السبت 21 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 22 فبراير 2003 «الإنسان ذئب الإنسان»، قول توماس هوبنر الشهير هذا في كتابه «اللوفايتان» يعد بمثابة موقف تشاؤمي، يطبق على تفاؤلية عصر النهضة وإيمانه بقدرة الكائن البشري على التصدي لكافة المناقب الابداعية. في بداية هذا العام ومنذ ان اطل شهر يناير الغائم، مبشراً بشهر فبراير عاصف، وصلت تشاؤمية هوبنر في حينها، لكن ليس فقط من خلال الكوارث المتوقعة لحرب فتاكة غير ضرورية، بل من خلال كارثة على المدى القصير والطويل لحرب أخرى: حرب الإنسان ضد الطبيعة والبيئة التي رأينا احد تجلياتها في المأساة المعاشة حديثا في جبال «مونتيس اسولين» جنوب المكسيك، حيث استجدت مجموعة من السكان الأصليين المشردين والمحرومين من الأرض والعمل بسبب السيئات المكسيكية الدائمة المتمثلة في سياسة رفع الحيازة والبخل والفساد.. استنجدوا بحماية محمية «مونتيس أسولين» المكان الذي لم يتمكن من ان يقدم لهم الرخاء والتطور، وإنما مجرد أمل عابر في مقابل المنفى التالي. إذن هم الفقراء بكلمات اخرى، من يدفعون ثمن الإنحطاط البيئي. ولحسن الحظ أن أجندة المأساة البيئية معروفة في كل مرة اكثر من سابقاتها. فهذا كوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة ينبئنا عن ظاهرة عامة من انكماش الأسماك والغابات الاستوائية والاحراج والانتاج الزراعي. إلي ذلك، تتقدم عمليات اقتلاع الاشجار في أميركا اللاتينية وحدها على ايقاع نسبته 64,0 بالمئة سنويا، وهي نسبة لا رجعة فيها. كما انها ظاهرة تسير باتجاه تهيئة المناخ لانقراض الكائنات الحية والأجناس عموماً سواء الثدييات أم الطيور، المعروفة والمجهولة منها. من جانب آخر، يدفع التصحر إلى الهجرة والتخلي عن الأراضي يدمر العلاقات العائلية، والتلوث يعصف باللغات والثقافات والمهن التقليدية وبأقدم الحكم. والضحايا هم دائما مطأطئو الرأس، مسلوبو الماضي والملقى بهم بفراغ غامض من المستقبل، والمتأكدون فقط من أنهم سيعيشون في سراديب العالم. لكنهم ليسوا ضحايا الطبيعة. إننا نحن الكائنات البشرية سبب وضحية التلوث الذي يشكل جزءاً فقط من اجحاف شامل متنام، وبسببه يملك ثمانون بلدا في العالم اليوم اقل باضعاف مما كانوا يملكونه قبل عشر سنوات. لذلك لابد من القول ان التعسف البيئى يشكل جزءا مكملاً للفقر. ويقول لنا صدر الدين أغا خان انه بعد تجارة المخدرات، تشكل التجارة غير الشرعية للحيوانات الحية والمنتجات المستخلصة من جثثها العنوان الأحمر الثاني للجريمة المنظمة. وبسبب ذلك اصبحت حيوانات مثل وحيد القرن والنمور على حافة الانقراض. والسؤال هو: هل من حلول لذلك؟ اعتبارا من استوكهولم 1972 وريو 1992 وجوهانسبروغ العام المنصرم، يقترب المجتمع الدولي من الموضوع بحياد احياناً ومع عراقيل احياناً اخرى. مع أن الاصوات المحذرة موجودة هناك، إذ يقول بيل كلينتون أن التلوث يزعزع الاستقرار بقدر ما تفعل الحرب والارهاب ذلك. ويعتبر روبرت روبين، وزير الخزينة في إدارة كلينتون، أن موضوع البيئة يشكل جزءاً من اجندة تناهز تلك المتعلقة بالتجارة الحرة وحرية السوق، لكن بشرط ألا تنفك لا هذه ولا تلك عن المعركة الفقر والتعليم العام وشبكات الحماية الاجتماعية والدفاع عن المحيط البيئي. ويضيف كلينتون أن التنمية المستدامة تعني رخاء بدون تدمير. وتعني حماية الأرض والمياه والهواء والتنوع البيئي حيث يقترح فيدريكو مايور توازنا عقلانيا يؤدي الى حماية الوسط البيئي مع زيادة في الانتاج. لكن هوبز كان قد حذر، بنباهة رهيبة من أن الامتياز الانساني في العقل «يأتي دائماً مع الامتياز المنافي للعقل، المعقول وغير المعقول، الانسان وحده هو موضوع كليهما معاً، كما يقول مؤلف كتاب «اللوفايتان». هل بإمكاننا تجاوز هذا الظرف المميت بأن نكون عقلانيين ومنافين للعقل في الوقت عينه؟ في الميدان العالمي، يبدو ان المنافي للعقل يفرض نفسه يوما تلو آخر على العقلاني. وفي البيئة الطبيعية التي يمكننا نحن انفسنا ان ندمرها او نحميها، تبقى ثلاثة أشياء واضحة: اولاً ان يتطور كل نظام بيئي بما ينسجم مع ايقاعه الخاص وعلينا نحن البشر ان نعترف به ونحترمه على المدى الطويل. ثانيا أن اللحظة قد حصلت من اجل تنسيق وملائمة الأعمال المسكنة مع الأعمال الوقائية. ثالثا أنه اذا لم يتم التصدي للمشكلة فسيكون من الضروري غداً رصد موارد اضافية للعناية بعدد متنام من الاشخاص المتضررين. ولأن المجتمعات المستقرة في محميات بيئية لم تعد تملك حيزاً آخر للبقاء على قيد الحياة، يتعين ان يقدم لها، كما يكتب أدولفو أغيلار زنسير خياراً حقيقياً يشكل اولوية في ميزانية الحكومة، اولوية عامة، اولوية اخلاقية اولوية للأمن القومي. او ليكن التالي: يجب ان نكون مثل البدو، بمعرفة الصحراء تعني معرفة استخدامها بدون تدميرها. بقلم: كارلوس فونتيس _ خدمة «لوس انجلوس تايمز» خاص لـ «البيان»