الاحد 22 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 23 فبراير 2003 اضطر جورج روبرتسون الأمين العام لمنظمة حلف شمال الاطلسي الناتو للاعتراف مؤخراً بأن مصداقية الحلف قد تعرضت للضرر، نتيجة الخلاف حول قضية توفير الدعم العسكري لتركيا وبعد ان هاجم فرنسا والمانيا وبلجيكا قبل ذلك بيومين لتخريبها الحلف الأطلسي على حد تعبيره عاد ليقول انه يريد اصلاح ما انكسر كما تحولت قمة الاتحاد الاوروبي يوم الاربعاء الماضي لمعركة من المهاترات بين اعضاء الاتحاد انفسهم وبين بعض هؤلاء والمرشحين الجدد لدخول الاتحاد حول قضية العراق والناتو. وعقب ذلك غادر روبرتسون الى واشنطن ليطمئن الرئيس الاميركي بوش ان الناتو لا يزال منظمة مهمة ومتماسكة، وان الاوروبيين يقولون انهم لا يريدون ان تدير الولايات المتحدة ظهرها لهم، بعد المهانة التي تعرضت لها في مجلس الأمن وبروكسل، على يد بعض الدول الاعضاء. ورفض روبرتسون امام الصحفيين المزاعم «المجنونة تماماً» كما وصفها بأنه قد اساء ادارة الخلاف حول قضية تركيا، لأنه كان هو من اصر في اجتماع الناتو على فرض مواجهة غير ضرورية مع الثلاثي الرافض وهذا الخلاف زاد من حدة العداء الاميركي لما وصفه دونالد رامسفيلد بـ «اوروبا القديمة» وزاد حدة التوتر على جانبي الأطلسي. ومع ان النزاع، الذي استمر شهراً، انتهى في اجتماع سفراء الاعضاء للحلف ضمن لجنة التخطيط الدفاعي، فرنسا ليست عضوة فيها، وذلك بالمصادقة على خطط لارسال طائرات اواكس وصواريخ دفاع جوي ووحدات حرب كيماوية الى تركيا فإن الثلاثي الرافض ظل على موقفه القاضي باعتبار هذه المصادقة تعني قبول منطق الحرب. ويقول روبرتسون ان فرنسا هي الوحيدة التي كانت تعارض الاغلبية وان هذا كان نزاعاً خاصاً، في ظروف خاصة جداً شهدت تدفقاً للعواطف غير معتاد، نعم لقد اصيبت مصداقيتنا كحلف بضرر مثلما تضررت العلاقة بين الجناحين الاميركي والاوروبي داخل الحلف، وخاصة بين الولايات المتحدة والدول التي تعتبرها معارضة لها. لقد احتاج حل الأزمة الى ستة اجتماعات طارئة على مدى 11 يوماً وفيما كانت كل جلسة تثير آمالاً بحلها، كانت تنتهي بمزيد من الانشقاق والخلاف ويشير روبرتسون لذلك بقوله ان الغضب كان سيستولي على جانبي الاطلسي ونحن بحاجة الآن لاعادة بناء الثقة في الحلف وبين اعضائه. لقد بذلت دول الناتو بقيادة اميركية جهوداً كبيرة لاعادة تعريف الناتو من جديد في مرحلة ما بعد الحرب الباردة وما بعد 11 سبتمبر وكانت قمة الحلف في براغ في نوفمبر الماضي استعراضاً كبيراً لتجديد الثقة في الحلف حيث تعهد الجميع بالحرب على الارهاب وجسر الهوة المتزايدة التي تفصل بين جانبيه، ووجهت الدعوة لسبعة اعضاء جدد الى الانضواء تحت مظلته. الى جانب هذا الانشقاق الاميركي «الاوروبي القديم» بدأ خلاف آخر بين اميركا وتركيا يبدو انه مرشح للتطور في الايام المقبلة بخصوص العراق فقد قررت تركيا ارجاء قرارها بالسماح للاميركيين بالانطلاق في حملتهم العراقية من اراضيها ومع مرور الوقت على واشنطن، يبدو انها اخذت تفكر فعلاً في التخلي عن فكرة فتح جبهة شمالية مع العراق. وكانت رسالة سفير واشنطن في انقرة روبرت بيرسون واضحة حين