الخميس 19 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 20 فبراير 2003 طرح الكثير من النظريات والأفكار المعنية بالنظام الدولي أو المجتمع العالمي. فهذا النظام لم يشغل بال المنظرين والفلاسفة والاجتماعيين وحسب، كما كانت الحال عليه في القرون السابقة، بل شغل بال رجال السياسة في المقام الأول طالما انه يشتمل دوره على العلاقات التي تقوم بين أعلى مراتب المجتمع، وهي الدول، وعلى آلية وطبيعة هذا النظام والأسلوب الذي تعمل الدول من خلاله فيما بينها. ولذلك كان العصر الحديث مسرحا كبيراً لمثل هذه الأفكار، في ظل ادراك الكثير من الدول للأهمية الكبيرة التي تتأتى من جراء ايجاد نظام عالمي مشترك يحافظ على قيم وسيادة وحقوق الدول والشعوب والأقاليم، خاصة اثر النزاعات المسلحة والحروب الدامية وحالة الاحتلال التي استمرت لأكثر من قرون وحصدت معها ملايين البشر وغابت معها دول وامبراطوريات ومهدت الطريق لولادة دول أخرى. وفي الكتاب الذي نناقشه هنا يسعى المؤلف هيدلي بل، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة أكسفورد سابقا، من خلال مناقشة الكثير من الأفكار والنظريات التي طرحها كبار الفلاسفة والسياسيين والمفكرين على مر العصور والقرون، مثل أوغستين وأرسطو وفرانسيس بيكون وعمانوئيل كانت وجان جاك روسو ولينين وتشرتشل وكيسنجر وغيرهم، الى البحث عن أجوبة لثلاثة أسئلة رئيسية تتعلق بطبيعة نظام السياسة العالمية، وكيف يمكن المحافظة عليها في نظام الدول المعاصر، وما هي البدائل الواقعية للنظام العالمي التي تتمتع بآليتها العملية وتحظى بموافقة الجميع. وفي الوقت ذاته يؤكد المؤلف ان نظام الدول ذات السياسة ليس آخذاً بالاضمحلال من جهة، وهو، على عكس ما يراه المفكرون، لا يقف عقبة في طريق النظام العالمي، بل يعد جزءا أساسيا منه هيكليته وتركيبته وآليته. ومن خلال دراسته المعمقة للكثير من الفرضيات والأفكار التي تناول النظام العالمي ومجتمع الدول على مر العصور، عمد الكاتب في الفصل الأول الى تعريف النظام الدولي والقول ان مثل هذا النظام ينبض بالحياة في السياسة العالمية، وثمة علاقة كبيرة بين النظام والعدالة في السياسة العالمية. وفي الفصل الثاني يسعى الى القول ان هذا النظام يتم استتبابه ضمن نظام الدول المعاصر من خلال العديد من الآليات، مثل توازن القوى والقانون الدولي والدبلوماسية والحرب والموقع الذي تتمتع به القوى العظمى. أما الفصل الثالث فيناقش بدائل النظام السياسي العالمي الحالي. وفي هذا الفصل أيضا يدرس الكاتب بتفصيل ويدحض الفكرة القائلة بأن نظام الدول الحالي قد شرع بالأفول لتحل محله الحكومة العالمية، ويفند أيضا الرأي الذي يدعي بأن نظام الدول غير قادر على التعامل مع الكثير من الأهداف التي ينشدها المجتمع المعاصر، كالسلام والعدالة الاقتصادية، والسيطرة على البيئة. جوهر العلاقات الدولية ينطلق الكاتب بالقول ان النظام العالمي هو مجرد مخطط يسعى الى الحفاظ على الأهداف الرئيسية والثانوية لمجموعة الدول، أو المجتمع الدولي. وهو لذلك يرى ان العلاقات الدولية تتجسد من خلال وجود الدول، أو المجتمعات المستقلة سياسيا التي تتمتع بحكومات خاصة بها وذات طبيعة حكم خاصة، سواء