الاثنين 23 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 24 فبراير 2003 هل سبق لحرب ان حصلت على قدر من التبرير لشنها مقدما كما حصلت عليه الحرب المنتظرة ضد العراق؟ ان كون هذه الحرب لا تأتي رداً على حادث معين (لقد مضى الان حوالي سنة ونصف على هجمات 11 سبتمبر) ولكون احتمال الحرب ضد العراق اصبحت حتى الان الهاجس الذي شغل ادارة الرئيس بوش لأكثر من عام، فان قضية الدفاع والحرب قد اصبحت كبيرة ومنوعة بحيث جعلت وجودها نفسه قد اصبح جزءاً من القضية المضادة لها. في خطاب حالة الاتحاد حدد الرئيس بوش اربعة اسباب على الاقل للحرب، لم يكن اي منها يتداخل مع الآخر: قسوة النظام العراقي ضد شعبه وانتهاكه للمعاهدات وقرارات مجلس الامن الدولي والتهديد العسكري الذي يشكله ضد جيرانه وعلاقاته مع الارهابيين عموماً، والقاعدة بالتحديد. اضافة لذلك، المح بوش الا ان الرئيس العراقي قد يهاجم الولايات المتحدة او يوفر لآخرين امكانية مهاجمتها. هناك اسباب عديدة يمكن الاشارة اليها لتبرير الحرب لكن بعضها على الاقل، اذا ما نظرنا اليها وحدها، اما انها لا تحمل شيئا جديدا او انها لا تنطبق على العراق بالتحديد ليكون هدفا للحرب ممايجعل الميالين للتشكك في دوافع الادارة لديهم الكثير من الجدالات المادية للقول بانها ليست اصيلة. ولهذا، هناك الى جانب الاهداف المعلنة، هناك مجموعة جانبية من الاسباب الحقيقية، لا تقل عدداً ولا تتداخل ايضا: الرغبة في السيطرة على نفط العراق ومساعدة اسرائيل والانتقام من الرئيس العراقي لمحاولته اغتيال جورج بوش الاب. لكن من بين الاسباب التي بدأت تظهر في الاشهر القليلة الماضية للدفاع عن الحرب ان الاطاحة بالرئيس العراقي ستساعد في احداث تغيير شامل نحو الافضل في المناخ السياسي والثقافي والاقتصادي في الشرق الأوسط العربي. ولتقديم مثل من الامثلة العديدة على هذه الاسباب للحرب، نجد فؤاد عجمي، وهو خبير في الشئون العربية يتمتع باحترام كبير في اوساط الادارة الاميركية الحالية، يقترح في العدد الأخير من مجلة «فورين افيرز» الاميركية ان الولايات المتحدة يمكن ان تقود «مشروعا اصلاحيا يسعى لتحديث وتغيير المشهد العربي. والعراق سيكون نقطة البداية، حيث تمتد تقاليد اقتصادية وسياسية عربية وثقافة شهدت كروبها وهي تعرض نفسها بشكل قاس». والدافع الرئيسي لوجهة النظر هذه داخل الادارة الاميركية هو بول وولفوويتز نائب وزير الدفاع، الذي غالباً ما يقول ان شن حرب على العراق يمكن ان يساعد في ارساء الديمقراطية في الشرق الاوسط العربي. وقد بدا الرئيس الاميركي وهو يتقدم بالدعوى نفسها في خطاب حالة الاتحاد حين قال «ان كل الشعوب لها الحق في اختيار حكوماتها وتقرير مصيرها ـ والولايات المتحدة تدعم طموحاتها في العيش بحرية». حتى اولئك الذين يعانون من انهاك التبريرات يجب عليهما ان يولوا اهتماما خاصاً لهذا التبرير، لانه يمضي ابعد من خانه الاسباب التي تقدم دعماً لمنهج عمل قد تقرر مسبقا ودخل مرحلة التنفيذ. فبخلاف التبريرات الاخرى يشكل سببا للحرب وخطة للمستقبل في وقت واحد. كما انه ينادي بالتطوير، الديمقراطية فكرة رائعة، لكن ليس هناك اي دولة في الشرق الاوسط، باستثناء تركيا واسرائيل، تشبه في أي شيء الديمقراطية كما يعرفها الاميركيون. معظم دول الشرق الاوسط لاتحاول حتى مجرد التظاهر بالديمقراطية عبر السماح ببرلمان منتخب بحرية. غير ان المشكلة الاساسية التي يستهدف بالديمقراطية حلها وهي ظهور التشدد الذي شجعته او تسامحت معه الحكومات التي تراه طريقة ممكنة لاستيعاب شعوبها الافقر والاكثر شبابا تجع من الانتخابات الحرة فكرة خطرة لان المتشددين المعادين لأميركا يمكن ان يفوزوا فيها. ويسارع مسئولو الادارة للقول انه حينما يتعلق الامر بالشرق الأوسط، فانهم لا يعنون ديمقراطية مباشرة وانتخابية على الطراز الاميركي، وانما بناء مخطط «للمجتمع المدني» «أو «المؤسسات الديمقراطية» مثل الصحافة الحرة والاحزاب السياسية والاسواق المفتوحة والقوانين المكتوبة والمحاكم التي تديرها، مع انتخابات برلمانية وطنية باعتبارها الخطوة النهائية واحياناً البعيدة. يبدو هذا المشروع بانه يستحق الجهد، لكنه اذا اتى بعد حرب، فيجب ان يكون مفهوماً بانه يتضمن توفير خيارات واستخدام القوة من جانب الولايات المتحدة، وليس مجرد التشجيع المهذب. وفي غمار البحث عن سيناريو ممكن للشرق الاوسط بعد الحرب، تحدثت مؤخراً مع مسئولين في البنتاغون ممن كانت لهم شهرتهم باعتبارهم صقورا في الادارة: دوغلاس فيث، وكيل وزارة الدفاع للشئون السياسية وهي الوظيفة التي شغلها وولفوويتز في عهد بوش الاب، وستيفن كامبون الذي دخل هذه الادارة كنائب لفيث وهو المسئول الآن عن تقويم الانظمة التسليحية وغيرها من برامج البنتاغون. يعمل فيث ابن الاربعينيات، في جناح كبير من المكاتب في البنتاغون يطل على نهر البوتوماث في واشنطن. الباب المؤدي لغرفة الاستقبال في مكتبه يبقى مقفلاً، وهو ما يعطي الانطباع بأن شيئاً غير معروف للعامة يجري في الداخل، عاد فيث من اجتماع آخر له للقائي، فجلسنا، وسألته عما يدور في ذهنه عن نتائج الحرب. ابتسم بود وقال: الحديث عما سيحدث بالضبط شيء صعب. اعتقد ان صامويل غولدوين هو من قال: لا تتحدث عن التوقعات ابداً، خصوصاً عن المستقبل، لهذا لا اراني سأحدثك عما سيحدث بالضبط لكني استطيع اخبارك بما اعرفه عن التفكير السائد حول الموضوع. واضاف: شهدت الثمانينيات والتسعينيات انتشار الحكم الديمقراطي في الكثير من دول العالم من مناطق في العالم لم يكن لها الكثير من الخبرة في الحكم الديمقراطي، واعتقد انه ساعد في تعزيز فكرة ان بعضاً من المؤسسات الديمقراطية الاساسية لا اتحدث عن اي نظام ديمقراطي معين انما مؤسسات ديمقراطية اساسية ـ تتمتع بجاذبية عالمية وحتى اولئك الذين يكنون احتراماً كبيراً للافكار المحافظة لادموند بيرك قد اعجبتهم مقدرة كل انماط الدول في دول آسيا واميركا اللاتينية على تشكيل مؤسسات ديمقراطية. وهنا استخدم عبارة مؤسسات ديمقراطية بحذر. انني لا احب الحديث عن