرسة على الطريقة الخطابية: بإطلاق النار ومحاولة قتل المعلم في المدرسة الذي ضربه. وعلى الرغم من أن صدام بالكاد أصبح يستطيع القراءة في سن العاشرة، فإن عمه خير الله طلفاح، الذي أصبح لاحقاً محافظ بغداد وابنه عدنان الذي أصبح لاحقاً وزير الدفاع، شجعاه على متابعة تعليمه. عمه خير الله الذي عمل في التعليم بعد سجنه، أخذه معه إلى بغداد أواسط الخمسينيات ليتعرف على المدينة التي تضج بالحماس القومي. وهكذا أصبح الفتى الريفي على وشك أن يتسيس. انضم صدام لحزب البعث حديث العهد حينها، وهو الحزب الذي ينادي بالقومية العربية والاشتراكية، وكانت أولى أدواره في الحزب هو تنظيم زملائه الطلاب في مجموعات لتخويف المنافسين السياسيين. وفي عام 1958 قتل صدام لأول مرة. ففي عمر 21 عاماً، أشير إلى تورطه في قتل أحد منافسي عمه السياسيين، وهو بدوره من أبناء عمومتهم كان زعيماً للتنظيم الشيوعي في تكريت. على الرغم من عدم توفر دليل حينها ضد صدام وخير الله طلفاح، فقد كان ذلك كافياً ليُرشح صدام لدور الشريك في محاولة اغتيال زعيم العراق حينذاك الفريق عبدالكريم قاسم على يد البعثيين عام 1959 انتقاماً منه للمذبحة التي ارتكبها بحق أنصار البعث في الموصل. وعملية الاغتيال الفاشلة هذه كانت نقطة انعطاف جذرية في حياة الحزب وصدام معاً. أواخر الستينيات، حينما كان صدام فاراً في مصر، استولى حزب البعث على السلطة لتبرز نسخة أخرى من صدام حسين، فمع أنه استمر رجل عصابات، إلا أنه نجح في كسب الاحترام هذه المرة والتحول من طالب مكتئب من تكريت إلى معلم ذاتي لنفسه يقرأ بنهم وبتوسع لتصبح أقوى مهاراته هي كيفية استخدام التخويف في السعي وراء السلطة السياسية. حينما استولى البعث على السلطة عام 1968 أصبح ابن عمه أحمد حسن البكر رئيس البلاد ورئيس مجلس قيادة الثورة الجديدة. غير أن صدام كان القوة والدهاء الحقيقيين وراء قرابته هذا. وشهدت السنوات الاحدى عشرة التالية تقدما بطيئا لكن ثابتا من جانب صدام في اكتساب الدعم والتأييد الذي احتاجه للاستيلاء على السلطة من ابنه عمه ورغم انه كان يعتبر «رجل بغداد القوي» والسلطة الفعلية في العراق فان الانقلاب الذي قام به فرض عليه فرضا حينما ادرك منافسوه الى حد اصبح قويا، واخذوا يشيرون الى ان انتخابات داخل الحزب قد تكون ضرورية للتخلص من نفوذه. اخيرا استولى صدام على السلطة في 22 يوليو 1979 فيما تبين لاحقا انها واحدة من اكثر اللحظات دموية في عمر النظام. فقد توارى الرئيس البكر عن الانظار بهدوء وفي جلسة لمجلس قيادة الثورة يوم 11 يوليو، نزع السلطات كلها من البكر واعطاها لصدام ويوم 15 يوليو، ساعد الرئيس المخلوع ربيبه الاستحواذ على السلطة حينما ظهر على شاشة التلفزيون العراقي ليقول انه استقال من الرئاسة بسبب اعتلال صحته بعد بلوغه الخامسة والستين من العمر وكل ما تبقى على صدام حينها هو التخلص من معارضيه في مجلس قيادة الثورة الذين قد يقفوا بطريقه. الرجل الذي كان بمثابة الصاعق الذي فجر حملة التطهير هذه هو الامين العام لمجلس قيادة الثورة محيي عبدالحسين مشهدي الذي لعب بالنار حينما طالب يوم 11 يوليو باجراء استفتاء على تسلم صدام للرئاسة. في 22 يوليو وجه صدام حسين الدعوة لكل اعضاء مجلس قيادة الثورة وغيرهم من قيادات الحزب الى مؤتمر في احدى قاعات بغداد وحالما جلس وبيده سيجار يدخنه قام احد مقربيه ليعلن امام الجمع انه تم اكتشاف مؤامرة اجنبية وفجأة اقتيد مشهدي الذي تعرض للتعذيب بعد اعتقاله من وراء شارة في القاعة ليقف امام المؤتمرين ويعترف وبدأ مشهدي يعدد الاسماء وفيما هو يردد قائمة المتهمين كان كل من ينطق اسمه باعتباره متواطئا يقتاد الى خارج القاعة وكان العدد الاجمالي 66 اسما. وحالما نهض صدام من مقعده وصعد منبر الخطابة، تحدث امام المستمعين عن شعوره بالصدمة من هذه المؤامرة بل انه بكى