الثلاثاء 24 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 25 فبراير 2003 البرامج الاخبارية الثلاثة في القنوات التلفزيونية الرئيسية اختارت عشية الحرب الوشيكة على العراق، التزود بمحللين احتياطيين. جوهر هوية المختارين ماض عسكري مؤسسي ـ ايتان بن الياهو، وعاموس مالكا، جنرالان في الجيش الاسرئيلي، ورئوبين مرحاف من جهاز الاستخبارات (الموساد). وهذه الحقيقة تشكل مرحلة اخرى من عسكرة الاعلام الاسرائيلي منذ اندلاع الانتفاضة. النقطة المركزية هي الفرق الحاكم بين البرامج السياسية التي تحلل «السياسي» وبين الانباء، ذات الطابع الاخباري. تأثير البرامج السياسية ليس تأثيرا دراماتيكيا. ويعرف المشاهد المحايد فيها انه يشاهد تشكيلة تجارية من المواقف ـ لليسار واليمين، للمتزمتين والعلمانيين ـ وتساعده اجهزته الدفاعية على الفهم ان لكل متحدث موقفا مسبقا يسوقه من خلال البرنامج. ولكن فيما يتعلق بالجانب الاخباري فالامر مختلف تماما. اذ يصل المشاهد الى برنامج الانباء الاسرائيلي الاعتيادي، بدون موقف نقدي. والنبأ لا يحلل الواقع، بل يخلق الواقع. ومحللو البرامج الاخباريةـ والعسكريون منهم بشكل خاص الذين يعرفون دائما كل ما لن يعرفه المشاهد ابداـ لم يعودوا محللين، بل هم «منتجو واقع». وهم يشكلون نظريا نوعا من الصوت الموضوعي البعيد عن الانتماء السياسي، الذي يروي قصة حدثت، ثم يشرع بشرحها للمشاهد. في حالة الحرب الوشيكة، استخدمت البرامج الاخبارية وتستمد هذا الكنز الثمين بصورة مخادعة، حين تقوم بتفريغ الحلبة وتكريسها لصنف مركزي واحد من التحليل: العين العسكرية. المحللون الجدد يخلقون واقعا لا يستطيع المشاهد في اطاره، الا ان يفهم الحرب ضد العراق بأنها حملة عسكرية مناهضة للارهاب تماما. وماذا يبقى في الخارج؟ يبقى في الخارج الجانب الاخلاقي للحرب، التغييرات التي حدثت في العالم العربي، كيف يقام نظام حكم جديد، ديمقراطي، في بلد يخلو من اي مؤسسة ديمقراطية. يبقى في الخارج اللقاء العنيف المقترب بين الغرب وبين المنطقة العربية، واية اتجاهات يشجعها (الغرب) في العالم العربي، وبدل الاستعانة باناس يقومون بشرح هذا الواقع الهش بكل ابعاده، تختصر البرامج الاخبارية المدى الواسع في المسار العسكري فحسب. ومثلما في ايام اوسلو الزاهرة حيث لم تقدم البرامج الاخبارية للمشاهد التحليل العربي لحلم بيريز في شرق اوسط جديد ـ الخوف والرعب من وضع تتحول فيه المنطقة العربية الى فرع اوروبي رأسمالي ـ هكذا الآن ايضا، يجسد سقوط العراق الوشيك واحتلاله بأيدي الغرب، كابوسا مرعبا للكثيرين من العرب بيد انه حين يقوم محللون ذوو ماض عسكري بحصر الموضوع وكأنه مجابهة بين بوش والرئيس العراقي، واميركا امام العراق، والحرس الجمهوري ضد المارينز فكل بغية مسارات التحليل التي من واجبها توسيع الصورة امامنا تضمحل وتتلاشى. اسرائيل تواصل النظر الى الشرق الاوسط بصورة اساسية، عبر فوهة التبجح العسكري. وتواصل صممها تجاه مخاوف الاستغراب (عكس الاستشراق) والعولمة وفقدان التراث.هذا العمى الذي يقدمه المعلقون الثلاثة الجدد ـ القدامى بشكل متطرف، لا يتيح لمشاهد الاخبار ان يفهم ولو قليلا، المجال الثقافي السياسي الاجتماعي الذي يعيش فيه. وهذا مرض تعاني منه الاسرلة منذ تأسيسها، ولكن اذا كان لذلك ما يبرره في الماضي، فلا مبرر لهذا الموقف مطلقا في ايامنا هذه. على الانباء في اسرائيل، التي تجلب الواقع الخارجي الى غرفة الصالون، ان تفسر لنا العالم من حولنا بمفاهيم اخرى غير العسكرية. فلا يمكن الانغلاق طيلة الوقت ازاء المدى الذي يلف اسرائيل. مهمة الانباء لا ان تشكل فرعا للناطق العسكري، بل ان تكون وسيلة مدنية لنقل المعلومات الى المجتمع الاسرائيلي في اسرائيل. الامر لم يعد متعلقا بتأييد.. الحرب او معارضتها. فالمشكلة اوسع واشد مضايقة: لا يعقل، في كل مرة تكون فيها اسرائيل في حالة طورائ من نوع ما، ان تتنازل بصورة مطلقة تقريبا، عن حالتها المدنية، وتخلق دولة عسكرية من جديد. ان بيع البرامج الاخبارية لافراد المؤسسة العسكرية في اوقات طورائ، كأنه نهاية الموسم ـ بالمناسبة، كيف يعرفون زمن الطورائ بالضبط؟ ـ يجرد الاخبار من كل ما من شأنها ان تعطي وتمثل في الديمقراطية، ويبقينا في بيوتنا، امام جهاز التلفزيون، ملتفين بنفس المعطف العسكري القديم المعروف منذ ايام الخدمة الاحتياطية الاخيرة. بقلم : نير برعام _ عن «معاريف»