الاربعاء 25 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 26 فبراير 2003 عندما يعود بنا المؤلف الى حرب يونيو 1967، متراجعا في الزمن وكأنما على طريقة الـ «فلاش باك»، فانه يؤكد في كتابه ان سفينة التجسس الاميركية «ليبرتي»، كانت واشنطن قد ارسلتها الى شرق البحر المتوسط لمراقبة تطورات المعركة بين الاسرائيليين والعرب، وقد هاجمتها الطائرات الاسرائيلية عمداً، فأغرقتها، وقتلت 34 جنديا اميركيا على متنها، واصابت نحو 171 آخرين. وقد أثار ذلك الهجوم جدلاً كبيراً حول ما اذا كان متعمدا من جانب الاسرائيليين لمنع السفينة من تتبع تطورات الاحداث، خاصة وان اسرائيل كانت تحشد قواتها في الجليل للاستيلاء على مرتفعات الجولان السورية، وقد زعم الصهاينة ان قصف الطائرات الاسرائيلية لتلك السفينة كان «خطأ في التعرف على هويتها». ويقول المؤرخ بريغمان ان مفتاح الاجابة الصحيحة عن التساؤلات التي دارت حول هذا الموضوع موجود في التسجيلات التي تضمنت الأحاديث التي تبادلت باللاسلكي بين قادة الطائرات الاسرائيلية، المهاجمة للسفينة، وبرج المراقبة في تل أبيب، والتي استطاع المؤلف الحصول عليها ونشر في كتابه لاول مرة مقتطفات منها. وكما توضح هذه الاشرطة، فان القصة تبدأ في الساعة الواحدة والدقيقة الخمسين من بعد الظهر، حيث يقوم الكولونيل شمويل كيسليف، رئيس المراقبة الجوية في تل ابيب، بالتحدث لاسلكيا الى قائد السرب المسمى «كورسا» والمكون من طائرتي ميراج مزودتين بمدافع عيار 30 ملليمتر وعدد قليل من الصواريخ جو ـ جو. حكاية «ليبرتي» يقول الكولونيل في مكالمته: «لديكم سفينة (يشير الى ليبرتي) في الموقع «رقم 26» ويواصل الكولونيل تعليماته: «والآن توجهوا بالسرب (كورسا) الى هناك واذا كانت سفينة حربية فهاجموها» وبينما كان السرب في طريقه الى موقع السفينة ليبرتي في الساعة، الواحدة والدقيقة الثالثة والخمسين نسمع على الشريط بوضوح شديد سؤالا يقول: «ما هذا؟ اميركية؟» وتلا ذلك السؤال على الشريط كلام يقول المؤلف انه غير عادي ويثير الشكوك، ويبدو وكأنه يشير الى احتمال وجود محاولة للتعمية على الامر، اذ يلتقط الكولونيل هاتفا داخليا ويسأل عن رئيسه ـ قائد السلاح الجوي؟ نائب قائد السلاح الجوي؟» ـ «ماذا تقول؟ (يرى المؤلف بين قوسين ان هذا السؤال كان بشأن السؤال المطروح حول هوية السفينة) ـ ويتلقى الكولونيل الاجابة: «انا لم اقل شيئا» ـ «لا اريد ان اعرف». وفي الساعة الواحدة والدقيقة السادسة والخمسين يطلب قائد السرب اذنا بالهجوم على السفينة، ويقول المؤلف: ما دام انه يوجد شك في ان تكون السفينة اميركية، فقد كان المتوقع من قائد عسكري مسئول ان يأمر طياريه بالتحقق من هوية السفينة قبل قصفها .. ان يلقوا نظرة عليها مثلا .. ان يروا نوع العلم الذي ترفعه، ولكن ذلك لم يحدث، ورد الكولونيل كيسليف على طلب الاذن بقوله في صوت من فقد صبره: «قلت لكم من قبل اذا كانت سفينة حربية فهاجموها». وما حدث بعد ذلك هو الهجمة الاولى في الساعة الواحدة والدقيقة التاسعة والخمسين ويتصل قائد السرب ببرج المراقبة الجوية قائلا «لقد ضربناها بقسوة .. الدخان الاسود يتصاعد منها، الوقود يتسرب منها الى مياه البحر .. عظيم .. هائل .. انها تحترق». وبعد دقيقتين في الساعة 01,14 بعد الظهر يقول القائد مرة اخرى: «أوكي ... لقد