الجمعة 20 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 21 فبراير 2003 تقدم افريقيا بعضاً من اجمل المناظر على وجه الارض.. الحياة البرية التي تجوب سهل سرينجيتي والثلوج التي تتلألأ على قمة جبل كليمنجارو والمياه الهادرة في شلالات فيكتوريا وحشود طيور النحام التي تحيط ببحيرة ناكورو على شكل سحابة من اللون الوردي. مقابل كل منظر من هذه المناظر، هناك المئات من الوجهات السياحية الافريقية الاخرى التي تغري السياح الذين ينشدون الشواطيء الرملية او جمال الطبيعة. ومع ذلك، فان السياح لا يتوافدون عليها، على الاقل ليس بالارقام التي توقعها الافارقة في يوم من الايام. وفي اعقاب الهجمات الارهابية في 11 سبتمبر 2001، ذهب بعض خبراء السياحة والسفر الى القول ان الاميركيين سيفكرون الآن بافريقيا كوجهة سياحية آمنة نسبياً، بينما سيجعل الهبوط الكبير في قيمة عملة جنوب افريقيا، الراند، من هذه البلاد وجهة جذابة بشكل خاص للسياح الاوروبيين. وقامت شركات الطيران بسحب طائراتها من خط شمال الاطلسي ضعيف الحركة لكي تخدم الوجهات السياحية الافريقية، بينما قامت خطوط النقل البحري السياحي بتحويل سفنها من البحر المتوسط الى طرق على الساحل الطويل لكيب تاون. ولكن عام 2002 جاءت نتائجه مخيبة للآمال، حيث انخفض العدد الاجمالي للسياح عملياً. ولايزال ثلاثة ارباع السياح الذين يزورون افريقيا يأتون من اوروبا و11% فقط من اميركا الشمالية. وقد حافظت السوق الملائمة لرحلات السفاري الرائعة والعطلات المتخصصة على وضعها بصورة جيدة نسبياً، ولكن الفكرة القائلة ان السياحة يمكنها ان تقدم دعماً كبيراً للاقتصادات المحلية تلقت ضربة. تتخذ المشكلة منحى حاداً بشكلا خاص في شرقي افريقيا، حيث رأت كل من كينيا وتنزانيا وزيمبابوي آمالها بالتحسن السياحي تتلاشى. لقد كان ساحل كينيا انجح الوجهات في افريقيا بالنسبة لسوق العطلات الجماعية خلال العشرين عاماً الماضية، ولكن جاذبيته تظل عرضة لتأثير الاضطرابات المحلية والخارجية. ففي عام 1997، ادى اندلاع اعمال العنف السياسي والعرقي الى تخفيض حجوزات الفنادق بمعدل 50%، وفي اغسطس التالي، ادى تفجير تنظيم القاعدة للسفارة الاميركية في نيروبي الى مقتل 240 كينياً. وعادت صناعة السياحة لتنتعش في عام 1999، عندما زار البلاد قرابة مليون سائح، ولكن السياحة الكينية اثبتت انها اقل مرونة بعد احداث 11 سبتمبر. فقد تخوف السياح ومنظمو الرحلات السياحية على حد سواء من ان السياح في شرق افريقيا مازالوا معرضين لخطر الارهاب، وهذه المخاوف ابقت الارقام منخفضة. وقد شاهد اولئك الذين ظلوا بعيدين عن المنطقة مخاوفهم تتحقق في نوفمبر 2002 عندما ادى هجوم انتحاري آخر للقاعدة ـ وفي هذه المرة ضد منتجع في مومباسا كان يعج بالاسرائيليين ـ الى مقتل 16 شخصاً آخر. تعتبر تنزانيا واحدة من افقر دول العالم، ولكن السياحة كانت احدى نقاطها القليلة المشرقة. ومع جذب نجاح المنتجعات الكينية للسياح الى سواحل زنجبار، زاد عدد السياح بنسبة تزيد على 15% كل عام بعيد عام 1996. واستقبلت البلاد نصف مليون زائر في