أكانت ملكية أو جمهورية أو امبراطورية، تمد نفوذها على مساحة جغرافية على هذه الأرض ولها شعبها الخاص بها. وتعتبر السيادة عاملا في منتهى الأهمية لكينونة هذه الدول، والتي تنقسم الى نوعين من السيادة: الداخلية التي تمثل السيطرة على جميع السلطات التي تقع ضمن الحدود الجغرافية والسكانية لتلك الدولة، والخارجية التي لا تعني السيطرة، بقدر ما هي الاستقلالية عن السلطات الخارجية. ووفقا لتعريف الكاتب، تشتمل المجتمعات السياسية المستقلة، التي هي دول في الحقيقة، على الدول التي قامت على شكل مدن، مثل المدن التي نشأت في اليونان القديمة أو في ايطاليا في عهد النهضة، أو الدول القومية، التي تمتد لتعني الدول التي يكون فيها نظام الحكم قائما على أساس سلالة حاكمة شرعية، كالحكم الذي هيمن على أوروبا المعاصرة حتى اندلاع الثورة الفرنسية، أو ان تكون الدول التي يعتمد فيها الحكم على مبادئ شرعية شعبية أو قومية، مثل الحكم الذي هيمن على أوروبا في المرحلة التي تلت الثورة الفرنسية. وتشتمل هذه الدول بدورها على الدول متعددة القوميات، كالامبراطوريات التي ظهرت في أوروبا في القرن التاسع عشر، أو الدول ذات القومية الواحدة، التي تنقسم الى دول تتبعثر أقاليمها الى أجزاء، كما هي الحال مع معظم دول غرب أوروبا ذات الامبراطوريات على امتداد المحيطات، أو الدول التي تشكل فيها الأراضي مجرد اقليم واحد. وينشأ النظام الدولي عندما تتمتع دولتان أو أكثر بدرجة كافية من الاتصال فيما بينهما، ويكون لكل واحدة منهما تأثير على قرارات الأخرى بأسلوب يجعل هذه الدول تبدو الى حد ما جزءا من كل متكامل. ويمكن لدولتين أو أكثر ان تظهرا من دون ان يشكلا بالضرورة نظاما دوليا بهذا المعنى: كما حصل مع المجتمعات السياسية المستقلة التي ظهرت في الأميركيتين قبل رحلة كولومبوس الشهيرة ،وكذلك المجتمعات السياسية المستقلة التي نبضت بالحياة في الصين في فترة الدول المحاربة (481 -221 قبل الميلاد) اذ لم تشكل هذه المجتمعات أي نظام دولي يماثل في تركيبه الداخلي أو هيكليته التنظيمية ما ظهر في اليونان والبحر المتوسط في تلك الفترة. وهكذا عندما تكون الدول على اتصال منتظم فيما بينها، ويكون هذا الاتصال على درجة وثيقة تجعل من سلوك كل دولة عاملا ضروريا في حساب الدولة الأخرى، فعندئذ يمكن القول ان هذه الدول تشكل نظاما ما. وفي المقابل تكون الاتصالات بين هذه الدول اما مباشرة -عندما تكون الدول متجاورة أو متنافسة للوصول الى الهدف ذاته أو تتشاطر هدفاً مشتركاً، أو ان تكون هذه الصلات غير مباشرة- اذ تتعامل دولتان من خلال طرف ثالث أو ان تأثير احدى الدول يؤثر على النظام الاجمالي. وخير الأمثلة على ذلك طبيعة العلاقات التي تربط ما بين نيبال وبوليفيا، اذ ليست هاتين الدولتين جارتان أو متنافستان أو شركاء في هيئة مشتركة (باستثناء الأمم المتحدة التي ينتميان اليها)، ولكن تؤثر كل واحدة منهما في الأخرى من خلال سلسلة الروابط مع الدول التي يشاركان فيها. وعلاوة على ذلك فان العلاقات بين الدول والتي يمكن من خلالها تعريف نظام دولي قد تأخذ شكل تعاون أو صراع أو حيادية أو عدم اكتراث بما يتعلق بمصالح الدول الأخرى، على ان هذه الصلات قد تمتد