وهو ينطق اسم احد المتأمرين وفيما صرخ احد المتهمين بأنه بريء، لوح صدام له بيده صارخا: «اطلع، اطلع!» وكلمة مرعبة اخيرة، امر صدام اعوانه بتصوير المناسبة بأكملها، ووزعت عنها اشرطة فيديو في البلاد بأسرها. كانت تلك اللحظة التي رسمت معالم مستقبل حكمه فقد شهد العقدان المقبلان الكثير من المجازر المصممة للترويع والترهيب: الهجوم بالغاز على حلبجة ومثل فرزادبازوفت مراسل هذه الصحيفة، غارديان، واستخدام الغربيين كدروع بشرية في حرب الخليج وقتل صهره حسين كامل الذي عاد الى بغداد بعد انشقاقه. انها الصفة التي كانت تتواتر في ظهورها مع صفة مرعبة اخرى وهي مقدرته في لحظات تاريخية حاسمة على ارتكاب اخطاء فادحة، مثل غزو الكويت وتعامله الحالي مع الولايات المتحدة. ولهذا يبقى السؤال عما سيفعله حينما يعرف ان نظامه على وشك السقوط، وان ظهره اصبح الى الجدار؟ هذا السؤال هو الذي يشغل المخططين العسكريين في واشنطن ولندن اكثر من غيره ومن بين السيناريوهات التي يضعونها سيناريو لماكبث معاصر. فحينما تصبح النهاية واضحة لامراء فيها يعتقد هؤلاء ان صدام سيهدم القلعة على من فيها اعداء واصدقاء من القريبين منه. والاخطر من ذلك هو انه قد يقع ضحية هاجس وحيد: شعوره بالعظمة ففي بلد يضج بآيات التمجيد لصدام ويشهد بث المديح للقائد يوميا فان دوافعه، كما يقولون، ربما تصبح حصريا كيف سيتذكره الناس طوال العقود والقرون المقبلة. فبخلاف ابناء القبيلة ـ وشأن ابنيه قصي وعدي ـ ممن اثروا نتيجة وصول صدام للسلطة، قال الرئيس العراقي لكاتب السيرة الرسمية له ان ما يلهمه هو كيف سيتذكره الناس بعد 500 عام، فهو يريد ان يكون صلاح الدين الجديد الذي يدافع عن ديار الاسلام ضد الصليبيين. ويفكر الخبراء في هذا الشأن في انه انه لم يتمكن من تحقيق هذا في حياته فهناك دوما امكانية تحوله الى اسطورة بموته محاطا بجثث اعدائه.يقول مصدر بريطاني: «صدام رجل يتمحور وجوده كله على السيطرة وصورته التي يرسمها ذاتيا لنفسه ما نخشاه هو انه حينما يتيقن من انها النهاية، فأي داع يكون لتلك السيطرة، بما فيها السيطرة على النفس، يصبح معدوما، وكل ما سيتبقى هو عنفه وصورته المشوهة عن مكانه في تاريخ العرب. عند تلك اللحظة قد يقرر صدام حسين بانه ان كان ماضيا نحو الموت فانه يستطيع ان يأخذ معه الى الموت اكبر عدد ممكن من اعدائه، لن يعود هناك ضابط على استخدام السلاح الكيماوي او الجرثومي. يقول المصدر نفسه: «قد يخطط صدام حسين لكارثة بشرية في العراق ضد شعبه؟ اي شيء يمكن ان يوقف الزحف الاميركي، فقد يرى نهاية الامر انه لا قواعد لهذه المواجهة» اما الخيار النهائي والمرغوب اكثر من غيره فهو ان يتغلب حب الحياة على غيره من الدوافع بما في ذلك السلطة وتقديره لذاته ويهرب الى المنفى، وان كان هذا هو ما يفكر به فان شيئا لا يشير اليه حتى الآن وهو ما قد يعني انه يترك رحيله للرجال الذين يحمونه كما تقول مصادر استخباراتية، واخيرا ربما يكون الدور المحوري في الفصل الاخير من هذه المواجهة هو للحرس الجمهوري الخاص الاقرب للرئيس. يقول احد المصادر «ستأتي لحظة يتعين فيها على هؤلاء الرجال ان يحسموا امرهم، سيسألون انفسهم عما اذا كانوا سيقفون مع صدام حتى النهاية ام سينقذون انفسهم من غضبة الشارع بعده بفعلهم الشيء الوحيد الذي لايزالون قادرين على فعله وهو اغتيال الرئيس». لاول مرة سيرى من يحيطون بصدام حسين ان عليهم الاختيار بين الموت مع عمهم الكبير او بانقاذ انفسهم عبر تخليص العراق من 30 عاما قضاها في رعب، وليس مجرد اطاعة الاوامر كالعادة هذه المرة. في ثكنة الكتيبة الثانية من اللواء الاول من الحرس الجمهوري الخاص في العامرية وغيرها ربما لايزال هناك قلائل لم يبدأوا التفكير سرا بما يجب عليهم فعله في تلك الساعات الاخيرة. بقلم: بيتر بيومونت _ ترجمة جلال الخليل _ عن «اوبزرفر»