عام 2001، ووضعت الصناعة السياحية خططاً لاستيعاب مليون زائر بحلول عام 2010. ولكن هذه الآمال احبطت بفعل المخاوف من نشاط القاعدة في المنطقة. فقد تعرضت السفارة الاميركية في دار السلام للهجوم في عام 1997 في نفس اليوم الذي شهد تفجير نيروبي، ومنذ 11 سبتمبر، اذكت حدود المنطقة سهلة الاختراق المخاوف على سلامة السياح في تنزانيا بوجه عام وزنجبار بوجه خاص. ان المناطق الساحلية في افريقيا بعيدة جداً عن اندونيسيا، ولكن صدى حادثة تفجير النادي الليلي في بالي في اكتوبر 2002 وصل الى زنجبار. فالنادي المستهدف كان يقدم خدماته بشكل خاص للسياح الاجانب. وكان الكثير من الاستراليين من بين القتلى الذين فاق عددهم المئتين. وخوفاً من تعرض السياح للاستهداف في اماكن اخرى، صعدت الحكومات الغربية من تحذيراتها للسياح المسافرين الى ما وراء البحار. وادى تحذير اميركي وبريطاني واسترالي يتعلق بتهديد ارهابي لزنجبار الى موجة الغاءات للحجوزات خلال ذروة فترة الاعياد والى الاغلاق اللاحق للعديد من الفنادق الكبيرة في المنطقة. وعلى النقيض من ذلك، كان الضرر في زيمبابوي من صنع ايديهم انفسهم. فهذه البلاد التي كانت تعرف باسم روديسيا سابقاً، والتي كانت من بين اشهر الوجهات السياحية في القارة، قد هزت مؤخراً بفعل الاضطرابات والعنف التي تسبب بها الرئيس روبرت موغابي من خلال جهوده الرامية الى الاحتفاظ بالسلطة. فقد زادت السياحة بمعدل 20% في النصف الاول من عام 2002، ولكن في اواخر العام الماضي، حذرت الحكومة البريطانية السياح من المعدلات العالية للجريمة العنيفة في جنوب افريقيا، وذكرت بوجه خاص ان الجماعات المتطرفة ربما تستهدف تجارة العطلات السياحية. واذا ما حذت حكومات اخرى حذوها، فان منظمي الرحلات سرعان ما سيلاحظوا ذلك. ان التراجع في السياحة كان له تأثير كبير في شرق وجنوب افريقيا. وتستحوذ السياحة على 15% من الناتج الاقتصادي لتنزانيا وتعني توفير 300 الف فرصة عمل في كينيا. وهي تشجع على تطوير قطاع النقل والخدمات الحكومية بينما توفر سوقاً للانتاج المحلي والاشغال اليدوية المنزلية. وعلى الرغم من ان معظم اموال السياحة تغادر المنطقة بدون ان تؤثر على الاقتصاد الوطني ـ معظم الفنادق الكبيرة مملوكة للاجانب وتستورد الكثير من لوازمها ـ الا ان ما يتبقى يعتبر ضرورياً، وضياع العملة الصعبة ترك اثراً عميقاً. وتوقعت منظمة السياحة العالمية مؤخراً، ان تنمو السياحة في شرق افريقيا بمعدل 170% في الاعوام الـ 17 المقبلة. ولكن بالنسبة للبدان التي رهنت مستقبلها بتزايد العوائد السياحية، وكذلك بالنسبة للقادمين الجدد مثل موزامبيق، فان مثل هذه التوقعات لا تبدو اكثر من اوهام. وفي ظل شبح الحرب في الشرق الاوسط الذي يلوح في الآفاق ويزيد من ردع السياح المثبطين اصلاً بفعل الركود الاقتصادي والمخاوف الارهابية، فان الاشهر القليلة الماضية اكدت من جديد مدى هشاشة صناعة السياحة امام عوامل تعتبر خارج نطاق سيطرة الحكومات المحلية. ويتضح من ذلك ان امتلاك بعض من اجمل المناظر في العالم ليس كافياً لاجتذاب السياحة. ضرار عمير