لتشمل طيفا متكاملا من الروابط السياسية والاستراتيجية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتجارية وما شابه ذلك ،كما هي الحال عليه في الواقع المعاصر. ثم ينتقل المؤلف للحديث عن المجتمع الدولي ويقول ان هذا المجتمع ينشأ عندما تشكل مجموعة من الدول ذات المصالح والقيم المشتركة مجتمعا يرون أنفسهم فيه مرتبطين بمجموعة قوانين مشتركة في علاقاتهم المتبادلة من جانب ويتشاطرون العمل على ايجاد مؤسسات مشتركة. وفي الوقت ذاته تتعاون هذه الدول فيما بينها على ارساء الاجراءات أو المبادئ التي تعمل من خلالها تلك المؤسسات، مثل اجراءات القانون الدولي وآلية الدبلوماسية ومنظمة دولية عامة وعادات وتقاليد الحروب. ويتميز النظام العالمي بكونه أكثر جوهرية وهيمنة من النظام العالمي، اذ ان الوحدات التي تكوِّن المجتمع الكبير لكافة البشرية لا يتعلق بالدول حسب (بما فيها الأمم والقبائل والامبراطوريات والطبقات والأحزاب)، بل يشتمل على البشر منفردين، الذين ينفردون ويتميزون على الدول في دائمية وجودهم وعدم قدرتهم الى الانقسام الى هيكليات أصغر. النظام العالمي المعاصر يشير المؤلف الى ان بعض العوامل تسهم الى درجة كبيرة في استقرار النظام العالمي المعاصر الذي يرى فيه ان الدول الكبرى النووية اللاعب الأكبر والمساهم الفعال في المحافظة على استقراره الى درجة كبيرة. وتتراوح هذه العوامل والفرضيات ما بين توازن القوى والقانون الدولي والدبلوماسية وحتى الحرب التي يعتقد انها، على الرغم من تباين أدوارها وآليتها، تسهم الى درجة كبيرة في المحافظة على النظام الدولي المعاصر. وأسهم وجود توازن القوى في تحقيق ثلاث وظائف تاريخية في نظام الدول المعاصر. فوجود نظام قوى عام ضمن النظام الدولي ككل منع هذا النظام من ان يتحول الى امبراطورية عالمية من خلال الفتوحات وحالات الغزو بالقوة العسكرية الضخمة. وعملت حالة توازن القوة المحلي في حماية استقلال الدول في مناطق ما من سيطرة القوى ذات النفوذ الأكبر محليا. وفي المقابل، طرحت توازنات القوى، العامة والمحلية على حد سواء، الظروف التي تعتمد وتعمل من خلالها المؤسسات والمفاهيم الأخرى الخاصة بالنظام الدولي (الدبلوماسية، والحرب، والقانون الدولي وادارة القوى العظمى). أما القانون الدولي فيشكل هو الآخر عاملا مهما في الحفاظ على النظام الدولي. ففي المقام الأول يعرَّف هذا القانون فكرة مجتمع الدول ذات السيادة، أو بعبارة أخرى يظهر بنحو واضح المعالم المبادئ الجوهرية أو الدستورية للسياسة العالمية في المرحلة الحالية. فالنظام المعني بالمجتمع الكبير لكافة البشر قد تمت المحافظة في المرحلة الحالية ضمن نظام الدول المعاصر، وذلك من خلال القبول بكافة المبادئ التي تنص على انقسام البشر والأقاليم الى دول تتمتع كل منها باستقلاليتها ومنطقة نفوذها الخاصة بها، ولكنها ترتبط في الوقت ذاته مع غيرها من الدول عبر مجموعة من القوانين المشتركة. ويتمثل الدور الثاني الذي يلعبه القانون الدولي في المحافظة على النظام الدولي في التعريف بالقوانين الأساسية المتعلقة بالوجود المشترك ما بين الدول وما بين القيم والمبادئ المتعددة والمشتركة ضمن المجتمع الدولي. وتتعلق هذه القوانين