انتهيت .. لقد افرغت لتوي ذخيرتي .. السفينة تشتعل .. وهناك نيران مفتوحة عليها .. سحابة دخان أسود هائلة». وفي الساعة 03,14 يأمر الكولونيل كيسليف سربا آخر لمواصلة الهجوم، وهو يسمى «السرب الملكي» ويتكون من طائرتين طراز سوبر ميستير مسلحتين بمدافع عيار 30 ملليمترا وقذيفتي نابالم. وقال الكولونيل للطيارين: «يمكنكم ان تغرقوها» ويقول مؤلف الكتاب: كان من المكن بعد ذلك الاستماع بوضوح الى التسجيل الخاص بتعليمات قائد السرب لزملائه اذ يقول لهم: «فلنهاجم ارتفعوا .. معا سننقض على مقدمتها .. احذروا السارية .. لا تصطدموا بها . سأهاجمها من يسارها، وانتم من يمينها بعدي». في الساعة الثانية والدقيقة الرابعة عشرة امكن سماع احد الطيارين على الشريط وهو يسأل: «اي دولة؟» فيرد كيسليف قائلا: «ربما اميركا»، الطيار قائلا: «ماذا؟» وعلى الرغم من ذلك، ومع التأكد من ان هوية السفينة على انها اميركية، انطلقت في الساعة الثانية والدقيقة السادسة والعشرين اي بعد 12 دقيقة، ثلاثة قوارب طوربيد اسرائيلية، وعندما وصلت الى الموقع في الساعة الثانية والدقيقة الحادية والثلاثين هاجمت السفينة بخمسة طوربيدات قضت على السفينة «ليبرتي». وهكذا يؤكد المؤرخ اليهودي انه كانت هناك محاولة من جانب اسرائيل للتغطية على حقيقة معرفتها ان سفينة التجسس «ليبرتي» اميركية الهوية ويستند في ذلك الى الاشرطة التي سجلت عليها الاتصالات بين الطيارين الذين قاموا بقصف السفينة وبين قيادة المراقبة الجوية في تل أبيب. حرب الاستنزاف وتنال حرب الاستنزاف اهتمام المؤرخ أهرون بريغمان، الذي يقول ان القوات الاسرائيلية التي انتشرت على الضفة الشرقية لقناة السويس وجدت ان جمال عبد الناصر نقل الحرب اليها اذ كانت لا تزال لديه اسلحة تكفي لذلك، وقد بلغت حرب الاستنزاف ذروتها في 21 اكتوبر 1967 عندما قام المصريون باغراق المدمرة الاسرائيلية «إيلات» في المياه الدولية مقابل مدينة بورسعيد ببحارتها وعددهم 47 بحارا، وفي العام التالي من 8 سبتمبر الى 26 اكتوبر ازدادت كثافة العمليات العسكرية وتطورت الى تبادل هائل للقصف المدفعي. ويرى المؤلف ان حرب الاستنزاف كان لها تأثير كبير على المجتمع الاسرائيلي، ولذلك فقد اصر عبد الناصر على الاستمرار في الحرب وضرب الاسرائيليين على أمل كسر شوكتهم جسديا ومعنويا وسوف يضطرهم في النهاية الى الانسحاب من منطقة قناة السويس. واستمرت الحرب وتصاعدت بين 8 و 10 مارس وادت الى تزايد الخسائر الاسرائيلية، مما ادى الى تزايد القلق داخل اسرائيل، ولجأ الاسرائيليون الى تبني استراتيجية استخدام سلاحهم الجوي في التسلل الى العمق المصري مما ادى الى وقوع ضحايا من المدنيين الابرياء يذكر المؤلف منهم مقتل سبعين مدنيا من عمال احد المصانع في يوم 13 فبراير 1970، ومصرع ثلاثين طفلا من اطفال مدرسة بحر البقر في 19 ابريل 1970. ويذكر المؤلف ان الصهاينة، قاموا بشن غارات جوية في 3300 طلعة جوية والقوا خلالها 80000 طن من القنابل على قناة السويس وفي العمق المصري، ورغم ذلك شعر الاسرائيليون بالفزع بعد ان سافر عبد الناصر الى موسكو وطلب اسلحة متقدمة وتسلمها بما في ذلك صواريخ سام ـ 3 المضادة للطائرات، والطائرات الحربية من طراز ميج ـ 21. ولم يكتف السوفييت بذلك، بل وافقوا على تشغيل بعض الاسلحة بأنفسهم واضطرت اسرائيل الى تهدئة