الخميس 26 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 27 فبراير 2003 تعتبر قبيلة الدنكا من اكبر القبائل السودانية على الاطلاق، وتنقسم الى اكثر من عشرين مجموعة قبلية رئيسية، تتفرع عنها مجموعات فرعية اصغر، تسيطر كل منها على مساحة من الارض تكفي لتوفير الماء والمرعى لقطعان الماشية التي تعتمد حياة الدنكا عليها. وحتى يومنا هذا لايزال نمط حياة الدنكا يتمحور حول ماشيتهم، وتعكس ادوار الاشخاص في هذه المجموعات القبلية ومعتقداتهم وطقوسهم التي يمارسونها هذه الحقيقة، فالماشية تعطي الحليب الذي تصنع منه الزبدة والسمن، ويستخدم بولها في الاغتسال وفي صبغ الشعر ودباغة الجلود، اما الروث فيحرق كوقود، ويستخدم الرماد الناتج عنه لابقاء الماشية نظيفة وخالية من حشرات القراد الماصة للدم، وفي تزيين الدنكا انفسهم (الرسم على الجسم) وكمعجون لتنظيف الاسنان، وفي الوضع الطبيعي فان الدنكا لا يقتلون الماشية من اجل الحصول على لحومها، ولكن اذا نفق رأس من الماشية او تمت التضحية به، فانهم يأكلون لحمه ويملحون الجلد. وتستخدم جلود الماشية كحصر وفي صنع الطبول وكأحزمة وحبال وحتى ان قرونها وعظامها تستخدم في مجموعة من الاغراض الجمالية والعملية. واثناء موسم الامطار، يقيم ابناء قبيلة الدنكا في تجمعات سكنية تتألف من منازل ذات جدران من الطين وسقوف من القش تبنى وسط اشجار النخيل المتفرقة والشجيرات الشوكية، وخلال موسم الجفاف، يقوم الجميع باستثناء كبار السن والمرضى والنساء المرضعات بنقل قطعان الماشية الى معسكرات قرب النهر. ولا يعودوا الى مساكنهم الا بعودة الامطار فسقوط الامطار يجعل المعسكرات المقامة على ضفاف النهر غير صالحة للسكن ويحول المراعي العشبية الى مستنقعات ويعتبر موطن الدنكا مهما جدا بالنسبة لهم، فوجودهم برمته يتركز على انهارهم ومراعيهم وفي الارواح التي يعتقدون انها تسكن اراضي الرعي وفي ماشيتهم. لا توجد هيكلية هرمية للسلطة بالمعنى الحقيقي للكلمة في اوساط الدنكا ومع ذلك، فان كل مجموعة قبلية لها زعيمها، الذي يستمع للنزاعات المحلية ويحاول حلها بصورة عادلة، وتكون هذه المحاكمات «غير رسمية وتعقد في الهواء الطلق وتسمح لجميع الاطراف المتنازعة بأن تطرح وجهة نظرها في النزاع وعلى الملأ، وفي النهاية يقرر زعماء القبيلة وشيوخها، الذين يعاملون باحترام من قبل جميع افراد الدنكا، في النزاع المطروح. وتعتبر هيكليات القرابة مهمة بالنسبة للدنكا، فأفراد العائلة يوفرون شبكة دعم ضرورية. وفي المعسكرات التي تقام على ضفاف الانهار، تقيم كل مجموعة عائلية في مجتمع خاص من اراضي الرعي واكواخ القش والتي تنصب حول موقد طبخ جماعي، اما الماشية التي تخص العائلة فتقيد حول موقعها، وتمتد روابط الدم لدى الدنكا لتشمل افراد القبيلة (المتحدرين من جد واحد) وهناك شعور بأن اقارب الدم سيقدمون الدعم لبعضهم البعض بدون شك، وكلما كانت رابطة الدم اقرب كلما كان الدعم تلقائيا، ويحتاج