الديمقراطية لان ذلك قد يعني ضمنيا وجود نظام محدد بعينه ينطبق على جميع الدول وانا اكثر احتراماً لبيرك من ان أؤكد ذلك. غير ان فكرة انه حين تكون لديك مؤسسات حكومية حرة وتسمح بدرجة اكبر من الحرية السياسية والاقتصادية، ويكون فيها الناس محميين من الطغيان بوجود كثير من المؤسسات في مجتمعهم تتمتع بالقوة ـ المحاسبة والتوازن ـ فإن ذلك يترك مجالاً واسعاً جداً تستطيع فيه المجتمعات ان تنظم حكوماتها، ومجتمعاتها عموماً. ان فكرة المحاسبة والتوازن كضمانة ضد الطغيان هو شيء استطيع ان افكر به باعتباره قابلاً للتطبيق في كل مكان حول العالم. انه ليس شيئاً خاصاً بثقافة بعينها. وتابع: ثم علينا الاشارة الى ان ظاهرة الحرية الاكبر قد دخلت اميركا اللاتينية ولاجزاء عديدة من آسيا، لكنها بقيت الى حد كبير خارج الشرق الاوسط ثم هناك تلك الكتابات الكثيرة حول الموضوع عما اذا كان هناك شيء متضمن وموروث في الثقافة الاسلامية او الثقافة العربية يتضارب مع الحكومات القائمة على حرية اكبر. الادارة لا تؤمن بوجود هذا المانع المتضمن، واذا ما اصبح للعراق حكومة من هذا النوع، واذا ما استطاعت هذه الحكومة ارساء المؤسسات الديمقراطية. فهذا قد يكون عاملاً ملهماً في كل الشرق الاوسط لمحاولة زيادة هامش الحرية التي يتمتعون بها وهم سيستفيدون سياسياً واقتصادياً من فعلهم ذلك. سألتهم كيف سيحدث هذا؟ هل سيتم ارسال السفير الاميركي في كل من دول المنطقة لحث رئيس الدولة على تبني الديمقراطية يقول فيث: الالية التي تتحدث عنها ليست هي الآلية التي يفكر بها اي شخص في الادارة حسبما اعلم، اننا لا نفكر بارسال سفرائنا ليقولون انظروا لهذه الحكومة الجميلة التي نشأت في العراق! نحن شأن مندوبي المبيعات لن نذهب لدولة اخرى ونقول لها: ما رأيكم بشراء ضربة فنية قاضية؟ ذلك ليس هو ما نقترحه. وتابع: هناك اناس في كل الشرق الاوسط مهتمون بإيجاد قدر اكبر من الحرية، هناك كثيرون في كل هذه الدول حريصون على تطوير بلادهم واذا ما ظهر نموذج للنجاح السياسي في العراق وفق هذه الخطوط السياسية، فإننا نتصور انه سيكون نموذجاً نافذاً يحظى بالاعجاب. واذا ما بدأ اناس آخرون في الشرق الاوسط ينظرون لهذا النموذج ويقولون انظروا اذا ما حصل العراقيون على هذه المنافع، فربما نستطيع تحقيقها لشعوبنا، اعتقد حينها ان تلك هي الآلية الاكثر صلة بالقضية، وعلى الرغم من أن فيث رسم الصورة على نحو لطيف فإن هذه الصيغة تقول ان تغييرا للنظام ربما لن يكون شيئاً سيئاً للدول الاخرى في المنطقة المجاورة للعراق. سألت فيث عما اذا كان لنصر عسكري اميركي في العراق ان يساعد في كبح منظمات ارهابية تعمل بدعم من دول اخرى في المنطقة. قال: احدى المباديء الاستراتيجية التي ترسم استراتيجية حربنا ضد الارهاب هي اهمية العلاقة بين المنظمات الارهابية والدول الراعية لها. المنظمات الارهابية لا تستطيع ان تكون فعالة في استدامة نفسها على فترات طويلة من الزمن للقيام بعمليات كبيرة ان لم تكن لديها دول راعية، انها