بثلاثة مجالات رئيسية: وقف العنف في ما بين الدول، والاتفاقيات التي يتم ابرامها، والقوانين المتعلقة بالاستقلال والسيادة. وتسهم الدبلوماسية في تسهيل عملية الاتصال ما بين رؤساء الدول والكيانات الأخرى ضمن السياسة العالمية. فمن دون هذا الاتصال لن يكون ثمة أي مجتمع دولي، ولا وجود لنظام دولي على الاطلاق، من هنا يكون دور الدبلوماسيين أشبه بالرسل الذين يتحتم عليهم تأدية الأدوار المنوطة بهم على أكمل وجه. ويتمثل الدور الذي تلعبه الدبلوماسية في المفاوضات لابرام الاتفاقيات. فمن دون عامل التفاوض للوصول على نقاط مشتركة للمصالح الخاصة بالدول والمجتمعات السياسية سيكون الخيار الآخر هي حالة من العداءات الدائمة أو القوة العسكرية. ولذلك يكون الدبلوماسي الناجح هو الشخص القادر على الوصول الى قاعدة مشتركة، على الرغم من أنها تعني تداخل المصالح، واقناع الأطراف المختلفة بأهمية مثل هذه الاتفاقيات على حساب تحقيق كافة المصالح. وتجسد الدبلوماسية أيضا مصدرا لجمع المعلومات الاستخبارية عن الدول الأجنبية. فالسياسات الخارجية لكل دولة ينبغي ان تقوم على أساس المعلومات المتعلقة بالتطورات التي تطرأ على العالم الخارجي. وفي الوقت الذي تسعى الدول الى حجب معلومات ما عن الدول الأخرى، خاصة تلك التي تمس النظام الأمني والسياسي الداخلي، فانها تهتم أيضا بأن تشاطرها بقية الدول بعض المعلومات. ولقد لعب الدبلوماسيون، كما يرى المؤلف، دورا كبيرا في جمع المعلومات الاستخباراتية، وهو الأمر الذي انعكس في الوقت الحاضر من خلال منصب الملحق العسكري الذي تم ايجاده في بداية القرن التاسع عشر لتحقيق مثل هذا الهدف وجمع ما أمكن جمعه من معلومات عسكرية عن الدولة التي يقيم فيها أو الدول المجاورة، أو الحصول على المعلومات بأسلوب غير مباشر. أما الدور الذي تلعبه الدبلوماسية فهو التقليل من حالة المشاحنة بين الدول، والتي يتكرر حصولها خاصة في الوقت الحاضر لما يتعلق بالمظالم والحساسيات والتدخل بين الدول حتى الدول التي تتشاطر أهدافاً وقيماً متقاربة للغاية. فتقليل مثل هذه الحالات والسعي الى احتواء تأثيراتها قدر الامكان من خلال ايجاد المبررات يعد من العوامل الأساسية التي تلعبها الدبلوماسية. ويعتقد المؤلف ان دور الحرب في نظام الدول المعاصر يمكن ملاحظته من خلال ثلاثة جوانب: ضمن الدول المنفردة، وضمن نظام الدول، وضمن مجتمع الدول. فمن منظور الدول المنفردة تلعب الحروب أداة سياسية تتيح للدول من خلالها الوصول الى أهدافها المختلفة. فعلى الرغم من ان التاريخ يحفل بالكثير من الأمثلة التي انخرطت فيها الدول في الحروب بمحض الصدفة أو انها أرغمت على ذلك، لكن الكثير من الحروب قد حققت لسائر الدول الأهداف التي كانت تصبو اليها. فالحروب التي أضرمها الكاردينال ريشيليو لتحديد نفوذ الهابسبرغ، أو الحروب التي أشعل فتيلها فريدريك الثاني لجعل بروسيا دولة قوية، أو حروب بسمارك لتوحيد ألمانيا وتعزيز نفوذها في قلب أوروبا، أو الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة لكبح جماح وتأثير دول المحور في الحربين العالميتين، قد نجحت جميعا في تحقيق الأهداف المنشودة. ومن منظور النظام الدولي، تبدو الحروب والتهديد