الاربعاء 18 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 19 فبراير 2003 من خلال الساعات التي أعقبت حدوث مأساة المكوك الفضائي «كولومبيا»، اثيرت مجموعة من الأسئلة الصعبة: ما هو السبب وراء حدوث تلك الكارثة؟ ومن المسئول؟ وكيف يمكننا منع حدوث كارثة مماثلة؟ وهل رحلات الفضاء تستحق خسارة حياة بشر؟ وهناك كذلك أسئلة أخرى، بعضها ساذج أو ينم عن جهل معرفي. وأنا اتحدث هنا عن اسئلة من نوعية هل تعني مأساة المكوك «كولومبيا» نهاية برنامج المكوك ونهاية محطة الفضاء الدولية ونهاية الرحلات المأهولة الى الفضاء بشكل كامل؟ هل ينبغي علينا بعد ذلك ان ننفق اموالاً على الفضاء في الوقت الذي توجد أولويات اخرى هنا على سطح الأرض؟ بعض المنتقدين يرون اننا ليس بوسعنا ان نتحمل الانفاق على الفضاء بعد ذلك، واننا لا نستطيع ان نتحمل مزيداً من المخاطر. اما انا فأرى ان هؤلاء جانبهم الصواب في هاتين النقطتين، واننا على العكس لا يمكننا تحمل عدم انفاق اموال على رحلات الفضاء. فمن الناحية الاقتصادية، لا تمثل ميزانية «ناسا» إلاّ أقل من 1% من إجمالي الميزانية الفيدرالية الأميركية. وعلى عكس العديد من البرامج الحكومية الأخرى، فإن الميزانية الكلية لوكالة الفضاء الأميركية قد تضاءلت بشكل حقيقي خلال العقد الماضي، بل ان واقع الأمر يشير الى انها خُفضت بنسبة 40% خلال هذه الفترة. وفي ضوء تلك القيود، علينا في الوقت نفسه ان نضع في الاعتبار تلك النجاحات والانجازات التقنية والطبية التي اوجدها برنامج «ناسا» الفضائي والتي نعتمد عليها حاليا في حياتنا اليومية مثل أنظمة التمركز الفضائي المعروفة اختصاراً باسم «جي.بي.إس» واستخدام الرادار في بث التقارير المناخية والتنبؤ بالظروف الجوية، وتقنية الصرف الآلي، واجهزة رصد الدخان، واستخدام الروبوت في الجراحة وزرع اعضاء صناعية في القلب. فضلا عن ذلك هناك تجارب انتاج البلوريات البروتينية في الفضاء، تلك التجارب التي تساعد العلماء على علاج هؤلاء المرضى الذين اجروا عمليات جراحية مفتوحة في القلب وهؤلاء الذين يعانون من الايدز ومرض السكر. وبعد ذلك، هناك من يؤيد انفاق اموال على الفضاء ولكنهم يقولون انه ليست هناك حاجة لارسال بشر الى الفضاء وان العمل في الفضاء يجب ان يكون من خلال اجهزة الانسان الآلي، ويقولون كذلك ان الرحلات الفضائية المأهولة ليست عملية ويسيطر عليها الاتجاه العاطفي اكثر من الجانب العملي. وانني ارى ان هؤلاء كذلك يجانبهم الصواب. إننا لا يجب علينا ان نسافر الى الفضاء فحسب وانما علينا كذلك ان نسكن الفضاء. فاستكشاف الفضاء يعتبر امتدادا لحاجتنا البيولوجية الى البقاء. واستكشاف الفضاء هو أكبر فرصة لرفع مستوانا المعرفي والارتقاء بسيطرة الجنس البشري على الكون. فمهما بلغ تقدم اجهزتنا الحاسوبية، فإن التكنولوجيا وحدها لن تصل ابداً الى مستوى الفطنة والابداع الذي يتمتع به الانسان. فالفضاء لا يعتبر السوق الاقتصادية الناشئة في المستقبل فحسب، ولكنه ايضا يضرب لنا مثلاً رائعاً للتعاون الدولي، فحقيقة الأمر تشير الى ان هناك 16 دولة تعمل معاً في اطار محطة الفضاء الدولية وفي مثل تلك الاجواء المعقدة التي يعيشها العالم ، فإن الفضاء يواصل مهمته في ان يكون مصدر الهام لنا نحن على الأرض. فهناك تحديات كبيرة تحيط بنا. فتصريحات وزير الخارجية كولن باول مؤخراً حول اكاذيب العراق قد زادت بشكل كبير من احتمالية نشوب الحرب. كما ان هناك تزايداً في حدة التوتر مع كوريا الشمالية، فضلاً عن ضعف الاقتصاد وسوق البورصة. غير ان احداً من تلك التحديات ينبغي ان يصرف انتباهنا عن الفضاء. بل ان هذه التحديات المتصاعدة تجعل الأمر أكثر اهمية لأن نواصل استكشاف الفضاء ومواصلة الارتقاء بالجنس البشري وتحدي من يعمل على تدمير هذا الجنس. وامام ناسا الكثير من الاسئلة الصعبة التي يجب ان تجيب عليها بعض من هذه الاسئلة مناسب والآخر خارج السياق، غير ان الوكالة يجب ان ترد عليها جميعها في الوقت المناسب. ان مأساة المكوك كولومبيا لا ينبغي ان تعيق تقدمنا والتزامنا نحو الفضاء. فالدعوة الى عدم الاستثمار في الفضاء تعني الدعوة الى عدم استثمار مستقبلنا. بقلم: لو دوبز _ خدمة «لوس انجلوس تايمز» خاص لـ «البيان»