الجمعة 27 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 28 فبراير 2003 تخيل ان الكون بدون نجوم ولا مجرات ولا ضوء، وانه مجرد تجمع اسود من الغازات البدائية الغارقة في بحر من مادة غير مرئية، بعد مئات الوف السنين من حدوث الوميض الخاطف للابصار الخاص بالانفجار العظيم، انغمس الكون في ظلمة دامسة استمرت نصف مليار سنة، ثم حدث شيء غير الوضع برمته، شيء قاد الى تخلق، لا النجوم والمجرات لوحدها، وانما ايضا الكواكب والانسان والعشب الاستوائي والسحالي. والسؤال هنا هو ماذا كان يمكن ان يكون ذلك الشيء؟ هنالك اشارات ودلائل جديدة تتدفق لحل هذا اللغز ـ الذي يعتبر اكثر الالغاز جوهرية بالنسبة لعلم الكون ـ من اتجاهات عديدة، واعاد اصحاب النظريات تتبع الخطوات التي افرزت النجوم والمجرات الاولى باستخدام عمليات المحاكاة على جهاز كمبيوتر فائق القوة، وقام علماء الفلك الذين ينظرون عبر تلسكوبات جديدة عملاقة برحلة في الزمن الى الوراء بحثاً عن المجرات الاولى، ولقد اكتشف الباحثون اثناء دراستهم للصور الملتقطة من تلسكوب هابل الفضائي التنوع الهائل للمجرات التي تحيط بنا اليوم، من دولاب نار عملاق يتوهج بالضوء الازرق المنبعث من النجوم الوليدة الى كرات مشوهة الشكل تتوهج باللون الازرق الضارب الى الحمرة المنبعث من نجوم ولدت قبل مليارات السنين، الى مجرات ممزقة تجرجر شفقاً طويلاً من نجوم انتزعت بفعل الاصطدام مع مجرات متطفلة. قبل اقل من قرن واحد، لم يكن علماء الفلك يعرفون شيئاً سوى عن مجرتنا «مجرة درب اللبانة» التي اعتقدوا انها تضم حوالي 100 مليون نجم ثم اكتشف المراقبون بعد ذلك ان بعضاً من النقط الغامضة في السماء ليست مشمولة بمجرتنا وانما هي مجرات قائمة بذاتها، وهي عبارة عن تجمعات من النجوم والغازات والغبار ملتصقة ببعضها البعض بفعل الجاذبية، واليوم نعرف ان مجرة درب اللبانة تحتوي على اكثر من 100 مليار نجم وان هناك حوالي 100 مليار مجرة في الكون، وكل منها يحتضن عدداً هائلاً من النجوم. يقول عالم الكونيات كارلوس فرينك من جامعة دورهام في انجلترا ان «نظرتنا للكون تتغير كلياً وذلك مرده بشكل اساسي لفهمنا الجديد لتشكل المجرة، وليس من قبيل المبالغة القول اننا نمر بفترة تغير شبيهة بثورة كوبرنيكوس». يعتقد احد علماء الكونيات الجدد وهو توم آبل من جامعة ولاية بنسلفانيا انه اكتشف كيف ولد النجم الاول، ففي احدى امسيات ابريل الماضي جلس بجوار حوض السباحة بأحد الفنادق في كوزوميل بالمكسيك متجاهلاً كل ما يجري من حوله، ومنشغلاً بالتجديف في شاشة جهاز الكمبيوتر المحمول الخاص به، وبالاخص في صور توضح كيف يمكن لعملية تشكل النجم ان تكون قد حدثت، وبعد بضع دقائق عاد الى داخل الفندق كي يطلع زملاءه على الصور في واحد من اكبر الاجتماعات المكرسة لاصل المجرات. ويعتقد ابل ان النجم الاول ولد قبل حوالي 14 مليار سنة في كون كان اكثر غموضاً ولكن اقل بساطة من كوننا الحالي، ولأنه كان اصغر واكثر كثافة من الوقت الحاضر، فإن الكون كان فاحم السواد ويحتوي على الهيدروجين والهيليوم بالدرجة الاساسية، اضافة الى الليثيوم، وخلال السنوات القليلة الماضية قام آبل بالتعاون مع زميليه مايكل نورمان من جامعة كاليفورنيا في سان دييغو، وغريغ برايان من جامعة اكسفورد باجراء عمليات محاكاة على كمبيوتر فائق القوة تظهر كيف تشكلت النجوم من هذه الغازات. وبحسب عمليات المحاكاة فإن الخطوة الاولى تمت عندما عملت الجاذبية على تجميع الغازات على شكل سحب منتشرة، وعندما بردت الغازات، اندمجت في مركز كل سحابة مكونة كتلة لا تزيد في حجمها عن كوكب الشمس، وفي النهاية، وبعد ملايين عدة من السنين على بدء هذه العملية، شكل الضغط الهائل نجماً كامل النمو وانبعث الضوء. وفي اماكن اخرى بدأت عمليات مماثلة لتشكل النجوم في سحب غازات اخرى يشير اليها آبل باسم «المجرات المصغرة» وهي نسخ مصغرة عن المجرات الحالية وتحتوي نجماً واحداً، وسرعان ما يتخلل الضوء المنبعث من النجوم الضخمة عتمة الظلام. واحترقت هذه النجوم بضوء ساطع ثم فترت بعد بضعة ملايين من السنين وماتت في انفجارات هائلة تدعى سوبرنوفا. غير انه خلال الفترة القصيرة التي سادت فيها هذه النجوم، احدثت تغيرات في الكون كان لها تأثير عميق على التشكل المستقبلي للمجرات. فقد عملت على تسخين الغازات المحيطة بها وقصفتها بالاشعة فوق البنفسجية. وعندما انفجرت فإنها زرعت الكون والجيل التالي من النجوم بالبذور الاولى للعناصر الثقيلة ومن بينها الاوكسجين الذي نتنفسه. كان العرض الذي قدمه آبيل ناجحاً في كوزوميل. واعتبر العلماء عمليات المحاكاة التي قدمها اكثر السيناريوهات المقنعة حتى الآن لكيفية ولادة النجوم، وتعتمد عمليات المحاكاة على نوع من المادة الغامضة التي لا يمكن رؤيتها وباتت تعرف باسم المادة السوداء والتي تفوق في وزنها كافة المواد المرئية في الكون بمعدل تسعة الى واحد على الاقل. ضرار عمير