الجمعة 20 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 21 فبراير 2003 عندما يدور الحديث حول الأزمة العراقية، فإن التخوف الأول الذي يتبادر للذهن يتجه نحو النتائج الممكنة جراء استخدام أسلحة التدمير الشامل والمعاناة الانسانية التي يمكن ان تسببها عمليات القصف. ومع ذلك ننسى احياناً كثيرة ان هذه الارض المروية بمياه دجلة والفرات تحتضن كنوزاً ثقافية لا تقدر بثمن. ولقد أكدت باربرا فنستر، الاكاديمية الألمانية من معهد الفنون الاسلامية والآثار في جامعة بامبرغ، ان «العراق، الذي يعد مهد اقدم الثقافات في العالم، يمتلك العديد من النصب التذكارية بدءاً مما قبل التاريخ حتى القرن الرابع عشر الميلادي». ومن شأن زيارة لبغداد او البصرة او بابل او الموصل تسمح بإلقاء نظرة فريدة في مرآة التاريخ. وبالفعل، فلقد باشر القائمون على المتحف الوطني العراقي في بغداد بسحب القطع الاثرية الرئيسة امام تهديد الحرب اذ يشير احد الاختصاصيين في فنون الشرق الاوسط الى ان: «المتحف الذي يأوي اروع مجموعة من القطع الاثرية لبلاد ما بين النهرين، يقع مقابل محطة تلفزيونية ستكون في حالة اندلاع الحرب، هدفاً للهجمات» ويذكر هذا الخبير ان الصواريخ اخطأت هدفها عام 1991 واخترقت المتحف. وخلال مرحلة فوضى الحرب وما بعدها، نهبت كنوز المتحف، الذي لم يعد فتح أبوابه الا منذ اقل من عام بقليل، حيث يمكن ان تشاهد تماثيل ومواد عثر عليها في القبور وألواح مطبوع عليها كتابة مسمارية وأختام. وتعرض في احدى قاعات المتحف الأشكال القوية للثيران وصوراً جدارية للآشوريين كما توجد تماثيل برونزية للحيوانات وكذلك الحلي والخواتم والقطع الذهبية. من جانبها، تؤكد مارغريت فان إيس، مديرة قسم بغداد في المعهد الأثري الألماني، ان بغداد ليست مركز الثقافة العراقية، ذلك لان «ابرز الكنوز موجودة في بابل والضواحي». وتشير الى ان هذا طبيعي اذا اخذنا بعين الاعتبار ان بابل ـ 90 كيلومتراً الى الجنوب من بغداد ـ كانت عاصمة الملوك الحامورايين (1686-1728 قبل الميلاد) ونبوخذ نصر (562-605 قبل الميلاد)، وهناك توجد الشواهد التاريخية الأكثر اهمية ودلالة على اولى الحضارات فخلال 15 قرناً، كانت بابل مركز الثقافة والمقر الاداري للعموريين منذ عام 1850 قبل الميلاد. وفي العصرين اليوناني والروماني، لم تصبح اسوار بابل مشهورة وحسب، فلقد كانت حدائقها المعلقة تعتبر منذ ذلك الحين من عجائب الدنيا السبع. وتقول فان إيس ان القصف على بابل من الممكن ان يلحق الضرر بشارع المواكب المغطى بالبلاط والذي يمتد من معبد مردوك الى القصر الملكي، والذي يصل الاماكن المقدسة بالقصور. ويضيف عالم آثار آخر انه «من الممكن ان تضيع اللقى الأثرية التي عثر عليها اثر التنقيبات الجيولوجية في أور، مثل المقابر الملكية او بقايا القصر السومري في أورك». كما يمكن ان تصيب الاضرار قصر الخلفاء الذي يعود تاريخه الى القرن التاسع الميلادي، علاوة على احد اكبر المساجد في العالم، وهو مسجد سامراء، الواقع على بعد 100 كيلومتر الى الشمال من العاصمة بغداد. ويقدر الخبراء انه يوجد في العراق نحو 10 آلاف موقع اثري ومدينة تاريخية وان غالبية هذه المواقع والمدن لم يتم التحقق منها بعد، علماً ان مدينة بفُّْف، التي يعود تاريخها الى عصر الـ ذفَُُّّْ (من القرن الأول الى القرن الثالث الميلادي) قد اعلنت ارثاً للانسانية من جانب منظمة «اليونيسيف». باسل ابو حمدة