الثلاثاء 24 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 25 فبراير 2003 في معرض تناول نجاح القوات المصرية في عبور قناة السويس وانهيار خط بارليف تحت ضغط تلك القوات، يصف المؤلف تقدمها بأنها كانت تتدفق كالموج عبر القناة، وسقطت التحصينات الاسرائيلية وعجز سلاح الجو الاسرائيلي عن دعم القوات الاسرائيلية على الأرض أو وقف القوات العربية بسبب الخسائر الفادحة التي ألحقتها به نظم الصواريخ المصرية والسورية التي استخدمت بكفاءة. وفي رأي المؤرخ اهرون بريغمان ان الذي انهار في الساعات الأولى لحرب اكتوبر ليس خط بارليف فحسب، بل انهار معه الاعتقاد الاسرائيلي ـ أو التمني ـ ان الجيش النظامي مدعوماً بالقوات الجوية يستطيع صد أي غزو عربي محتمل. وفي الشمال تقدمت قوات سورية مدرعة بعد الضربة الجوية الناجحة، وكانت الموجة الأولى مكونة من 500 دبابة، واقتحمت هذه القوات الخطوط على طول الجبهة بأكملها واخترقت طريقها نحو مرتفعات الجولان. ويذكر المؤلف ان الهجوم كان ساحقاً حتى ان القوات الاسرائيلية على مرتفعات الجولان ـ على الرغم من انها أقوى من القوات العادية ـ فشلت في صد هذا الهجوم في المرحلة الأولى، والذي كان بالفعل يهدد بالوصول الى نهر الأردن. ضربة حظ كانت توجد على الحدود مع سوريا مستوطنات اسرائيلية، وبضع عقبات لمنع السوريين من التوغل في عمق مرتفعات الجولان، ولذلك فقد كانت لتلك المنطقة على الجبهة الأولوية، وأرسلت رئاسة أركان الحرب الاسرائيلية في ليلة 6 اكتوبر فرقة أخرى لتعزيز الفرقتين اللتين كانتا على المرتفعات من قبل، ولكن ظل الموقف خطيرا على الرغم من ذلك. ولتخفيف الضغط على الجبهة طلب اليعازر رئيس الأركان إذناً سياسياً لقصف المدن السورية، فجرت الموافقة على طلبه وقامت القوات الجوية الاسرائيلية في 9 اكتوبر بقصف مبنى وزارة الدفاع السورية وقيادة القوات الجوية السورية في دمشق، فضلاً عن أهداف أخرى في مدينة حمص. ويتحدث المؤلف عن ضربة حظ صادفها الاسرائيليون، وهذا هو وصفه لها، قائلاً انها أتاحت نجدة للقوات الاسرائيلية وتمثلت في ذلك اليوم في حدوث نقص مفاجيء في صواريخ أرض ـ جو لدى القوات السورية. ويشير مؤلف الكتاب إلى ما ذكره موشي ديان بعد ذلك في مذكراته إذ يقول: «في تلك الليلة يوم 9 اكتوبر وجدت ان تغيراً حدث في المزاج العام لدى القوات الاسرائيلية.. وكان هناك شعور في ذلك اليوم بأنها قد اجتازت أسوأ مرحلة، وان زخم الهجوم السوري قد انكسر، وبدأت قوات «العدو» في «التقهقر». وبعد يومين في 11 اكتوبر قام الاسرائيليون بالهجوم على لواء الدبابات الأربعين الاردني الذي كان الملك حسين قد دفع به لمساعدة السوريين، وتكبد الأردنيون 27 قتيلاً و50 جريحاً، وتم اعطاب 14 دبابة. واستدار الاسرائيليون الى القوات العراقية التي أرسلت ايضاً لمساعدة السوريين، وتلقت تلك القوات ضربات قاسية، وصدت اسرائيل