الموقف. ويتناول المؤلف نتيجة مهمة من نتائج حرب الاستنزاف التي شنتها مصر، فيقول انه نتيجة لتزايد ضحايا القوات الاسرائيلية واستمرار الحرب قامت في اسرائيل حركة احتجاج قوية ضد الحكومة الاسرائيلية ونشأت مدرسة جديدة من الشعراء والكتاب الذين رأوا في الحرب الرعب والمعاناة، وألفوا اعمالا عديدة تسخر من سياسة الحرب الاسرائيلية. ويرى المؤرخ بريغمان ان ادبيات تلك الفترة كانت تعبيرا عن تعب الاسرائيليين من الحروب وخسائرها، ومؤشرا اجتماعيا جديدا في شعب كان حتى حرب يونيو 1967 يمضي في هذا السبيل من دون اي تفكير، وتحت الضغوط المتزايدة داخليا وخارجيا، ابدت الحكومة الاسرائيلية مرونة اكبر بالنسبة للمبادرة الاميركية في 19 يونيو 1970 التي عرفت باسم خطة روجرز الثانية، وكانت تقترح وقف اطلاق النار تسعين يوما على طول قناة السويس، وتجميداً عسكريا للموقف على ضفتي القناة واستئناف مهمة يارينج للسلام، وقرب نهاية يوليو وافقت مصر على الخطة، وفي 31 يوليو وافقت اسرائيل ايضا ونتيجة لذلك بدأ تنفيذ وقف اطلاق النار لمدة ثلاثة اشهر اعتباراً من يوم 7 اغسطس 1970، واستؤنفت المحادثات غير المباشرة بين مصر واسرائيل. ويقول بريغمان ان ذلك كلف اسرائيل ثمنا سياسيا لان قبول مبادرة روجرز الثانية تضمنت قبولا صريحا لقرار مجلس الأمن رقم 242 الذي كان قد عارضه حزب شاحال برئاسة بيغن والذي كان جزءا من الحكومة الائتلافية، فقدم بيغن استقالته منها، ويشير المؤلف الى ان مصر خرقت اتفاق وقف اطلاق النار، الذي كان يقضي بتجميد الموقف العسكري، اذ انتهز المصريون الفرصة منذ اول يوم في وقف اطلاق النار وحركوا 28 من قواعد صواريخ سام ـ 2، و 14 قاعدة صواريخ سام ـ 3 نحو القناة. ومن المعروف ان الزعيم الراحل جمال عبد الناصر اوضح فيما بعد ان السبب الرئيسي لقبوله مبادرة وزير الخارجية الاميركي وليام روجرز هو الحرص على تحريك حائط الصواريخ التي ساهمت بعد ذلك في اسقاط اعداد كبيرة من الطائرات الاسرائيلية المعتدية. غولدا والسادات وتحت عنوان «غولدا وأنور السادات» يقول المؤلف: في الشهر الذي توفي فيه عبدالناصر، وحل محله نائبه انور السادات، بدأ عهد جديد، في العلاقات بين اسرائيل ومصر، اذ بينما لم يبد عبد الناصر حماسا لاجراء محادثات مع اسرائيل، اظهر السادات نفسه منذ البداية بمظهر من يريد التفاوض لاستعادة الاراضي التي فقدتها مصر، ويرى المؤلف ان السادات قبل على الفور الاقتراحات التي قدمها اليه الدكتور يارينج وسيط الأمم المتحدة لمناقشة مسألة السلام مع اسرائيل، وبعد موافقة غولدا مائير استؤنفت محادثات غير مباشرة في بداية يناير 1971 اعلن السادات في البرلمان المصري انه «اذا سحبت اسرائيل قواتها من سيناء الى ممري ستيلا والجدي، سأقوم باعادة فتح قناة السويس، وعبور قواتي الى الضفة الشرقية .. واعلان وقف رسمي لاطلاق النار لمدة ستة اشهر لا ثلاثة فقط، واعادة العلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة، وتوقيع اتفاقية سلام مع اسرائيل من خلال جهود الدكتور يارينج ممثل السكرتير العام للأمم المتحدة». وبعد ان استعرض المؤلف كل الجهود السلمية التي بذلت آنذاك بما فيها خطة السلام التي وضعها يارينج، كانت غولدا مائير ترفض باصرار كل المبادرات والخطط، معلنة ان اسرائيل لن تتنازل عن بوصة واحدة من الارض