الاربعاء 25 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 26 فبراير 2003 لو كان للقدس رئيس بلدية لكان من الممكن ان يكون العامان الاخيران من سنواته العظام رئيس بلدية القدس، مثل رودلف جولياني في نيويورك، كان قادرا على التحول الى شخصية لا تُمحى من صفحات التاريخ: بصفته الشخص الذي يبقى في المدينة في اوقاتها العصيبة، شخصا ملهما وداعيا للشجاعة والاقدام وباعثا للأمل في النفوس، شخصا استطاع تحويل الاوقات العصيبة التي تمر بها المدينة الى أفضل الأزمنة. لو كان في القدس رئيس للبلدية لكان بامكانه خلال العامين الاخيرين ان يبرهن انه قائد رفيع المستوى دوليا، ولكان بامكانه ان يحول انقاذ القدس الى مشروع اسرائيلي، ولكان بامكانه ان يرد على الهجوم على القدس من خلال عملية بناء حضرية مدنية جذرية، ولكان بامكانه ان يخرج في حملة جماهيرية كبرى لتجديد وجه المدينة الذي يذوي ودحر المجريات الوبائية المتفشية فيها الى نحور أصحابها. ولو كان للقدس رئيس بلدية خلال السنوات التسع والنصف الاخيرة لكان بامكانه ان يصنع العجائب فيها، كان بامكان هذا الرئيس مثلا ان يمنح المدينة حياة علمانية جديدة، وكان بامكانه ان يضعها مرة اخرى في بؤرة التجربة الحياتية الاسرائيلية، وكان بامكانه ان يعيد صياغتها كبؤرة حضارية ومركز للابداع الاقتصادي والفني والاكاديمي، وكان بامكانه ان يحول الغيتوات المنغلقة على نفسها في المدينة الى فسيفساء شعبية خصبة ومعطاءة ذات تعددية تعايشية متميزة. ولكن ليس للقدس رئيس بلدية، فالمدينة منذ تسع سنوات ونصف من دون رئيس بلدية، ومع ذلك يوجد لديها اهود اولمرت: الناشط السياسي المخضرم الذي يسعى لمصلحة حزبه، سياسي لاذع لا حدود لجبروته وقسوته وغطرسته المتعالية، مسافر دائم في مدن العالم، يدخن السيجار بافتخار وعزة، قلبه قاس تجاه يأس وفقر وألم مواطنيه. اولمرت انسان موهوب، ذكي، حاذق وفصيح اللسان، ولكن لهذا السبب تحديدا أصبح من الواضح تماما انه لم يفشل في منصبه كرئيس بلدية للقدس، ولكن يمكن القول انه خان هذا المنصب، والكارثة الأفدح التي ألحقها بالمدينة ليست عدم نجاح، وانما جريمة جماهيرية، ذلك لان اولمرت كان قادرا على التعامل مع المسألة بطريقة اخرى، الا انه لم يكلف نفسه عناء القيام بذلك، اولمرت استخف بالمهمة وخلال السنوات التسع والنصف الماضية استغل القدس وأهملها واخيرا قام بالفرار.اعضاء مركز الليكود اخطأوا جدا في الثامن من ديسمبر 2002، وخلال ذلك أرسلوا عنبال غبريئيلي ونعومي بلومنتال وروني بار - اون للكنيست الامر الذي لا يغتفر لهم ولكن قرارهم بوضع اولمرت في أسفل قائمة المرشحين للكنيست كان في المقابل قرارا ديمقراطيا مثيرا للاعجاب، هذا الموقف عبر عن المقت الجماهيري المبرر لأمير ميكافيلي قاسي القلب القرار كان ثورة حقيقية من الجمهور ضد انسان توقف عن لعب دور الحامل لرسالة الناخبين، وقد برهن الموقف ايضا عن ان اعضاء الليكود قد ملوا نزعة اولمرت الادارية المدمرة مثلما فعل اعضاء حزب العمل مع ادارية حاييم رامون المدمرة. أرييل شارون يميل لتجاهل قرار مركز الليكود فرئيس الوزراء بحاجة لشخص توأم لبيبي ولكن من بطانته لمساعدته في شل قدرات الشخص الذي يبغضه ـ بيبي نتانياهو، هذه الحاجة تدفع شارون لدراسة امكانية تعيين اولمرت في منصب بارز في الحكومة المقبلة، ولكن هناك في اسرائيل اخلاقيات جماهيرية معينة وهي ترفض امكانية ترشيح شخص، استطاع ايصال القدس الى حافة الافلاس، لمنصب وزير المالية. واذا كان في اسرائيل نزاهة اخلاقية عامة ما فعليها ان ترفض امكانية اعتبار من أهمل مدينة القدس باستخفاف لاذع مرشحا جديرا لتولي منصب وزارة الخارجية، واذا كان شارون بحاجة لاولمرت كشبكة أمنية واقية له ضد نتنياهو فبامكانه ان يعينه سفيرا متنقلا له فالرحلات الكثيرة التي قام بها اولمرت أكسبته خبرة في ان يكون سفيرا متنقلا ممتازا. الا ان إبعاد اولمرت عن طاولة الحكومة ليس كافيا فبعد ان فعل ما فعله في القدس خلال عقد من الزمان يتوجب على الليكود ان يقوم باعادة بناء ما دمره والشخص الوحيد القادر على ذلك هو دان مريدور، مريدور متردد وحائر: فهو لا يكتفي بأن تقدم له رئاسة البلدية على طبق من فضة ويريدها على طبق من ذهب، وعلى شارون ان يستجيب لمطلب مريدور وان يشكل له قائمة فوق حزبية نوعية قادرة على إحداث انقلاب في المدينة، وعليه ان يمنحه المرافق المالية والدعم السياسي الذي يخرج ثورته المزمعة الى حيز التنفيذ وعليه ان يوضح لأمير رحافيا انه ضروري في مقر البلدية أكثر من ضرورته في مقر الحكومة. في كل البلاد يسود وضع صعب اليوم، ولكن الوضع في القدس دراماتيكي فبعد تسع سنوات ونصف من كارثة اولمرت يعتبر أمل مريدور الأمل الاخير أمام المدينة الأمل الاخير تماما فلا شارون ولا مريدور نفسه مخولان بتجاهل ذلك، في عام 2003 سيقوم هذان الشخصان بتحديد مصير المدينة فمستقبل القدس يتعلق بهما. بقلم: آري شبيط _ عن «هآرتس»