السبت 21 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 22 فبراير 2003 في الفصل الخامس من الكتاب الذي نناقشه هنا، يتحدث المؤلف عن حرب اكتوبر 1973 ويمهد لهذا الفصل بعنوان فرعي عن استعداد الرئيس المصري الراحل أنور السادات للحرب. ويقول المؤلف انه في شتاء عام 1973 أعطى السادات فرصة أخرى للدبلوماسية، فقد بعث مستشاره للأمن القومي حافظ اسماعيل ليجري مباحثات في واشنطن. وقد التقى المسئول المصري مع الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون في البيت الابيض في 23 فبراير 1973، ثم عقد ثلاثة اجتماعات سرية مع هنري كيسنجر في الفترة من 23 الى 25 فبراير. وقال كيسنجر بعد ذلك في مذكراته: «أراد حافظ اسماعيل أن تعود اسرائيل الى حدود 1967 مقابل استعداد مصر للسلام معها، وهذه خطوة كبيرة لأنه ما من دولة عربية قد قالت على الاطلاق، وبهذه الصراحة، انها سوف تقيم سلاماً مع اسرائيل، ومع ذلك لم يكن كيسنجر آنذاك مقتنعاً تماماً بأن عرض مصر جدي، بل ظل يتساءل عن أهداف السادات ودوافعه. بصراحة وفي لقاء أجري معه بعد ذلك أقر كيسنجر بصراحة بأنه كان «يرى في السادات احدى شخصيات أوبرا عايدة ولم يأخذه على محمل الجد، فقد ظل يدلي بتصريحات طنانة، ولكنه لم ينفذ شيئاً منها». وقال كيسنجر: «بصراحة ظننت انه يخادع». وعندما عاد حافظ اسماعيل إلى القاهرة، قدم تقريراً الى السادات عن اجتماعه في واشنطن. ووفقاً لما صرح به سعد الدين الشاذلي رئيس هيئة أركان الجيش المصري آنذاك، فإن حافظ اسماعيل ذكر ان كيسنجر قال له: «لا أستطيع التعامل مع مشكلتكم، إلا إذا أصبحت تشكل أزمة». ويقول سعد الشاذلي ان السادات اعتبر ذلك علامة على ان «كيسنجر كان يشجعه على الحرب، وكانت هذه الحرب هي الخيار الأخير». وكان الرئيس المصري يشعر بالاحباط، وفشلت اقتراحاته في التأثير على غولدا مائير رئيسة الوزراء الاسرائيلية التي رفضتها وتبنت ما سمي بخطة الجليل التي صممت لاستثمار المزيد من الأموال في الأراضي المحتلة بما في ذلك شمال شرق سيناء المتاخمة لمدينة رفح، حيث خططت اسرائيل لبناء مشروع صناعي، كذلك شعر السادات بأنه فشل ايضاً في التأثير على واشنطن واقناعها باخلاصه في رغبته في بدء حوار مع اسرائيل. كما كان السادات منزعجاً من ازالة التوتر وتحسن العلاقات بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، خلال بدايات السبعينيات، الأمر الذي اعتبره ضاراً بمصالح مصر، لأنه كان يرى انه لا يحتمل أن تهتم القوى الكبرى بمبادرة مهمة في الشرق الأوسط، إذا رأت أن لها تأثيراً سلبياً على علاقاتها المتحسنة. وفي العالم العربي الأقرب الى السادات وخاصة في مصر، أصبح السادات ـ كما يقول المؤلف ـ «أضحوكة الناس» لتكراره الوعود بأن «سنة الحسم» قد اقتربت من دون ان تتحقق وعوده، ومع مرور الزمن أخذ الناس يعتبرونها مجرد كلمات جوفاء، وكما قال كيسنجر، فإن السادات بدأ يصل تدريجياً الى نتيجة مؤداها ان الخيار الوحيد الباقي أمامه هو ان يفتعل أزمة