الاربعاء 18 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 19 فبراير 2003 فيما تقترب الولايات المتحدة من الدخول في حرب مع العراق، يتبين ان عملية احصاء وتقدير العواقب البشرية للحرب هناك، وكيفية الاستعداد لمواجهة تلك العواقب امر متزايد الصعوبة. واذا اردنا الدقة، فإن تقدير الخسائر المدنية والعسكرية هو امر يتخلله الكثير من المتغيرات، منها الانظمة الجديدة للأسلحة الاميركية، ومدى امكانية الاعتماد على المعلومات الاستخبارية العسكرية وما اذا كان العراق سوف يقاوم غزواً عازماً على اسقاط الرئيس العراقي وكيفية القيام بهذه المقاومة وحالة البنية التحتية المدنية للعراق، وعمليات التضليل الاعلامي والدعاية من الجانبين. وتتمسك القيادة العسكرية الاميركية بالحذر الشديد تجاه عملية تقدير خسائر العدو فالأميركيون يريدون ان يتجنبوا سيناريو يذكر بما حدث في فيتنام، عندما اتضح ان الكثير من التقديرات مبالغ فيها. يقول الجنرال تومي فرانكس، رئيس القوات الاميركية في الشرق الاوسط وجنوب آسيا: «نحن لا نقوم باحصاء أعداد أكياس الجثث» فضلاً عن ذلك تقول الادارة الاميركية ان العراق معروف عنه مبالغته في الارقام الخاصة بالخسائر البشرية، كما انه يلجأ حتى الى وضع شعبه في طريق الخطر. وعلى الرغم من حالة غياب اليقين هذه، يقول خبراء الأمم المتحدة ان حوالي نصف مليون شخص من المتوقع ان تتطلب حالاتهم علاجات نتيجة اصابات مباشرة وغير مباشرة في حال حدوث الحرب. فعن تقرير أعلن عنه مؤخراً بعنوان «السيناريوهات الانسانية المحتملة» حذر هؤلاء الخبراء ايضاً من ان هناك «احتمالاً كبيراً لتفشي امراض وبائية بشكل كبير، ان لم يكن بشكل شاسع واستثنائي بين افراد الشعب» وتبعاً لاحد مسودات هذا التقرير فإن الوضع الغذائي لحوالي ثلاثة ملايين شخص سيكون «خطيراً» وان 6,3 ملايين شخص سوف يحتاجون ملاجئ طوارئ، وسوف يهرب حوالي 900 ألف شخص الى اقطار مجاورة، مع امكانية ان يكون هناك مليونان آخران كلاجئين في الداخل. وفي الوقت الذي يتماثل فيه تعداد الشعب العراقي تقريباً مع مثيله الأفغاني، اي حوالي 26 مليون نسمة، فإن الخبراء يقولون ان شعب العراق ربما سيكون اكثر عرضة لويلات وصعوبات الحرب فعدد كبير منهم يتركز في المناطق المدنية، وبالتالي فهم أقل تعوداً على الحياة في بيئات صعبة وقاسية فربما يكون لديهم وسيلة الوصول الى خدمات المياه والصرف والكهرباء بأشكالها الحديثة، غير ان هذه الانظمة تعاني بالفعل من عطب شديد في مختلف ارجاء البلاد فهناك حوالي 500 ألف طن من مياه الصرف تتوغل خلال مصادر المياه يومياً كما ان الكهرباء تقطع بشكل اعتيادي على حد تعبير مسئولي مجموعة المساعدات الدولية «كير انترناشونال». وتقول مصادر من برنامج الامم المتحدة للغذاء ان 40% على الاقل من شعب العراق يعتمد على معونات الحكومة لامدادهم بحاجاتهم الاساسية من الاغذية، مثل القمح والسكر والارز (فيما تشير مصادر اخرى الى ان هذه النسبة تصل الى 60% من الشعب). ومنذ حرب الخليج السابقة، ارتفع عدد الاطفال العراقيين الذين يعانون من سوء تغذية مزمن من 7,18% الى 30%. تقول مرغريت حسن، مديرة قسم العراق في «كير انترناشونال» انه بعد خوضهم لحربين متتاليتين «الحرب العراقية ـ الايرانية، وبعد ذلك حرب الكويت» وفي ضوء تواصل العقوبات الدولية، وتلك السنوات الطويلة من سوء المعاملة تحت براثن حكم ديكتاتوري فإن «شعب العراق الآن ليس لديه الموارد التي تمكنه من