الاربعاء 25 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 26 فبراير 2003 عشية المظاهرات العالمية التي انطلقت مؤخرا، احتجاجا على الهجوم الوشيك بقيادة الولايات المتحدة ضد العراق، قامت صحيفة «فاينانشيال تايمز» اللندنية بمحاولة يائسة الى حد ما للتأكيد على ان النفط ليس من بين المحفزات الرئيسية وراء حملة الحرب الاميركية. وفي تعليق نشر مؤخرا ادعى جون تاتوم من قسم الاقتصاد في جامعة ديبول في شيكاغو ان فكرة ان تصميم واشنطن على الاطاحة بالرئيس العراقي نابعة من رغبتها في كسب نفط العراق هي «واحدة من تلك الانقسامات الايديولوجية الكبيرة التي لا تنفع معها على ما يبدو اي مناظرات موضوعية» لقد كانت مجادلة تاتوم مبنية على المزاعم المتكررة كثيرا بأن الولايات المتحدة ليست بحاجة للسيطرة على منابع النفط العراقي لان شراء النفط من السوق المفتوحة سيكون ارخص لها. بعد ذلك نشرت الصحيفة تعليقا لكاتب الاعمدة المنتظم توني جاكسون فيما كان اكثر من مليون متظاهر يتجمعون في لندن. كتب جاكسون يقول: بين المتظاهرين ضد الحرب اليوم، سيكون هناك اعتقاد مشترك على نطاق واسع، وهو ان ازمة العراق «حقا» مرتبطة بالنفط ومن بعض النواحي هذا الامر لا يبدو مفاجئا، فعندما يجد المرء ان الاسباب الرسمية للحرب غير مقنعة يتجه في تفكيره للبحث عن الاجندة الخفية، وانا شخصيا لا استطيع تقديم سبب حقيقي للحرب لكنني اجد فرضية النفط مثيرة للقلق لانها تضرب مثلا على جملة من المواقف التي يمكن ان يكون لها عواقب خطيرة على نطاق عريض في العالم. وبحسب جاكسون ينبغي نبذ فرضية النفط المضللة لان المسئولين التنفيذيين في صناعة النفط الذين تحدث معهم كانوا قلقين جدا من احتمال نشوب الحرب كما ان التراجع العام في سوق البورصة يشير الى ان تلك المخاوف مشتركة على نطاق واسع في عالم المال والاعمال. لكن السبب الحقيقي وراء خطورة «فرضية النفط» برأيه ليس له علاقة بمدى صدق الفرضية بل بالتبعات التي قد تنجم عنها وهو يشدد في عموده على ان نظريات المغامرة التي تخص الشركات العملاقة التي تدير العالم تترك «عواقب ملموسة على ارض الواقع» وفي حال مضت الحرب في اتجاه «خاطيء» وانتشار الاعتقاد بأن شركات النفط كانت وراء الحرب فقد تكون هناك ردة فعل عسكرية رهيبة ضد الشركات الكبرى. هذه التعليقات تشير الى الدوافع وراء المعلقين الاعلاميين الاخرين الذين يحاولون رفض الصلة بين النفط والحرب على العراق انهم يخشون نمو نزعة تطرف بين اطياف عريضة من الناس نتيجة تعرية الاقتصاد السياسي الحقيقي للنظام الرأسمالي العالمي والذي يتناقض تماما مع صورة «السوق الحرة» المقدمة على وسائل الاعلام. ومثل الكثيرين من قبله يسعى جاكسون لنبذ اي تحليل اقتصادي للحملة على العراق اما بالزعم ان الاحداث الحالية تدحضه ـ تصريحات زعماء المال، والاعمال او التأرجحات في السوق ـ او باختزاله الى رسم كاريكاتيري، ويبدو واضحا ان هناك شخصيات متنفذة في عالم المال والاعمال تحرك خيوط اللعبة الاعلامية من وراء الكواليس. ان اهمية النفط في الهجوم على العراق تتجاوز مجرد موضوع العلاقة الحميمية التي تربط صناعة النفط الاميركية بالرئيس بوش وتشيني واعضاء آخرين في الادارة، وان كانت هذه العلاقة على درجة كبيرة من الاهمية فالقضية اعمق من ذلك بكثير اذ انها مرتبطة باستقرار الرأسمالية الاميركية بحد ذاتها ونضالها المتواصل للاحتفاظ بالسيطرة على اقتصاد العالم. اعتماد الاقتصاد الاميركي طويل الامد والمتزايد على امدادات النفط المستوردة موثق بشكل جيد فقد ذكر تقرير صدر عن المؤسسة الوطنية لتنمية سياسات الطاقة يتولى رئاستها ديك تشيني ان الانتاج الاميركي من النفط سينخفض بنسبة 12 بالمئة على مدى العقدين المقبلين في ضوء التوقعات بارتفاع الاستهلاك الاميركي للنفط بنسبة 33 بالمئة خلال الفترة ذاتها فان هذا يعني ان الاعتماد الاميركي على النفط المستورد الذي ارتفع من الثلث في عام 1985 الى اكثر من النصف اليوم، سوف يرتفع الى الثلثين. وبحسب تقرير تشيني فان منتجي النفط في الخليج وحدهم سوف يوردون نسبة تصل الى ثلثي صادرات النفط العالمي بحلول عام 2020. وهذا يعني ان السيطرة على المنطقة ستصبح اكثر اهمية في المستقبل مما كانت عليه في الماضي. وفي مناسبات عديدة اشير الى اهمية العراق في ظل هذه الظروف فهذا البلد يملك ثاني اكبر احتياطي نفط في العالم 115 مليار برميل وهو رقم قد يرتفع الى ما بين 220 و250 مليار برميل عند استكشاف الاحتياطيات الكامنة بالكامل. ان السيطرة على منابع النفط الشرق اوسطي كانت دائما همّا استراتيجيا للولايات المتحدة ففي خطابه الشهير عام 1947 عندما استهل الحرب الباردة، اشار الرئيس الاميركي ترومان الى الشرق الاوسط «بمواردة الطبيعية العظيمة» على انه جزء من الاعتبارات المحفزة للنضال ضد «الشيوعية». في 1974 ـ 1975، وسط الارتفاع المفاجيء في اسعار نفط اوبك والتهديد بتمديد الحظر على النفط ناقشت الادارة الاميركية القيام بعمل عسكري ضد الدول المنتجة للنفط. وبسقوط شاه ايران عام 1979 والذي تم تكريس عرشه في انقلاب دعمته الاستخبارات الاميركية ضد حكومة الدكتور محمد مصدق عام 1953، تنامت مخاوف الولايات المتحدة بشأن التهديدات التي تواجه مصالحها في المنطقة ولذلك حذر الرئيس كارتر في خطاب حالة الاتحاد عام 1980 من ان «اي محاولة من جانب قوة خارجية للسيطرة على منطقة الخليج سوف تعتبر اعتداء على المصالح الحيوية للولايات المتحدة، وانه سيتم الرد على مثل هذا الاعتداء بكافة الطرق الضرورية بما في ذلك القوة العسكرية اذا لزم الامر، هذه السياسة الجديدة، التي عرفت فيما بعد باسم «مذهب كارتر»، اصبحت ضرورة ملحة، كما يقول كارتر، بسبب «الاعتماد الكبير للامم الغربية على واردات النفط الحيوية في الشرق الاوسط». وفي معرض شهادته امام لجنة خدمات القوات المسلحة المنبثقة عن مجلس الشيوخ في عام 1995، عقب الغزو العراقي للكويت، استعرض وزير الدفاع في حينها (نائب الرئيس الحالي) ديك تشيني القضايا ذات الصلة بالحرب التي ستقودها الولايات المتحدة، وقال: «ان العراق كان يسيطر على 10 بالمئة من احتياطي النفط العالمي قبل غزو الكويت، وبالسيطرة على الكويت، اصبح الرئيس العراقي يسيطر على 20 بالمئة من احتياطيات العالم المعروفة.. ومن الواضح ان هذا يجعله في موقع يؤهله للتحكم بمستقبل سياسة الطاقة العالمية، مما يمنحه قوة خانقة على اقتصادنا واقتصادات معظم بلدان العالم ايضا». وخلال ايام من الاحتلال العراقي للكويت صدر تصريح اكثر فظاظة عن مسئول اميركي رفيع المستوى يعتقد انه وزير الخارجية انذاك جيمس بيكر، في تعليق لصحيفة «نيويورك تايمز» حيث قال: «نحن نتحدث عن النفط اتفهم ذلك؟ النفط، المصالح الاميركية الحيوية». وفي الفترة بعد حرب الخليج، اصبحت هذه المصالح اكثر ـ وليس اقل ـ اهمية، كما تظهر ارقام اعتماد الاقتصاد الاميركي على واردات النفط كما ان مسألة اي الشركات الكبرى تسيطر على تدفق النفط هي مسألة ذات اهمية حيوية من منظور اقتصادي وسياسي على حد سواء. كما يشير الاكاديمي الاميركي مايكل كلير (مؤلف كتاب «حروب الموارد الطبيعية») في مقالة نشرت مؤخرا فان احد الاهداف الرئيسية للادارة الاميركية الحالية ينبع من التحليل الذي قدمه تشيني عام 1990. «ان اي كيان يسيطر على نفط الخليج سوف يمتلك قبضة خانقة ليس على اقتصادنا وحسب بل على اقتصادات معظم امم العالم». هذه صورة قوية، وتقدم توصيفا دقيقا لنهج تفكير الادارة الاميركية في منطقة الخليج، باستثناء انها صورة معكوسة: بالسيطرة على منطقة الخليج، ستحظى الولايات المتحدة بقبضة خانقة على اقتصادات الامم الاخرى. وقد اتضحت درجة اهمية المحافظة على هذه السيطرة بصورة جلية في الصراخات التي برزت مؤخرا بين الولايات المتحدة و«اوروبا بالقديمة» وبالاخص فرنسا والمانيا في الفترة الاخيرة. وكما يؤكد كلير فان السيطرة على نفط الخليج تنسجم ايضا مع «هدف الادارة الاميركية المعلن لاعلان تفوق عسكري دائم على جميع الامم الاخرى» ومع الحاجة «لمنع اي منافس في بلوغ موقع ينافس فيه مكانه الولايات المتحدة» كما جاء في تصريحات الادارة حول سياسة الامن القومي. اضافة الى المصالح الجيوسياسية التي كان لها اثرها في زمن حرب الخليج الاولى والتي ازدادت اهميتها ولم تتناقض في الفترة المتخللة فان هناك سببا قويا جديدا يجعل الولايات المتحدة بحاجة لضمان امتلاك قبضة «خانقة» على منابع نفط الخليج. يحاول العديد من المعلقين الاعلاميين انكار الصلة بين النفط وحملة الحرب الاميركية وهم يصرون على انه في نهاية المطاف لا يهم من يسيطر على هذه المنابع، النفط على اي حال سيباع في السوق العالمية حيث سيكون متاحا للولايات المتحدة ولمستورين آخرين ايضا. وحتى بضمان عمل سوق النفط بالطريقة المشار اليها (بتجاهل مسألة المقاطعة وقيود الانتاج لرفع الاسعار واجراءات اخرى من هذا القبيل) تبقى هناك قضية اخرى ينبغي معالجتها ـ بأي عملة ستدفع قيمة عقود النفط؟ وهذا سؤال يكتسب اهمية شديدة للاستقرار الاقتصادي والمالي بعيد المدى للولايات المتحدة. عندما اندلعت حرب الخليج عام 1990، كانت المكانة المالية للولايات المتحدة قد شهدت تحولا تاريخيا قبل فترة قصيرة. فالولايات المتحدة كانت قد اصبحت أمة مدينة لأول مرة منذ ان صارت قوة رأسمالية متفوقة في عام 1914. وفي الـ 15 سنة منذ ذلك التحول اصبحت أميركا البلد الأكثر مديونية في التاريخ. وبحسب أحدث التقديرات، يبلغ مجموع ديون الولايات المتحدة لبقية العالم أكثر من 7,2 تريليون دولار، اي ما يعادل أكثر من ربع اجمالي الناتج المحلي. ولتمويل هذه الديون تحتاج الولايات المتحدة سيلاً مالياً يغدق عليها ملياري دولار كل يوم من بقية العالم. ومن الاسباب الرئيسية التي تجعل الولايات المتحدة قادرة على اجتذاب هذا الدفق الهائل من المال «يصل الى حوالي ثلثي الفوائض الدولية التي يولدها الاقتصاد العالمي» هو الدور الذي يلعبه الدولار بوصفه الاحتياطي