قال مؤخراً: «الوقت مسألة حرجة جداً لنا» ومن الواضح ان صبر اميركا على تركيا آخذ في النفاد مع تدفق القوات الاميركية على الجبهة الجنوبية وعدم دخولها بعد الجبهة الشمالية استعداداً لحرب ترى انها يمكن ان تبدأ منتصف الشهر المقبل والرد التركي السياسي والعسكري لا يزال مفاده ان مثل هذه الحرب ستكون كارثية على الاقتصاد التركي. دعم الحرب الاميركية اصبح قضية تهدد الوحدة الاوروبية ايضاً فما ان انتهت القمة الاوروبية التي اجمعت على ارسال انذار الى العراق، حتى اخذت المواجهة الفرنسية البريطانية تتصاعد، وبأبعاد شخصية هذه المرة، حيث لم تمض سوى ساعات على خطاب الرئيس الفرنسي جاك شيراك، الذي وجه فيه انتقادات لاذعة لقادة دول اوروبا الشرقية الثلاث عشرة المرشحة لدخول الاتحاد الاوروبي بسبب موقفها من أزمة العراق، حتى ارسل توني بلير رئيس الوزراء البريطاني رسالة شخصية الى قادة هذه الدول يمتدح فيها اظهارها للدعم للموقف الاميركي في هذا الخلاف. فقد اختتم الرئيس الفرنسي جاك شيراك مشاركته في قمة الاتحاد الاوروبي في بروكسل الاثنين الماضي بتوجيه انتقاد هو اشبه بالتوبيخ للدول المرشحة لدخول الاتحاد الاوروبي لدعمها الصبياني و«الطائش» للحرب الاميركية المزمعة. وهذا التوبيخ من جانب شيراك يثير مخاوف الاوروبيين من ان الاتحاد الموسع الذي سيضم 25 دولة ابتداء من مايو 2004 سيكون مؤسساً على الشكوك والاحقاد مما قد يجعله منقسماً الى معسكرين متعارضين. وحذر شيراك الدول ومن بينها بولندا والمجر والتشيك من ان افعالها قد تكون خطرة على فرصها في الانضمام النهائي للاتحاد، كما وجه كلامه الى رومانيا وبلغاريا اللتين تتفاوضان على الانضمام للاتحاد عام 2007 مشيراً الى ان تصرفاتهما تزعزع فرصهما في الحصول على العضوية. وقال: انهم يضيعون فرصة طيبة حينما لم يتمكنوا من البقاء صامتين، فحينما تكون داخل العائلة تكون حقوقك اكبر حينما تقف خارجاً وتطرق الباب طالباً الاذن بالدخول. وطبعاً لم يضع بلير مثل هذه الفرصة لحشد التأييد الاوروبي لموقفه المهزوز داخليا ودولياً بل بادر وفوراً فبعث رسالة الى رؤساء حكومات الدول الثلاث عشرة، ومعظمها دول شيوعية سابقة يهنئها فيها على مواقفها الداعمة لاميركا، وأراد بلير ان يقدم نفسه لهذه الدول على انه اوثق حليف لهم داخل اوروبا. وجاء في الرسالة: انني اعبر عن اشد الاعجاب بمستوى القيادة التي اظهرتموها حول هذه القضايا، واتمنى ان نبقى على اتصال وثيق في الاسابيع المقبلة.. وتعيد هذه الخطوة الانتهازية من جانب بلير فتح الجرح الذي عملت القمة في بروكسل على اغلاقه والذي كانت كلمات رامسفيلد قد فتحته، حينما تحدث عن «اوروبا الجديدة» الاطلسية و«اوروبا القديمة» الفرنسية والالمانية. ويبدو ان هذه المهاترات لن تهدأ سريعاً. فقد قال وزير الخارجية البولندي آدم روتفيلد ان دول اوروبا الشرقية هي التي تقرر ما هو في صالحها، ودعم توني بلير موقفه هذا بالقول: «ان لهؤلاء الحق في الكلام بقدر حق بريطانيا أو فرنسا أو اي عضو حالي في الاتحاد الاوروبي. ان هؤلاء يعرفون اهمية التضامن الاميركي الاوروبي». لكن هذا لا يلغي حقيقة ان بمقدور فرنسا ان تمنع دخول هؤلاء المرشحين