الهجوم السوري ـ الاردني ـ العراقي كله، واستعادت سيطرتها على مرتفعات الجولان. هنا ينبغي تذكر ان الأرقام والمعلومات التي ذكرها المؤلف في كتابه هي من مصادر اسرائيلية بحتة، ولا يجب أن نتقبلها على علاتها. حرب الصحراء وتحت عنوان «حرب الصحراء» ينتقل المؤلف إلى صحراء سيناء، حيث قام الاسرائيليون يوم 8 اكتوبر، بعد يومين من الهجوم المصري الساحق، ببدء هجوم مركز كبير بهدف تجريد آلة الحرب المصرية من قوتها ومسح القوات التي عبرت قناة السويس قبل أن تعزز وجودها على الضفة الشرقية للقناة، ولكن القوات الاسرائيلية تكبدت خسائر فادحة، ودفعت ثمناً باهظاً من الضحايا والمعدات بعد احباط هجومها. وما لبثت الموازين ان اختلت ضد المصريين، فقد كانوا قد تمتعوا عند بداية الحرب بتحقيق عنصر المفاجأة والتفوق الكبير للقوة، ولكن بدأ الاسرائيليون يقتربون من إتمام القوة التعبوية الكاملة، واستعادة توازنهم، واعادة تجميع قواتهم، وتحويل القوات من مرتفعات الجولان، حيث أُخرج السوريون من الحرب يوم 11 اكتوبر، وأصبحت جاهزة لرد الهجوم. وفي رأي مؤلف الكتاب ان النجاح الذي حققته اسرائيل بعد ذلك لم ينشأ عن بعد نظر عظيم أو استراتيجية متفوقة، بل نشأ نتيجة ما يسميه بالحسابات الخاطئة للمصريين وقصر نظرهم. ويشير المؤلف إلى ما سبق أن ذكره عن ان السادات كان في الأصل قد وجه جنرالاته إلى اعداد خطة لحرب محدودة ضد اسرائيل، وعكست الخطة العسكرية المصرية بالفعل هذا التوجه باستهدافها أهدافاً محدودة جداً، تتمثل في عبور قناة السويس والتقدم ليس إلى أبعد من بضعة أميال في الصحراء والاستيلاء على موقع والدفاع عنه مع البقاء تحت حماية نظم صواريخ سام، ولكن القيادة المصرية العليا ـ بموافقة السادات ـ قررت تغيير خطط الحرب المحدودة الأصلية والتقدم إلى عمق الصحراء، تحت ضغط من دمشق للاستمرار في القتال لتثبيت القوات الاسرائيلية وتخفيف الضغط على سوريا. ويقول المؤلف: ربما كان هذا أكبر خطأ ارتكبه المصريون لأن ابتعادهم عن مظلة الصواريخ جعل الدبابات والقوات مكشوفة للقوات الجوية الاسرائيلية. وعندما تقدمت القوات المصرية في يوم 14 اكتوبر بشكل أعمق في الصحراء تعرضت لقصف كثيف من الطائرات الاسرائيلية ومن الدبابات الاسرائيلية المثبتة في الحفر، مما أدى الى صدهم تاركين وراءهم الدبابات المحترقة. وتحولت المواقف وبدأ الاسرائيليون في الهجوم، وتمكنت قوة بقيادة الجنرال ارييل شارون من التسلل عبر ثغرة بين الجيشين المصريين الثاني والثالث، وعبور قناة السويس. وفي 22 اكتوبر أعلن وقف اطلاق النار الذي تضمنه قرار مجلس الأمن رقم 338 الذي بدأ سريانه في الساعة 52,6 مساء، ولكن في يوم 23 اكتوبر خرق الاسرائيليون وقف اطلاق النار وشنوا هجوماً بواسطة أربعة لواءات مدرعة لتحسين موقفهم التفاوضي، والتفوا حول الجيش المصري الثالث في الجزء الجنوبي من قناة السويس ومدينة