مواجهة أزمة اضافية». وتحسباً لمواجهة المواقف المترتبة على الحرب، قامت منظمة اوكسفام انترناشونال ومنظمات انسانية اخرى بارسال أطقم من موظفيها للاقامة في المنطقة وتقوم الوكالات التابعة للأمم المتحدة التي تركز على مساعدة الأطفال واللاجئين وكل ذوي الحاجة بتخزين الغذاء والبطاطين ومواد المساعدة الاخرى في ايران والدول المجاورة الاخرى للعراق. ويعبر جريمي هوبز، المدير التنفيذي لاوكسفام، عن قلقه من انه حال نشوب الحرب، فإن الغارات الجوية سوف تستهدف محطات الطاقة العراقية. يقول هوبز: «في حالة حدوث ذلك، فإن نظام المياه والصرف الصحي الذي يعتمد في عمله على الكهرباء والذي بالفعل يعاني حالة سيئة للغاية، سوف ينهار معرضاً حياة ملايين من الناس لخطر الاصابة بالأمراض والأوبئة». ومن جانبها، تحمل ادارة بوش الرئيس العراقي المسئولية الاكبر عن معاناة الشعب العراقي ففي تقرير صدر مؤخراً بعنوان «جهاز الكتب: التضليل الاعلامي والدعاية الكاذبة للعراق في الفترة من 1990 الى 2003» قال مسئولو البيت الابيض: «من اجل ان يدعي حدوث مأساة انسانية، يضع النظام العراقي المدنيين أمام المعدات والمواقع العسكرية والقوات، وهي كلها اهداف شرعية لأي طرف خلال اي صراع مسلح». ويضيف التقرير: «ويقوم الرئيس العراقي بتحميل الأمم المتحدة او الولايات المتحدة وحلفائها مسئولية الجوع والأزمات الصحية التي عادة ما يكون هو السبب فيها، وذلك في وسيلة منه لاستغلال معاناة شعبه». وبعد انتهاء الحرب السابقة عام 1991، قدرت القيادة المسلحة العراقية الخسائر التي تكبدها العراق سواء اكانت اصابات او حالات قتل بحوالي 155 ألف حالة غير ان البحوث التي قامت بها وكالات حكومية وقام بها باحثون يعملون بمنظمات خاصة، ووسائل الاعلام كذبت هذه التقديرات فعلى احد المستويات، تبين ان عدداً كبيراً من الوحدات العسكرية العراقية كانت في حالة، قبل بداية الحرب، اقل بكثير من حالاتها الطبيعية وكانت تعمل بأقل بكثير من قوتها الكاملة ولايزال هذا الامر محل جدل، غير ان معظم الخبراء الآن يقولون ان الخسائر العراقية من المحتمل انها تصل الى عدة آلاف فقط. ومنذ ذلك الحين، اصبحت التقارير العراقية الخاصة بعدد حالات الوفاة الناتجة عن عقوبات الأمم المتحدة محل شك كذلك. واعتماداً على التجارب السابقة، فإن بعض المراقبين كذلك يتملكهم الشك من تأكيدات بيانات الولايات المتحدة الاميركية فقبل حرب الخليج السابقة ادلت فتاة كويتية في سن المراهقة بشهادة امام الكونغرس تقول فيها انها شاهدت قوات عراقية وهي تقوم باخراج اطفال من الحضانات وتتركهم يموتون. ولكن تبين ان هذه الفتاة التي كانت ابنة السفير الكويتي في الولايات المتحدة لم تعمل قط في المستشفى الذي تقول انها شاهدت فيه الحادثة، وان شهادتها كانت بناء على ترتيب قامت به شركة علاقات عامة من واشنطن بهدف استقطاب تأييد سياسي للتدخل الاميركي. وعلى اي حال، فإن الولايات المتحدة، واي قوات تحالف تستطيع ان تجمعها، عليها ان تكون حريصة بشكل خاص لتجنب احداث «دمار شامل». فالمسئولون الاميركيون لا يريدون تكرار تلك الاخطاء التي ارتكبتها القوات الاميركية من قبل، مثل القصف الجوي لأحد ملاجئ المدنيين في بغداد، وهو القصف الذي ادى الى مقتل 300 شخص، او قصف السفارة الصينية وقطار ركاب في بلغراد، او الهجوم على حفلات زفاف ومؤسسات تابعة للصليب الاحمر، كما حدث في أفغانستان. ترجمة: حاتم حسين _ عن «كريستيان ساينس مونيتور»