تحتاج قاعدة للعمليات. انها تحتاج اشكالاً اخرى من الاصول تحصل عليها عبر صلاتها مع الدول الراعية، سواء كانت التمويل او القواعد او استخدام الغطاء الدبلوماسي وغير ذلك من منشآت وأحد الاسباب الرئيسية التي جعلتنا نركز على العراق باعتباره تهديداً لنا ولمصالحنا هو اننا ركزنا على هذه العلاقة بين هذه الاشياء الثلاثة، المنظمات الارهابية والدول الراعية لها واسلحة الدمار الشامل اذا ما تعين علينا القيام بعمل عسكري وتطبيق مبادئنا في حربنا ضد الارهاب على العراق، اعتقد ان ذلك سيسجل عند الدول الاخرى حول العالم التي ترعى الارهاب وربما يغير من حساباتها لتكاليف علاقاتها بالشبكات الارهابية اعتقد ان هذه العملية قد بدأت في افغانستان، هناك لدينا نظام اطيح به لانه رعى الارهاب الذي استهدف الولايات المتحدة، واذا ما اطيح بالحكومة العراقية لانها اثبتت تماماً رفضها نزع سلاحها بطريقة متعاونة مع الامم المتحدة واذا ما قادت الولايات المتحدة تحالفاً واسقطت تلك الحكومة، اعتقد ان هذين التطورين معا سيؤثران على تفكير الدول الاخرى حول حكمة الاستمرار في توفير الملاذ أو الاشكال الاخرى من الدعم للمنظمات الارهابية.هل لانهم سيعتقدون ان الدور حينها سيكون عليهم؟ يقول «ربما او لمجرد اننا سنكون في طريقنا لايجاد طريقة دولية جديدة في التفكير عرف دولي جديد حول الارهاب اذا ما نظرنا لوثيقة استراتيجيا الامن القومي التي وضعها البيت الأبيض، فإنها تقول إن هدفنا هو جعل الارهاب مثل القرصنة او تجارة الرقيق او التطهير العرقي في اذهان الناس في كل العالم، هدفنا هو نزع شرعية الارهاب كنشاط أو ممارسة، وهذا لا يمكن تحقيقه بالوسائل العسكرية فحسب، إلا انه من المثير معرفة كيف ان العمل العسكري يعزز احياناً الرسائل الفلسفية. سألت فيث عما اذا كانت الولايات المتحدة تمضي للحرب في احد الوجوه انما تفعل ذلك لكونها تريد تغيير الشرق الاوسط ككل. يقول: ربما علي ان اضع الامر كما يلي، هل سيفكر احد ما باستخدام القوة في العراق بأنه يهدف لاجراء تجربة سياسية على امل انها ستكون ذات نتائج ايجابية في كل المنطقة؟ الجواب هو لا هذا ليس من الامور التي تقود بدولة مثل الولايات المتحدة لتلتزم بتوفير هذا الحجم من قواتها المسلحة التي التزمت بها حتى الآن لمحاولة جعل سياستنا تعمل، بل ربما اذا لم تعمل سياستنا فاننا نقوم بالعمل العسكري ان ما سنستخدم قواتنا المسلحة لفعله اذا ما كان علينا ذلك، هو تحقيق الاهداف التي تحدث عنها الرئيس وتحديدا ازالة الاسلحة الكيماوية والجرثومية ومنع العراق من الحصول على اسلحة نووية. لكنك حين تفكر باستخدام القوة العسكرية لهذه الاهداف، وبما ستفعله بعد ذلك وحين نستطيع التفكير فيما اذا كنا قد تصرفنا بشكل صحيح واذا ما ساعدنا العراقيين، واذا ما اثبت العراقيون مقدرتهم على تشكيل حكومة نيابية انسانية لانفسهم، فهل سيكون لكل هذا نتائج مفيدة على سياسات المنطقة باكملها؟ اعتقد ان الجواب هو نعم. سألت فيث حول التوقعات بشأن بضع دول بعينها حول العراق هل يمكن حدوث تغيير للحكم في ايران؟ قال: «بالتأكيد بالتأكيد ليس كل حكومة تسقط في العالم، تسقط لان لها علاقة بالارهاب هناك حكومات تسقط منذ ألف سنة، قبل ان تظهر الولايات المتحدة قبل الحرب على الارهاب هناك اسباب كثيرة تسقط الحكومات والسكان في ارجاء ايران هم في معظمهم من الشباب نسيت الرقم الدقيق، لكن اعتقد ان اكثر من نصف سكان البلاد ولدوا بعد الثورة لهذا هناك اناس يعتقدون ان الحكومة الايرانية لن تتجاوز المستقبل القريب. فهل يقول فيث اي شيء حول مستقبل الحكومة السورية باعتبارها تستضيف علنا الجهاد الاسلامي في دمشق ومنظمة حزب الله في لبنان؟ يبتسم فيث ويقول: «ليس والمسجل شغال». انتقلت لستيفن كامبون الذي كان يتحدث بحذر اكثر من فيث حينما سألته عن كيفية تأثير نصر اميركي في العراق على دول الشرق الاوسط قال: «القيادات في هذه الدول تتغير لقد رأينا تغيرات في سوريا ورأينا تغيرات في الاردن ومع الوقت ستكون هناك تغيرات في مصر وفي السعودية وغيرها من الدول، الفلسطينيون ايضا الطريقة التي تؤثر فيها سياسات العراق في حسابات هذه الحكومات وشعوبها. لكن كيف تؤثر سياسات العراق في حساباتهم؟ «شحنات النفط التدفق غير الشرعي، والتجارة القادمة التي يحاولون تجنب العقوبات الاقتصادية حولها والتي تنتج نقصا او زعزعزة لما يفترض ان تكون بدونها العلاقات المتبعة والطبيعية بين الدول والتي كانت لولا ذلك تبني علاقات بينها تقوم على المصالح المشتركة لكن لكون العراق دولة غير طبيعية فهو لا يخدم سياسات المنطقة وهذا بدوره له اثر عميق على السياسات الداخلية لكل دولة. يبدو ان كامبون يشير تحديدا للعلاقة بين سوريا والعراق: العراقيون يزودون السوريين بالنفط وكما هو مفترض اكثر بكثير من الكميات المسموح بها في ظل العقوبات الدولية وبالتالي يحصلون على المال والدعم من سوريا في المقابل الاردن ايضا يحصل على النفط العراقي وهو ما يعني ان على حكومته غض الطرف عن اثارة الرئيس العراقي السياسية للاغلبية الفلسطينية في البلاد ولو كان النفط العراقي يأتي بمحلقات سياسية اخرى لكانت هاتين الحكومتين اكثر حرية في مقاومة الاصولية الاسلامية علنا. هل ستكون هناك تغيرات اخرى للحكومات في الشرق الاوسط؟ يقول كامبون: «الامور لن تكون على حالها بعد الحرب مثلما كانت قبلها، الناس يتقدمون بالتزامات عادة بمجرد سبب الاحداث القائمة في حال حصول حرب، واشدد على في حال، اذ ربما فان هناك احتمال لان تتغير الامور في العديد من هذه الدول نعم اتوقع ذلك لكن يجب الا نلغي احتمال ان تتطور الامور على نحو سيء على المرء الا يلغي من الحسبان نتيجة لكل تلك الاشياء الايجابية التي يمكن ان يتخيلها احتمال ان تحدث امور معيقة او سلبية ايضا «خصوصا اذا لم تنجح الولايات المتحدة وحلفاؤها في التكيف مع واقع بعد الحرب». من المفهوم انه يتعين على اشخاص مثل فيث وكامبون الحديث بحذر شديد غير ان بمقدور المرء ان يحصل على صورة قريبة او على الاقل نسخة واحدة عن اعادة