بشنها من العوامل الحاسمة التي تقرر ان تبقى دول ما أو تزول، يتعزز نفوذ هذه الدول أو يغيب دورها، وهل تبقى حدودها الحالية على ما هي عليه أو تتغير، أو ان يحكم شعوبها حكومة واحدة أو يتغير نظام الحكم، وهل يتم حسم كافة النزاعات والصراعات الداخلية وكيف يتم ذلك. من هنا يرى الكاتب بأن الحرب أو التهديد بشن الحرب ليست مجرد عامل مساهم في شكل النظام الدولي، بل انها عامل أساسي بحيث ان المسميات والمصطلحات التي يتم تداولها- مثل خلال القوى العظمى والصغرى، التحالفات ومناطق النفوذ، وتوازن القوى- ذات صلة هي أقرب الى الحرب وتهديد شن الحرب منها الى السلام والنظام العالمي. ومن وجهة نظر المجتمع الدولي، ويعني الكاتب بها القيم والقوانين والمؤسسات التي يتفق عليها نظام الدول جميعا، تتمتع الحرب بجانبين مختلفين. فمن جانب، تعكس الحرب حالة الفوضى في المجتمع الدولي، اذ تجلب معها التهديد المتمثل بتقسيم المجتمع الدولي الى حالة من العدائية المحضة أو حالة من الحرب التي تكون بين الكل وضد الجميع. من هنا يهتم المجتمع الدولي بتحديد واحتواء الحرب، وأن تكون ضمن الحدود والقوانين التي رسم معالمها المجتمع الدولي ذاته. ومن جانب آخر تجسد الحرب أداة يحتاجها المجتمع الدولي نفسه لتحقيق الكثير من أهدافه ومراميه، اذ أنها تمثل، وبنحو خاص ضمن المجتمع الدولي، الوسيلة لتعزيز القانون الدولي، والحفاظ على توازن القوى، والحفاظ على التغييرات التي يراها القانون الدولي عادلة. بدائل النظام الحالي يعتقد الكاتب ان العديد من التغيرات التي طرأت على البنية السياسية الحالية للعالم يمكن ان تمثل انتقالا من مرحلة الى أخرى من مراحل نظام الدول، وليس بديلا كاملا عن هذا النظام القائم على أساس وجود الدول. ومن هنا فهو لا يرى بدا من أيجاد طيف من البدائل التي طرحها المنظرون والسياسيون والتي، على الرغم من أهميتها ودورها الكبير، لا يمكن بأي شكل من أشكال ان تكون بديلا كاملا عن النظام الحالي. وتتعلق هذه البدائل بطبيعة تسلح الشعوب وايجاد حل كامل، بصرف النظر عن شكله، لحالة الحروب والهيمنة. ومن بين هذه البدائل يتمثل بايجاد عالم مجرد تماما من السلاح ويتضمن انتقالا جوهريا صوب نزع الأسلحة من هذا العالم، على ان يبدأ في المرحلة الأولى بنزع أسلحة الولايات المتحدة وروسيا. وفي تلك الحالة تتخلى الدول ذات السيادة عن امتلاك أو تطوير برامج تسلح، وتتخلص من قواتها المسلحة ما خلا الشريحة البسيطة من القوات المعنية باستتباب الأمن والاستقرار الداخلي، وليس لشن العمليات المسلحة أو الحروب. وشيئا فشيئا يتم تفكيك حتى هذه القوات البسيطة الخاصة بكافة الدول لمصلحة انشاء قوة عالمية موحدة تضطلع بحماية الاستقرار والأمن الدوليين. ويقترح بل ان الوصول الى حالة من نزع السلاح العام والكامل يتطلب من الجميع تحولا جذريا تماما في البنية الحالية للسياسة الدولية والبحث عن أساس كامل من العلاقات الجديدة بين الدول. وهذا الرأي يلقى الكثير من التأييد طالما ينطوي على ايجاد عالم منزوع من السلاح بالكامل وخال من كافة الجيوش والأسلحة، الأمر الذي يسهم في المحصلة في التخلص من شبح الحروب والنزاعات المسلحة. وعلاوة على ذلك يقود هذا الرأي