السويس، واستمروا في التوغل جنوباً للوصول إلى ميناء الأدبية على بعد نحو عشرة أميال جنوب المدينة. وبعد تهديدات سوفييتية وضغط أميركي وافقت اسرائيل على وقف ثان لاطلاق النار، ولكنها رفضت العودة إلى خطوط 22 اكتوبر السابقة. عندما سكتت المدافع بعد أن أخذت اسرائيل على حين غرة في بداية حرب اكتوبر وافتضاح عدم استعدادها وعجزها عن الحرب على جبهتين، أحرزت نصراً عسكرياً مذهلاً، كما يقول المؤلف. وعندما سكتت المدافع كانت القوات الاسرائيلية تتمركز على بعد 63 ميلاً من القاهرة، و28 ميلاً من دمشق، ولكن الثمن الذي دفعته اسرائيل كان فادحاً: 2687 قتيلاً، و7251جريحاً، وكلفتها الحرب أكثر من 7 مليارات دولار قيمة خسارتها في المعدات، وتقلص الانتاج وفقدان الصادرات، كذلك كانت للحرب آثار سيكولوجية وسياسية، فقد حطمت الرضا عن الذات، ومحت الثقة بالنفس وأغرقت الاسرائيليين في واحدة من أخطر أزماتهم، وأصبحت اسرائيل بعد هذه الحرب تعاني آلام صدمة طويلة المدى. ولم يكن جنود الاحتياط الذي اشتركوا في الحرب ولمسوا مباشرة مساويء القيادة العسكرية ـ السياسية، ينوون التسامح أو اغتفار تلك الأخطاء، وعندما عادوا من الجبهة بدأوا في وقت واحد تقريباً حركة احتجاج طالبت باجراء تحقيق شامل عن كيفية مفاجأة اسرائيل بالحرب من دون ان تكون مستعدة لها. وتلقت القيادة انتقادات لاذاعة لم تتلق مثلها من قبل، وكان معظمها موجهاً الى وزير الدفاع موشي ديان، الذي تحول في نظر الناس من بطل حرب إلى شرير وأصبح يلقى مشاعر غضب متفجرة أينما ذهب. وازاء ذلك أعلنت غولدا مائير رئيسة الوزراء الاسرائيلية في بداية نوفمبر 1973 تشكيل لجنة تحقيق قضائية برئاسة القاضي شيمون اغرانات رئيس المحكمة العليا للتحقيق في القرارات الأولية للعسكريين والساسة ذات الصلة بمعلومات المخابرات التي تلقتها قبل الحرب وحالة الاستعدادات عامة في جيش الدفاع الاسرائيلي آنذاك. في الوقت نفسه، أخذ هنري كيسنجر وزير الخارجية الأميركي في القيام برحلاته المكوكية الدبلوماسية في محاولة لتنظيم مؤتمر دولي للسلام في جنيف لمناقشة تنفيذ القرار رقم 242، وقد أحرز نجاحاً جزئياً. وفي 21 ديسمبر 1973 تم افتتاح المؤتمر في قصر الأمم في جنيف برعاية الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفييتي، وأرسلت اسرائيل ومصر والاردن وفوداً تمثلها، ولكن السوريين ومنظمة التحرير الفلسطينية امتنعتا عن الاشتراك في المؤتمر، ولم يكن المؤتمر ناجحاً وانفض بعد يوم واحد وسط مزيج من الاتهامات المتبادلة. ومع ذلك فقد وُجدت أداة تسمى آلية مؤتمر جنيف للسلام لاجراء مفاوضات في المستقبل، وتقرر أيضاً أن تركز الخطوة الدبلوماسية التالية على انجاز الفصل بين القوات الاسرائيلية والمصرية لتخفيف حدة الاحتكاك ومنع استئناف الحرب. وفي 18 يناير 1974 وقع رئيس الأركان المصري والاسرائيلي اتفاقاً يقضي بانسحاب