التي تحتلها الا بعد اعتراف كامل بها من الدول العربية. ويقول المؤلف ان السادات ـ رغم ذلك ـ ظل يحاول فتح حوار مع الاسرائيليين في محاولة منه لاقناع الولايات المتحدة بأنه جاد، وبأن مفتاح هذا الحوار في يد واشنطن لا في يد موسكو، ولهذا فقد اقدم على خطوة غير متوقعة في 18 يوليو 1972 بطرده نحو 15 ألف خبير سوفييتي من مصر، ولكن حتى هذه الخطوة لم تحمل واشنطن على الضغط على اسرائيل لقبول الانسحاب، وكانت اسرائيل في ذلك الوقت تمثل الرصيد الاستراتيجي لواشنطن في الشرق الاوسط، ولذلك لم يكن في نية اميركا تحدي اصرار غولدا مائير على عدم الانسحاب. الوثيقة الوردية ينتقل مؤلف الكتاب الى مرحلة اخرى تبدأ يوم 20 يونيو 1977 عندما قام مناحيم بيغن بتشكيل حكومة اسرائيلية جديدة، ويقول المؤلف: ان الارهابي السابق اصبح على قمة السياسة الاسرائيلية ـ ثم يأخذ بريغمان في تناول ما اسماه «الخطوات الاولى نحو السلام» متحدثا عن قيام بيغن يوم 25 اغسطس 1977 بالسفر الى بوخارست والاجتماع مع الرئيس الروماني نيكولاي تشاوشيسكو الزعيم الشيوعي الوحيد الذي احتفظ بعلاقات دبلوماسية مع اسرائيل بعد حرب 1967، وفي مقابلة مع بيغن بعد ذلك كشف عن جانب من الحديث الذي دار بينهما اذ تحدث تشاوشيسكو عن الحاجة الى التوصل الى سلام، فطلب منه بيغن ان يحث الرئيس السادات على زيارة اسرائيل بحكم ما بينهما من صداقة شخصية. وقال له رئيس الوزراء الاسرائيلي: «لعلك تستطيع ان تقول له انني انوي مقابلته». ويقول المؤرخ بريغمان ان بيغن بعث ايضا باشارات للسادات عبر الاميركيين الذين قدم اليهم ما يسمى «الوثيقة الوردية» التي تضمنت 46 نقطة توضح بالتفصيل اقتراحات اسرائيل من اجل السلام مع مصر. وقام الاميركيون بتسليم الوثيقة الى السادات في 10 سبتمبر 1977، وتبعتها رسالة شخصية بخط اليد من الرئيس الاميركي جيمي كارتر الى الرئيس المصري، يحثه فيها على اختبار صدق نوايا بيغن السلمية بأن يقوم بخطوة من رجل دولة شجاع للمساعدة على ازالة العقبات من طريق مؤتمر جنيف. التهامي وديان يقول مؤلف الكتاب ان اقوى اشارة من بيغن للسادات ليؤكد فيها رغبته في السلام مع مصر، تمثلت في موافقته على اجتماع وزير خارجيته موشي ديان مع حسن التهامي نائب رئيس الوزراء المصري في الرباط بالمغرب، ولم يعلم بذلك الاجتماع الا عدد قليل جدا في اسرائيل ومصر والمغرب، وتمت الترتيبات الخاصة بعقده في سرية تامة في يوم 16 سبتمبر 1977. وقد نشر المؤلف في نهاية كتابه محضر ذلك الاجتماع السري، وقال انه ينشر لاول مرة، وفي رأيه ان هذه الوثيقة بالغة الدلالة لانها توضح ـ على عكس ما هو سائد ـ ان موشي ديان وزير الخارجية الاسرائيلي آنذاك لم يقدم أية وعود مسبقة للسادات ـ من خلال حسن التهامي ـ بأن اسرائيل سوف تعيد سيناء الى مصر . وعلى هذا فإن الادعاء بأن السادات قرر الاسراع بمحادثات السلام مع اسرائيل لمعرفته الكاملة بأن سيناء اصبحت في جيبه، هو ادعاء لا اساس له من الصحة. كذلك توضح وثيقة الاجتماع السري بين ديان والتهامي ان اسرائيل ومصر تفضلان التعامل بينهما مباشرة من دون اللجوء الى وساطة اميركية او روسية، غير ان السادات فهم من حسن التهامي ان موشي ديان اشار في الاجتماع السري بينهما الى ان اسرائيل تنوي الانسحاب من سيناء. تأليف: أهرون بريغمان _ عرض ومناقشة: صلاح عويس