يمكن ان تؤدي إلى تدخل القوى العظمى، وان تسفر نتيجة لذلك عن فتح حوار مع اسرائيل، ومن هنا وجه الرئيس المصري القادة العسكريين نحو الإعداد «لحرب محدودة» ضد اسرائيل. سر التحول يشير المؤلف إلى ان الجدير بالذكر هو ان موقف السادات هذا كان تحولاً مفاجئاً، وابتعاداً كبيراً عن سياسات سابقة كانت تتمسك مصر فيها سابقاً وبصلابة بسياسة الحرب الشاملة ضد اسرائيل واستعادة جميع الأراضي التي فقدتها عام 1967. وهنا يطرح المؤلف سؤالاً مهماً هو: لماذا قام السادات بهذا التغيير الكبير في سياسة مصر من الحرب الشاملة الى الحرب المحدودة؟ ويجيب بريغمان على السؤال الذي طرحه بقوله ان الرئيس جمال عبدالناصر توصل بعد حرب يونيو 1967 إلى أنه لكي تكون مصر قادرة على شن حرب شاملة ضد اسرائيل لتحرير جميع أراضيها التي فقدتها في الحرب، لابد من تحقيق شرطين: الأول، أن تحصل القاهرة على صواريخ سكود حتى تستطيع تهديد مراكز التجمعات السكانية الاسرائيلية، والشرط الثاني، هو أن تتوفر لدى السلاح الجوي المصري طائرات متطورة ذات مدى بعيد لتمكينه من التسلل الى عمق اسرائيل وضرب المطارات ومراكز الاتصالات والمنشآت الاستراتيجية الاخرى. والواقع ان عبدالناصر، عندما سافر الى موسكو في يوم 22 يناير 1970، ووفقاً لما ذكره الفريق محمد فوزي رئيس الأركان الذي رافقه «كرر مطالبته بمقاتلات قاذفة بعيدة المدى، لأن مدى قاذفاتنا لا يمكننا من الوصول الى عمق اسرائيل». وكان السادات ايضاً شأن سلفه، يدرك انه لن يستطيع تحرير الأراضي المصرية المحتلة ما لم تتوفر لديه هذه الأسلحة: صواريخ سكود والطائرات بعيدة المدى. وقد أشار الى هذا الأمر في رسالة سرية بعث بها الى الرئيس السوفييتي ليونيد برجنيف في 30 أغسطس 1972 وقال فيها: «لقد أشرت في مناقشاتنا العديدة إلى اننا نحتاج الى سلاح انتقامي لردع العدو... لعلمه بأننا نستطيع الرد من حيث النوع بمهاجمة مواقعه في العمق. لقد كان واضحاً ـ وما زال ـ اننا بتجريدنا من مثل هذا السلاح الرادع، سوف نظل عاجزين عن القيام بأي عمل عسكري». ويعلق مؤلف الكتاب على تلك الرسالة بقوله ان «الاسلحة الرادعة» التي كان السادات يشير اليها في رسالته هي صواريخ سكود، ولكنه كان يشكو في الرسالة نفسها من «الحظر الذي فرضتموه علينا في السنوات الخمس الأخيرة بالنسبة لأسلحة الردع». أما بالنسبة للطائرات بعيدة المدى التي طلبها السادات أيضاً والتي فرض السوفييت حظراً عليها على الرغم من احتياج مصر الشديد إليها إذا أرادت شن حرب شاملة لتحرير كل شبه جزيرة سيناء، فإن المؤرخ بريغمان يقول: انه يعرف هذا الموضوع من شهادة أدلى بها مؤخراً دبلوماسي سوفييتي، هو بافل أكوبوف الذي حضر الاجتماعات التي نوقشت فيها مسألة امداد مصر بالسلاح. ويقول أكوبوف: «لقد حضرت المفاوضات مع ناصر، وبعده كان السادات يطرح الموضوعات نفسها طوال الوقت... وكان السادات دائماً يطرح السؤال عن امداده بذلك النوع من السلاح الذي لا نريد اعطاءه لهم وهو: الطائرات التي تستطيع