اسرائيل من المناطق التي احتلتها غرب قناة السويس، وتقسيم منطقة مساحتها 19 ميلاً شرق القناة الى ثلاث مناطق، منطقة لقوات مصرية لا تزيد على 7 آلاف جندي و30 دبابة و36 قطعة مدفعية، ومنطقة عازلة في الوسط تحت اشراف الأمم المتحدة، ومنطقة شرقية تحتفظ فيها اسرائيل بنفس عدد قوات منطقة المصريين. ونصت الفقرة الأخيرة من تلك الاتفاقية على انها لا تشكل اتفاقية سلام نهائية ولكنها خطوة أولى في اتجاه السلام. وفي 10 مارس 1974 قدمت غولدا مائير حكومتها الجديدة الى الكنيست الذي ضمنت ثقة فيها، وبينما أدخلت الى وزارتها وجوهاً جديدة وعلى رأسهم الجنرالان السابقان اسحاق رابين وأهارون ياريف، احتفظت مائير بوزير دفاعها موشي ديان. وقد تبين ان ذلك ان خطأ كبير منها فقد اعتبره الجمهور المسئول الرئيسي عن مأساة «يوم الغفران» وتلقى انتقادات متزايدة، وقد تصاعد غضب الجمهور في أول ابريل 1974 بعد نشر التقرير المؤقت للجنة اغرانات لتقصي الحقائق التي شكلتها مائير في نوفمبر 1973 للتحقيق في أسباب فشل اسرائيل في المراحل الأولى لحرب اكتوبر. وقد برأ التقرير كلا من غولدا مائير وموشي ديان ووضع اللوم على عاتق ديفيد اليعازر رئيس الأركان وايلي زيرا مدير المخابرات العسكرية، وكان في ظن الحكومة ان التقرير قد يهديء غضب الجماهير، ولكنه حدث العكس تماماً، إذ رفض الاسرائيليون الحكم الذي انتهى إليه تقرير اللجنة وأرادوا أن يروا رؤوس الساسة وهي تتدحرج. وفي يوم الجمعة 31 مايو 1974 السابق لاستقالة غولدا مائير من رئاسة الحكومة الاسرائيلية، أشرفت على توقيع اتفاقية مع سوريا للفصل بين القوات الاسرائيلية والسورية بعد مفاوضات غير مباشرة شاقة وعسيرة بين البلدين برعاية هنري كيسنجر وزير الخارجية الأميركي. وبموجب هذه الاتفاقية كان على اسرائيل الانسحاب من الأراضي السورية التي احتلتها اثناء الحرب وتقسيم مرتفعات الجولان الى ثلاث مناطق اسرائيلية وسوريا ومنطقة عازلة تشمل مدينة القنيطرة وتخضع لاشراف الأمم المتحدة. وبتوقيع الاتفاقية بين سوريا واسرائيل وصلت حرب اكتوبر 1973 رسمياً الى نهايتها. وفي 4 سبتمبر 1975 وبعد شهور من المفاوضات بين اسرائيل ومصر بوساطة من هنري كيسنجر، وقع البلدان اتفاقية سيناء الثانية التي نصت على انسحاب القوات الاسرائيلية مسافة 18 ميلاً في سيناء، بما في ذلك الانسحاب من حقول النفط والممرين الاستراتيجيين متلا والجدي في شبه الجزيرة. كذلك تمت الموافقة على أن تبقى القوات المصرية في أقل من أربعة أميال من المناطق التي تجلو عنها اسرائيل، بينما تبقى قوة تابعة للأمم المتحدة في منطقة عازلة عريضة، وتوضع محطات مراقبة الكترونية في ممري متلا والجدي بالقرب منهما لتطل على المناطق المصرية وتديرها اسرائيل، كما يدير المصريون أجهزة مراقبة تطل على المناطق التي تسيطر عليها اسرائيل. تأليف: أهرون بريغمان _ عرض ومناقشة: صلاح عويس