للاتحاد، وهذا ما حاول رئيس المفوضية الاوروبية التخفيف منه حينما قال ان توسيع الاتحاد هو وعد تاريخي قطعه كل الاعضاء على انفسهم. الحقيقة التي اخذت تتوضح الآن على الرغم من محاولات اخفائها هي ان اوروبا تتعرض الآن لمحاولة استقطاب بين طرفين الاول اوروبي ـ ألماني والثاني اميركي وكل طرف يحاول التأثير على قرار هذه الدول بما لديه من أوراق. وكان احد المسئولين التشيكيين اول من عبر عن هذه الحقيقة حيث قال ان الدول الاوروبية الشرقية التي تحاول الحصول على عضوية الاتحاد تتعرض لضغوط هائلة من بروكسل وبرلين وباريس ولمحاولات تخويف للسير خلف الالمان والفرنسيين بخصوص العراق. وقال هذا المسئول للصحف من دون الكشف عن اسمه: «لقد امضينا السنوات العشر الماضية ونحن نسعى للحصول على عضوية الاتحاد الاوروبي والناتو، ان من المهم جداً بالنسبة لنا ان نكون في الناتو وان نكون في الاتحاد الاوروبي ايضا، غير ان الاميركيين يضغطون علينا للذهاب في اتجاه آخر، لقد قيل لنا منذ وقت غير طويل ان المانيا تريد المانيا اوروبية لكن يبدو الآن ان الاتحاد الاوروبي يريد أوروبا المانية. وكان رؤساء بولندا والتشيك والمجر قد مضوا وراء بلير في توقيع رسالة الثمانية للرئيس جورج بوش التي اعربوا فيها عن دعمهم لحربه ضد العراق فيما اصدرت الدول العشر الاخرى بيانات رسمية تدعم فيها الاميركيين. ويرد الاوروبيون الشرقيون بأن الموقف الالماني المعادي للحرب كان تكتيكيا انتخابياً لغيرهارد شرويدر ولم يتوصل اليه بالتشاور مع حلفائه الاوروبيين. يقول جيري بيه مساعد الرئيس التشيكي السابق للشئون الخارجية عن هذا المأزق: ان كل دول اوروبا الشرقية تجد نفسها الآن في ورطة لا تعرف كيف تخرج منها، انها بين المطرقة والسندان، مهما كان الذي سنفعله، سينظر الينا اما خارجين على فرنسا والمانيا او خارجين على اميركا. غضبة شيراك هذه يفسرها البعض على انها تعبير غير مباشر عن قلق فرنسا من كون ان هذا الاتحاد التي كانت هي من عمل على تأسيسه سيتحول الى شيء آخر غير الذي هو عليه الآن اذا ما دخلته الدول العشر في مايو 2004، الى جانب قلقها من ان ما سيحدث هو انقسام هذا الاتحاد بين ما اسماه رامسفيلد اوروبا القديمة وهي فرنسا والمانيا واوروبا «الجديدة» الاكثر وداً مع الاميركيين. يذكر ان دول الاتحاد الاوروبي ستعقد استفتاءات عامة ابتداء من الشهر المقبل حول توسيع الاتحاد وهذا ما هدد به شيراك الطامحين في العضوية. ان الازمة الحالية ليست الاولى التي تواجه هاتين المنظمتين وبالتحديد هي ليست الاولى التي تواجه الناتو، فقد شهدت الحرب الباردة ازمات مشابهة في الستينيات في عهد ديغول، وفي الثمانينيات ايضا نتيجة صواريخ بيرشنغ في اوروبا، ولايزال من المبكر القول ان الناتو وصل خريف العمر، لكن سواء اكان هذا الضرر الذي تحدث عنه روبرتسون قصير الامد ام غير ذلك، فإن آثاره على صعيد التفكير الاستراتيجي لجانبيه لن يختفي قبل وقت طويل. والسؤال الذي لابد وانه سيتردد طويلاً هو سواء أكان الناتو قد فقد مبرر وجوده أم لا، فكيف ستتمكن اوروبا من العمل عسكرياً وسياسياً بدون اميركا في ظل هذا الاستقطاب الواضح داخلها. إعداد: جلال الخليل