التحليق من القاهرة الى تل أبيب...». ويشير مؤلف الكتاب إلى ان من الضروري الاشارة إلى ان موسكو رفضت إمداد مصر بالمقاتلات القاذفة المتطورة وبـ «الاسلحة الانتقامية» لأنه كان من الواضح لدى موسكو، ولدى السادات ايضاً، انه إذا توفرت هذه الأسلحة لمصر فسوف تكون في موقف يمكّنها من قصف اسرائيل، ولم يكن ذلك في بداية السبعينيات في صالح الاتحاد السوفييتي بسبب علاقاتها التي تحسنت مع واشنطن. وهنا نجد تفسيراً لقرار السادات بالرجوع عن هدف مصر التقليدي وهو شن حرب شاملة لتحرير سيناء بأكملها، وقرار السادات، بدلاً من ذلك الاكتفاء بهدف محدود وهو تحرير جزء فقط من سيناء. وكان الرئيس المصري قد توصل ـ مثل سلفه ـ إلى التأكد من ان موسكو لن تمده بطائرات بعيدة المدى ولا بصواريخ سكود، ولهذا فقد اتخذ السادات قراره بمحاولة تحقيق هدف محدود على أمل أن تسمح له ضربة تأديبية لاسرائيل باختراق الطريق السياسي المسدود واسترداد أرضه عبر المفاوضات السياسية. ويستشهد مؤلف الكتاب بما ذكره المشير محمد عبدالغني الجمسي في مقابلة معه إذ قال: «إن فكرة الحرب المحدودة نبعت من حقيقة اننا لم نكن نملك معدات كافية لدخول حرب شاملة، وان السوفييت لن يعطونا أسلحة كافية». وبناء على تعليمات السادات بدأت القيادة المصرية العليا في رسم الخطط لشن حرب محدودة ضد اسرائيل، ولجأت إلى تنفيذ عمليات تعبئة مزيفة للقوات لخداع الاسرائيليين. وقد تم اجراء 22 عملية تعبئة في الفترة ما بين عام 1972 و1973، إلى أن بدأ الهجوم على اسرائيل في النهاية في عملية التعبئة الثالثة والعشرين، ووقعت اسرائيل في الفخ. حكاية «الصهر» ونأتي الآن الى القصة التي توقف عندها الكثيرون، والتي يضع المؤلف لها عنواناً فرعياً في الفصل الخامس من الكتاب هو «العميل المزدوج» ويستهله بقوله ان اسرائيل وقعت في فخ الخديعة التي قامت بها مصر، وفشلت في اعداد نفسها للحرب على جبهتين وتعبئة قواتها الاحتياطية في الوقت المناسب لردع، أو على الأقل، مواجهة الهجوم المصري ـ السوري، إذا اقتضت الضرورة. ويرى المؤلف انه من الضروري ان يعود إلى الأيام التي تلت حرب يونيو 1967 لفهم ما حدث في حرب اكتوبر 1973. وهنا يبدأ في الحكاية فيقول انه بعد مرور عامين على حرب يونيو 1967 وقف شاب مصري على درج باب سفارة اسرائيل في لندن، طالباً العمل مع الموساد. وكانت طريقته تلك غريبة وغير مألوفة في التطوع لخدمة ذلك الجهاز، ولم يكن غريباً أن يقوم ممثل الموساد في السفارة بصرف هذا الشاب، ولكن ذلك المصري أصر على رأيه، وقبل أن يدير ظهره ترك تفاصيل البيانات اللازمة عنه، ووعد بأن يعود مرة أخرى. وقد عاد بالفعل بعد عدة أيام. وكان جهاز الموساد قد فرغ بالفعل من فحص هوية ذلك الزائر الذي جاء بلا دعوة من أحد. وأصابت الدهشة خبراء جهاز المخابرات الاسرائيلية، بل لم يصدقوا عيونهم ايضاً، عندما اكتشفوا ان ذلك الشاب المصري لم يكن موظفاً رسمياً مهماً فحسب، بل انه ايضا عضو لصيق جدا من اعضاء عائلة جمال عبد الناصر، بل