الى الكثير من التساؤل: كيفية المحافظة على الدول التي جرى نزع سلاحها الى مستوى منخفض تماما على حالة عدم التسلح. وهذا الأمر بدوره يقود الكثيرين من المنظرين الى تشكل آلية التفتيش عن حالات الخرق التي تتعرض اليها اتفاقيات نزع أو تحديد الأسلحة وفرض نوع من العقوبات عندما يتم الكشف عن حالات من الخروقات للاتفاقيات التي جرى التوقيع عليها. ويتجسد الخيار الثاني في أيجاد عالم بقوى نووية متعددة يختلف جوهريا عن الحالة الراهنة. ويتطلب هذا الأمر بدوره اتاحة الأسلحة النووية ليس للكثير من الدول، بل لكافة الدول، أو لكافة المجموعات والكتل. ويحتاج أيضا الى وجود علاقات بالردع المتبادل النووي بين كافة الدول التي تنتمي الى الكتلة الواحدة. ولا يدعونا هذا الأمر الى تخيل مجرد امتلاك كافة الدول أو الكتل لأسلحة نووية، بل انها قادرة على انزال دمار لا يمكن تخيله على الدول أو الكتل الأخرى وأنها يمكن ان تكون بدورها عرضة الى مثل هذا الدمار الكبير. وأخيرا يخلص الكاتب الى القول ان فكرة الحكومة العالمية التي أحدثتها التناقض الاجتماعي بين الدول قد ارتبطت على الدول بالرأي القائل ان الحاجة اليها تمهد الطريق الى جعلها أمرا ممكنا. ومع ذلك فان واقع السياسة الدولية المعاصرة قد أظهر على الدوام بأن دول العالم ليست بحاجة الى مثل هذه الحكومة المشتركة. فالحكومات العاجزة عن الاتفاق في ما بينها، حتى الى درجة قبول احداهما بحق الأخرى في الوجود، وتلجأ في الوقت ذاته الى النزاع المسلح لحسم الخلافات البسيطة، ليست بقادرة تماما على الاتفاق على تخويل أمنها واحترام مصالح الغير من خلال سلطة عالمية. وكما يذهب المؤلف الى القول بأن الحكومة العالمية كانت في السابق أمرا ممكنا من خلال الفتوحات وليس من خلال الاتفاقيات. أما في أواخر القرن العشرين فقد بدت امكانية قيام حكومة عالمية من خلال الفتوحات احتمالا ضعيفا اذ تحول ثلاثة عوامل دون الوصول الى ذلك. ويتعلق العامل الأول بالمأزق النووي الذي عزز كثيرا من استقرار توازن بين الولايات المتحدة وروسيا وأثر الى درجة كبيرة على توازن القوى الأخرى بالأسلوب ذاته. فكل دولة ذات قوة نووية انتقامية تستطيع ان تردع محاولات الاطاحة بها، بصرف النظر عن طبيعة التوازن العسكري الخاص بخصومها. ويتمثل العنصر الآخر في ولادة توازن قوي معقد ومتعدد الأطراف في السبعينيات، الذي زاد من استقرار توازن القوى العام، وعند الأخذ في الاعتبار الكفاية الذاتية التي تتمتع بها الولايات المتحدة وروسيا والصين وحتى اليابان ودول أوروبا الغربية، لا يبدو في الأفق ثمة احتمال لتحقيق أي من الدول لموقع يجعل من سائر الدول أو الكتل خاضعة لفكرة اقامة نظام استعماري. أما العامل الثالث فينعكس على الفاعلية السياسية لشعوب العالم، خاصة في ما يتعلق بالشعور بالوطنية. فالمعارضة التي تواجهها عملية الخضوع الى قوة مستعمرة واحدة أو الخضوع الى عرق مهيمن تجعل من اقامة مثل هذه النظام أو الحكومة، حتى في حال نجاحها، قصيرة الأمد سرعان ما تخفق وتزول، كما حصل نظام هتلر الجديد الذي سعى الى فرضه في أوروبا. فالعصر الحالي هو عصر انقسام الامبراطوريات وتجزئتها. * تأليف: هيدلي بل * عرض ومناقشة: عمار فاضل عباس