صياغة الشرق الاوسط من مصادر اخرى مؤخرا اخذ مراقبو الصقور في واشنطن يتداولون وثيقة بعنوان «تغيير نظيف: استراتيجيا جديدة» كتبت عام 1996 من قبل لجنة من ثماني اعضاء لتكون مشورة لبنيامين نتانياهو رئيس الوزراء الاسرائيلي المنتخب حديثا حينها كان رئيس اللجنة هو ريتشارد بيرل الذي يعتبر الآن عن جدارة كبير المدافعين عن مشروع تغيير الحكومة في العراق كما كان من بين اعضائها دوغلاس فيث. عنوان الوثيقة يشير الى السياسة الخارجية لاسرائيل والتي تلغي التأكيد على العملية السلمية بين اسرائيل والفلسطينيين وتنتقل الى مفهوم تقليدي يقوم على توازن القوى، احد البنود المهمة في هذه الاستراتيجيات هو الاطاحة بالرئيس العراقي صدام حسين وهو ما تؤكد عليه تلك الوثيقة بقوة. من بين اعضاء اللجنة نذكر ديفيد ورمسر مستشاري جون بولتون وكيل وزارة الخارجية للسيطرة على التسلح والامن العالمي واكثر مسئولي وزارة الخارجية الكبار تشددا. عام 1999، نشر ورمسر كتابا قدم له ريتشارد بيرل بعنوان «حليف الطاغية: فشل اميركا في هزيمة صدام حسين» ويقدم الكتاب صورة وردية مفصلة عن الشرق الاوسط، من وجهة نظر الصقور، بعد تغيير الحكومة في العراق وعلى الرغم من ان ورمسر لا يفتقد للنكهة الاخلاقية، فانه مفكر استراتيجي يريد تغيير توزيع القوى في المنطقة وبالنسبة لورمسر فان اشد الاخطار هي القومية العربية التي يصفها بانها النسخة الشرق اوسطية عن الاشكال المتباينة للشمولية التي اجتاحت اوروبا في القرن العشرين. والخيار الحقيقي المتاح في المنطقة هو بين «النخبة العربية التقليدية والقوميين العرب الثوريين» وفي الخانة الثانية يقع الرئيس العراقي والاسد في سوريا وقادة ايران ـ على الرغم من ان هذه الدول كانت متعادية في بعض المراحل ـ ويتوقع ورمسر ان القضاء على الرئيس العراقي سيأتي بالنتيجة المطلوبة اميركيا، وهي زعزعة الحكومتين السورية والايرانية ويقول: «ان انهيارا للحكومة السورية او العراقية سيؤثر على الآخرين تأثيرا عميقا فمن الناحية الايديولوجية يشير فشل حزب البعث في احدهما ضمنيا لفشل النظام الآخر، كما ان الشروع في سياسات قوية العزم حتى الاطاحة بالرئيس العراقي ونظامه البعثي سترسل موجات صدمة لطهران، وفي السيناريو الذي يضعه ورمسر فإن حكومة ما بعد الرئيس العراقي تسمح بمشاركة ذات معنى لابناء الجنوب العراقي ستقضي على مبررات المعارضة في صفوفهم. كما ان هذا الكتاب يشير الى السرعة التي تتغير فيها الآراء في واشنطن، فورمسر هذا نفسه هو الذي اعتبر قبل ذلك بأربع سنوات فقط ان من غير الحكمة مضي واشنطن منفردة لتحرير واحتلال عاصمة عربية، ونصح بتقوية المؤتمر الوطني العراقي المعارض ليطيح بالرئيس العراقي. من كتاب ورمسر هذا يمكن للمرء ان يستشف بضع نقلات على رقعة الشرق الاوسط بعد الرئيس العراقي فسوريا التي ستصبح محاطة بدول موالية لاميركا في اوروبا والعراق والاردن واسرائيل، ولم تعد قادرة على الاعتماد على النفط العراقي، فيمكن اقناعها بالتخلي عن دعم حزب الله وحماس والجهاد الاسلامي. واذا ما تحركت سوريا اكثر نحو الصف الاميركي فهذا ما سيفعله ايضا لبنان، وهذا سيجعل حزب الله بدون دولة تدعمه، اما السلطة الفلسطينية التي ستكون قد خسرت كل حلفائها فلن يكون امامها خيار سوى التبرؤ من «الارهاب».