الدولي المركزي. واشارت تقديرات سابقة الى انه بحلول أواخر التسعينيات كانت أكثر من اربعة اخماس التعاملات التجارية بالقطع الاجنبية ونصف الصادرات العالمية مخصصة بالدولار، وكان الدولارات تشكل حوالي ثلثي جميع الاحتياطيات النقدية الرسمية. لكن ترسيخ اليورو من قبل الاتحاد الاوروبي يعني بزوغ منافس محتمل على الساحة الاقتصادية الدولية. في بادئ الامر، كان الارتفاع المتواصل للدولار كفيلا بابعاد الانظار عن اليورو والذي لم يعد عرضا مغريا في ذلك الحين. لكن الوضع تغير مع انهيار فقاعة سوق الاسهم الاميركية. ومنذ نهاية عام 2000، انخفض الدولار فأكثر من 15 بالمئة أمام اليورو. هذا الوضع بدأ يدفع منتجي اوبك للتفكير في امكانية التحول للتعامل باليورو بدل الدولار في وقت ما في المستقبل، اذا كان ذلك يستحق الجهد والوقت اللازمين لعملية التحول.. وفي خطابه بشهر ابريل العام الماضي، اشار جافاد بارجانسي، رئيس ادارة تحليل سوق البترول في اوبك الى انه في حين ستستمر معظم بلدان اوبك على المدى القصير في طلب دفعاتها بالدولار، فان المنطقة «لن تسقط في اعتبارها كليا امكانية تبني التسعير والدفع باليورو في المستقبل». ان من شأن تحول الأوبك الى اليورو ان يضع الولايات المتحدة خلال فترة وجيزة امام «سيناريو اقتصادي كابوسي». فمستوردو النفط الكبار سيحتاجون الى تحويل بعض اعتماداتهم المالية من احتياطيات الدولار الاميركي ـ اسهم، كفالات وأصول اخرى ـ الى احتياطيات باليورو. وسوف يؤدي هذا الى انخفاض حاد في قيمة الدولار، مما قد يدفع الكثير من المستثمرين القلقين حول قيمة أصولهم بالدولار الى سحب المزيد من الاعتمادات المالية. وفجأة فان الديون الأميركية التي ليس لها في الوقت الراهن دور يذكر في الحسابات المالية الروتينية، ستصبح عاملا ذا أهمية معتبرة. وبعبارة اخرى، فان حدوث تحول في الاساس المالي لسوق صادرات النفط، ستكون له تبعات كبيرة على المكانة العالمية المالية للولايات المتحدة، بصرف النظر عن سعر النفط، وظروف توفره. لكن لو تمكنت الولايات المتحدة من السيطرة على مخزون العراق في النفط، اما شكل مباشر او من خلال رئيس معين بمثابة دمية متحركة في يديها، ستكون في موقع افضل بكثير لاعاقة قيام بلدان اوبك بأي تحول من الدولار الى اليورو. وهكذا فان التأمل في القضايا الاستراتيجية بعيدة الامد يرسم صورة واضحة للاسباب التي تدفع واشنطن لاستخدام الوسائل العسكرية في سياق محاولتها للتغلب على المشكلات الاقتصادية الكبيرة التي تواجه الرأسمالية الأميركية. ان تحول الولايات المتحدة في أكبر بلد دائن الى أكبر بلد مدين في العالم في غضون اقل من عقدين، يذكرنا بالاشارة المتبصرة التي اطلقها ليون تروتسكي في اواخر العشرينيات الا ان حدوث ازمة اقتصادية لن يضعف سيطرة الولايات المتحدة على الدول الاخرى. وأكد تروتسكي على ان «العكس هو الصحيح» ففي فترة الازمة، سيصبح تأثير السيطرة الأميركية أكثر بروزا وصراحة وقسوة مما هي عليه الحال في وقت الرخاء. وسوف تسعى الولايات المتحدة للتخلص من مصاعبها وأوجاعها على حساب أوروبا بغض النظر عما اذا كان ذلك سيحدث في آسيا، كندا، أميركا الجنوبية، استراليا، أو أوروبا نفسها، أو ما اذا كان ذلك سيحدث سلميا أو عبر الحرب. ترجمة: علي محمد _ عن «ورلد سوشاليست».