افراد قبيلة الدنكا الى معرفة جدودهم لان افراد القبيلة الذين يعيشون في المنطقة نفسها يحظر عليهم التزوج من بعضهم البعض وتلعب سلسلة النسب (السلسلة المباشرة) دورا مهما في عملية تعميد الصبية الى محاربين، والزواج لديهم مرتبط بحيازة الماشية حيث تقوم عائلة العريس بتقديم الماشية لعائلة العروس، وهذه هي الطريقة الرئيسية التي تكتسب بها الثروة (الثروة تقاس عادة بعدد رؤوس الماشية) ومن الضروري جدا ان يتزوج كل رجل وينجب ذرية من الذكور لكي يحافظ على امتداد نسبه من الماضي الى الحاضر والى المستقبل واذا لم ينجب رجل ما ولدا، فانه لن يصبح جدا، وبالتالي سيواجه الاندثار بموته، غير ان الدنكا ابتكروا طريقة للتعامل مع مثل هذه الظروف وللحيلولة دون حدوث هذا السيناريو الفظيع، فاذا ما توفي ولد، فان احد اشقائه او اقربائه المقربين يتزوج امرأة باسم المتوفى، وكل الاطفال الذين يولدون سيكونون ابناء له، واذا ما توفي رجل قبل ان تنجب زوجته اطفالا، فان شقيقه او احد اقاربه سيتخذ الارملة زوجة له والاطفال الذين يولدون من هذا الزواج يحملون اسم الرجل المتوفى. ويفرح افراد قبيلة الدنكا بمولد البنت كما يفرحون بمولد الولد، لانها تجلب لعائلتها الثروة عندما تتزوج والماشية التي يحصل عليها والدها من عائلة الزوج تستخدم في تعزيز الاحلاف واعادة تأكيد حقوق والتزامات النسب. هناك طقوس كثيرة عليها قبيلة الدنكا قد يكون من ابرزها الاحتفال بانتقال الشاب من الصبا الى البلوغ، والشخص المعمد يدعى «برابول» اي الشخص الذي توقف عن حلب الماشية، وفي الحقيقة ان التعميد يعني ان الشاب لم يعد يقوم بأعمال الحلب ورعاية الماشية ونقل الروث وتتم عملية التعميد باحداث علامات على شكل خطوط متوازية او الحرف الانجليزي «في» على جبهة الشاب ويمكن ان يتغير نمط العلامات مع مرور الوقت ولكن الشخص المعمد سيظل من السهل التعرف عليه بأنه ينتمي لقبيلة معينة، ويمكن اجراء عملية التعميد هذه في اي عمر بين العاشرة والسادسة عشرة ويعتبر المعمدون محاربون وحماة المعسكر من الحيوانات المفترسة كالأسود والضباع ومن غزوات الاعداء، وبعضهم يبقى مع الماشية طوال العام والجميع يبقون معها في موسم الجفاف، ولكن معظمهم يعود الى القرى للمساعدة في زراعة المحاصيل خلال موسم الامطار. وفي السنوات الاخيرة، لوحظ بعض التراخي في الانماط التقليدية لحياة الدنكا، فعلى سبيل المثال، يرى الكثير من الشبان الآن ضرورة الذهاب الى المدينة لكسب بعض المال لشراء الماشية لكي يتمكنوا من الزواج في وقت مبكر وادى هذا الى احداث خلل في التوزيع التقليدي للثروة بين العائلات، وقاد الى بروز مشاعر الغيرة والعداء وتم ادخال الملابس والادوات العصرية الى مناطق الدنكا ومع ذلك فان الدنكا يبدو انهم يقدرون عاليا انماط حياتهم التقليدية فلايزال الشبان يختارون اجتياز طقوس التعميد ولاتزال الفتيات يفضلن مظهر المحارب الذي يحمل ندوب عملية التعميد. ضرار عمير