وكان في الحقيقة ايضا محبوباً جدا لدى الزعيم المصري، حتى انه الحقه بطاقم موظفي رئاسة الجمهورية، فضلا عن تكليفه بمهام في بعض دول العالم كسفير متجول. وكان الشاب شخصا جذابا ودفعه ذكاؤه الى تأكيد صورة الرجل القريب من الرئاسة في الأذهان، كما كان ماهرا في طرح أفكار ومبادرات جديدة. ويزعم مؤلف الكتاب ان هذا الشاب، الذي يصفه بأنه «صهر الرئيس» من دون ان يذكر اسمه، كان يجمع المعلومات عن الشخصيات الرئيسية في العالم العربي، وخاصة في الكويت والمملكة العربية السعودية، حيث كان يقيم علاقات وطيدة. ويدعى المؤلف انه لم يكن مندهشاً ان يسارع الموساد الى استخدام الشاب المصري فورا وسرعان ما اصبح اهم جاسوس رئيسي في تاريخ الموساد، هكذا يصف أهرون بريغمان شخصية الشاب المصري الذي اخذ المؤلف بعد ذلك يشير اليه دائما بين قوسين باسم «الصهر». وثائق «الدكتور» لقد استفاد الشاب من وفاة عبدالناصر فائدة كبيرة، وكذلك استفاد جهاز الموساد نظرا لأن السادات كان مهزوزا ـ فحسب وصف بريغمان ـ في بداية الامر وفي حاجة ملحة لاحاطة نفسه بالناس المهمين، وكان من المؤكد ان قريب عبدالناصر كان واحدا من هؤلاء الذين ارادهم رئيس ا لجمهورية الجديد حوله. وعلت منزلة الشاب المصري في ظل السادات واسندت اليه عدة مناصب مهمة مثل منصب وزير دولة، وسكرتير الرئيس للمعلومات، وسرعان ما اصبح التابع الأمين للسادات وكاتم اسراره، ولم يعرف حقيقة شخصية عميل الموساد الكبير الا عدد محدود في اسرائيل، ونظرا لقربه الشديد من الرئاسة المصرية، كان يكافأ بمبلغ كبير 10 الف جنيه استرليني عن كل لقاء مع مندوب الموساد، وكانت تقاريره تقرأ كما هي دون تغيير، ويتولى قراءتها كبار شخصيات المؤسسة السياسية ـ العسكرية في اسرائيل: رئيس الوزراء، ووزير الدفاع، ورئيس جهاز الموساد، ومدير المخابرات العسكرية، وحتى لا ينكشف اسمه الحقيقي اطلقوا عليه لقباً مستعارا هو «الدكتور» او كانوا يشيرون اليه بعبارة عبرية معناها «الصهر». ويزعم المؤرخ بريغمان ان «الصهر» أمد الموساد بمعلومات مهمة، وعندما قارنها رجال الموساد بمعلومات من مصادر ووكالات اخرى وجدوها دقيقة وموثوقا بها ويمكن الاعتماد عليها، ومن أهم الوثائق على الاطلاق التي نقلها «الصهر» الى مسئول الاتصال به من جهاز الموساد، نص المحادثة التي اجراها الرئيس عبد الناصر عندما كان في موسكو يوم 22 يناير 1970 عندما كرر ـ كما اوضحنا ـ طلب امداده بالقاذفات المقاتلة بعيدة المدى لان مدى قاذفاته الموجودة لديه لا يمكنه من الوصول الى عمق اسرائيل. ويذكر المؤلف ايضا ان هناك وثيقة مهمة اخرى سلمها الجاسوس المصري للموساد وهي الرسالة السرية التي بعث بها الرئيس أنور السادات الى الرئيس السوفييتي ليونيد بريجنيف يوم 30 اغسطس 1972، وقد سبق ان اوضح المؤلف ان السادات طلب فيها «اسلحة انتقامية» لردع اسرائيل، وان مصر، بدون هذه هذه الاسلحة ـ تظل عاجزة عن القيام بأي عمل عسكري ضد اسرائيل. تأليف: أهرون بريغمان _ عرض ومناقشة: صلاح عويس