الاربعاء 18 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 19 فبراير 2003 عقدة السياسة الاسرائيلية متعددة الاحزاب وقليلة الزعماء توصف في أحيان كثيرة بالغابة، وليس فقط بسبب الكثافة والاكتظاظ. فالصراع حول التعرض لنور الشمس، والذي هو شرط وجود النباتات، يترجم في الغابة السياسية لدينا الى صراع من اجل نور كشافات الاعلام. في الطبيعة يأكل القوي الضعيف ويتغذى عليه. أما في الغابة السياسية فيأكل القوي الضعيف إذ ان مجرد الفريسة يدل على قوة المفترس ويرسخه كزعيم قوي يجب الخوف منه أو السير في أعقابه. وفي السياسة الاسرائيلية فانه من كثرة الشجر تصعب رؤية الغابة. التكتيك السياسي يحل في أحيان كثيرة محل الاستراتيجية السياسية. ليس مهما اذا كانت المحكمة البلجيكية تبصق على اسرائيل وتذل مسئوليها بالاتهامات اذا ما خرج الرد المحق لوزير الخارجية الاسرائيلي من طاولة بنيامين نتانياهو، فمن الواضح ان فيه ما هو مرفوض. ومن يرغب بكل ثمن في الجلوس في الحكومة المقبلة يمكنه ان يغلق عينيه من ان يرى الى أين تقوده حقا خريطة الطرق، ان يتخفى خلف شجرة رؤيا بوش، أو جدران وعوده الغامضة والقول: لا أوافق على دولة فلسطينية ولكن في هذه العقدة لا يمكن لأحد ان يتهمني بعد ذلك بأنه كان بوسعي ان أرى الى أين تقودنا الطريق. ان الاشجار في العقدة السياسية لدينا هي من نوع «كأنه» ولا يتسلقها الناس الا كي ينزلوا عنها ويتظاهروا بالاستعداد للتنازلات. وأحيانا يكون مريحا لبعض زعماء السياسة الاسرائيلية ان يظهروا منيعين كالشجرة لا يمكن لأي ريح ان تحركهم من مكانهم، وعندها ينهضون ويذهبون الى مكان آخر مثل اشجار الغابات التي تتحرك في مسرحية «ماكبيث» لشكسبير، والذين تظاهروا بأنهم اشجار فقط وتنبأوا بسقوط ملك سكوتلاند. ان كل حركة ايديولوجية ترغب في الوصول الى تأثير حقيقي لا ان تكون مجرد حركة احتجاج ملزمة بأن تجد طريقها في هذه العقدة. ان تشخص المسار حتى لو كان ملتويا وألا يغيب عنها الهدف ولو للحظة. ان الصلة بين البوصلة التي ترى الاتجاه الجغرافي والضمير كمسار اخلاقي وايديولوجي ليست مجرد صلة لغوية فقط. فالضمير وحده، أي البوصلة الداخلية لدينا، يمكنه ان يمنعنا من السقوط في شبكة الصيد التكتيكية التي نضعها للآخرين ويضعها الآخرون لنا. ينبغي لنا ان نرى كل الغابة، وليس مجرد الشجر. ينبغي لنا ان نرى كل الخارطة - وليس الطرق وحدها. الجميع حكماء في السياسة الاسرائيلية، حكماء أذكياء. واحيانا حكماء متذاكين. وحكمة من أفضل؟ في قضية الاسبوع الماضي يوجد أحد مظاهر الحكمة الرائعة. موشيه يأمر بالحديث الى «حكماء القلب» الذين وحدهم يمكنهم ان يصنعوا ملابس الكهنة للكاهن الأكبر. حكمة القلب هي حكمة بتوجيه من الضمير. ومن يقطع حكمته عن قلبه، فانه سيفقد طريقه السياسي عن الطابع القومي الكامل للجسد وللشعب الذي اختاره. التكتيك سيصبح لديه استراتيجيا. وغابة رؤيا بوش مزروعة في خريطة طرق الرباعية التي تقود الى خراب اسرائيل. لا يمكن لأي زعيم قومي ان يتخفى خلف المزاعم التكتيكية حين يكون مرسوما بحروف من نار ان كل دولة فلسطينية غربي الاردن ستؤدي الى خراب اسرائيل. محظور السير في مسار يؤدي اليها حتى لو لم نكن نقصد حقا الوصول الى هناك. بقلم: آريه الداد _ عن «يديعوت أحرونوت»