لابد من ذكر بضع ملاحظات حول هذه الرؤية للمستقبل القريب في الشرق الاوسط انها مشروع طموح ومتفائل بشكل مثير، كما يمكن وصفها بشكل عملي بأنها نشر للديمقراطية، إلا ان الاهم انها ستتضمن مثلما يضعه «التغيير النظيف» التغيير بالقوى لتوازن القوى، كما انها تختلف كثيرا عن الرؤية السائدة عن مستقبل الشرق الاوسط بين الليبراليين في اميركا وخارجها، بعد الحرب في العراق، انها تتعامل مع القومية العربية على انها شيء «غير شرعي» كما انها لا تقبل الافتراض الشائع بعدم حصول اي تقدم ايجابي في المنطقة بعد القضاء على حكومة الرئيس العراقي ما لم تبدأ المحادثات بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية مباشرة. كما انها تنظر للاطاحة بحكومة الرئيس العراقي بشكل اقل على انها نهاية لجهد دبلوماسي وعسكري كبير مقارنة بخطوة في عملية متواصلة. ان احتمال ان يكون الرئيس بوش قد قرأ كتاب ورمسر قريبة من الصفر. لكن خطاب بوش في كلمة حال الاتحاد قد تركت الفرصة موجودة امام انتهاج الولايات المتحدة لسياسة اكثر عدوانية في الشرق الاوسط بعد الحرب على العراق، لقد كانت واشنطن تركز على معرفة كيف سيقوم بوش برفع دعوى الحرب على العراق لدرجة ان مادة المبدأ السياسي الخارجي الذي وضعه بوش في خطابه والذي سبق مناقشته لقضية العراق مضى دون ان ينتبه له الكثيرون لقد عرف بوش مهمة الولايات المتحدة بتوسع اكبر مما فعله في اي وقت سابق، لقد قال ان هذه المهمة لا تقتصر على حماية البلاد من الهجمات الارهابية ولا مجرد شن الحملات حول العالم للهجوم على اي جماعة ارهابية تعمل بشكل دولي، ولكن «مواجهة وهزيمة شر الارهاب الدولي الذي صنعه الانسان» وبإسقاطه صفة «تعمل بشكل دولي» يكون قد اعطى الولايات المتحدة الحق في شن الحرب حسب الرغبة على منظمات مثل حماس والجهاد الاسلامي وشهداء الاقصى، واوضح بوش ان قتل «الارهابيين» يعتبر امراً طيباً في عقيدة الولايات المتحدة، وان دعم الحلفاء لها ليس شرطاً مسبقاً للقيام بعمل عسكري خارج اراضيها. ان الدول التي تمتلك او تسعى لامتلاك اسلحة نووية او جرثومية او كيمياوية وهي خانة تضم ايران وسوريا انما تضحي بحقها في السيادة، كما ان حق الولايات المتحدة لا يقتصر على حماية نفسها فحسب بل ونشر الديمقراطية التي هي «هبة الله للبشرية» لكل امة وان تضع حداً للتهديدات المرعبة للعالم المتحضر، وان تكون ضامنة لآمال البشرية.ما تعنيه هذه الكلمات للشرق الاوسط، بدقة امر يصعب قوله، لان حرباً تقود للكثير من العواقب غير المتوقعة لكن ما ستعنيه في واشنطن لا يمكن ان يكون اوضح فبعد ان تنته الحرب في العراق ستتواصل الحرب بين الصقور والحمائم. بقلم: نيكولاس ليمان _ ترجمة :جلال الخليل عن «نيويوركر»