الاربعاء 18 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 19 فبراير 2003 تجري في هذه الايام وفي بلدان كثيرة بصورة متزامنة تظاهرات شعبية عديدة ضد الدعوة لحرب سيادة الكرة الارضية وتقدم تلك التظاهرات في شوارع مدن كثيرة شهادة على وجود عالم آخر عالم يرشح عنفا من جميع المسام وخاضع لثقافة عسكرية تعلم القتل والكذب. ولقد اوضح ديفيد غروسمان الذي كان ضابطا برتبة كولونيل في الجيش الاميركي والاختصاصي في علم التربية العسكرية ان الانسان ليس ميالا بطبيعته الى العنف وبعكس ما يفترض ليس من السهل تعليم قتل شخص آخر فالتعليم للعنف الذي يجعل الجندي متوحشا يتطلب ترويضا مطولا وقاسيا وبحسب ما يقوله عزوسمان، فان ذلك الترويض يبدأ في الثكنات عن عمر يناهز ثمانية عشر عاما ويبدأ خارج الثكنات عن عمر يناهز ثمانية عشر شهرا ذلك ان التلفزيون يلقن تلك الدروس في المنازل منذ وقت مبكر. وكان مواطنه الكاتب جون ريد، قد اثبت عام 1917 ان «الحروب تصلب الحقيقة» وبعد سنوات طوال جاء مواطنة الاخر، الرئيس جورج بوش الاب الذي كان قد شن الحرب الاولى ضد العراق متذرعا بهدف نبيل تمثل بتحرير الكويت.. جاء ونشر مذكراته التي يعترف فيها ان الولايات المتحدة كانت قد قصفت العراق لانها لم تكن قادرة على السماح «لسلطة اقليمية معادية بأن تستحوذ على جزء مهم من المخزون العالمي للنفط». ومن يعرف ربما ينشر الرئيس بوش الابن ذات مرة اخطاء مطبعية حول حربه الخاصة ضد العراق حيث يقول: «الحرب الصليبية للخير ضد الشر» ويجب ان تقرأ: «نفط ونفط ونفط». لكن الضرورة تقول اننا سنكون بحاجة الى شيء اكثر من التصويبات المطبعية اذ سيتعين على سبيل المثال توضيح انه حيث يقال: «مجتمع دولي» يجب ان يقرأ «زعماء حرب كبار». كم عدد رؤساء ملائكة السلام الذين يدافعون عن شياطين الحرب؟ عددهم خمسة.. خمس دول تتمتع بحق النقض في مجلس الامن التابع للامم المتحدة وحماة السلام هؤلاء هم ايضا المصنعون الرئيسيون للاسلحة اذن نحن في ايد امينة. وكم عدد سادة الديمقراطية؟ الشعوب تصوت نعم لكن البنوك تعترض. انها ملكية ثلاثية هي التي تحكم العالم حيث تتخذ خمس دول القرارات في صندوق النقد الدولي وفي البنك العالمي وفي المنظمة العالمية للتجارة وجميعها لديها حق النقض لكنها لاتنقض ايضا، وهذه المنظمات التي تحكم العالم تستحق اعترافنا بالجميل اذ انها تغرق بلادنا لكنها تبيعنا لاحقا اطواق نجاة من الرصاص. في عام 1995 نشرت الجمعية الاميركية للاطباء النفسيين تقريرا حول علم امراض الجريمة وحسب الخبراء كان العنصر الاكثر نمطية في الجرائم الاعتيادية الميل الى الكذب والانسان يتساءل أليس هذا هو التشخيص الاكمل للسلطة العالمية؟ ما الذي يجب ان يقرأ على سبيل المثال عندما يقال: «حرية العمل»؟ يجب ان يقرأ التالي: «حق ارباب العمل برمي قرنين من الانجازات العمالية الى سلة المهملات بحيث يعمل العامل الضعف مقابل النصف واوقات العمل مطاطية وعمليات الفصل والطرد حرة مفتوحة والى الجحيم بالحوادث والامراض والشيخوخة، فالشركات الرئيسية متعددة الجنسيات مثل «وول ـ مارت» و«مكدونالدز» تحظر النقابيين بكل صراحة والعامل الذي ينضم الى نقابة سرعان ما يخسر وظيفته وفق ما ينص عليه العقد، اما العمل فلقد اضحى هدفا للاحتقار في عالم اليوم الذي يعاقب العفة ويكافيء الخطيئة وتتنكر القوة للقدر وتقول انها خالدة وكثير من الناس يتخلون عن الطموح كما لو انهم خيول متعبة لذلك يعتبر انتخاب لولا لرئاسة البرازيل مسألة ذهاب الى ما هو ابعد من حدود هذا البلد انها مسألة انتصار عامل نقابي يجسد كرامة العمل ويساعد على نشر الفيتامينات التي نحتاجها جميعا ضد طاعون التشاؤم. كي لا يقال عنا نحن الذين اجتمعنا مؤخرا في بورتو أليجري اننا معارضون وساخطون دائمون سنوضح اننا نتفق في شيء مع ارفع زعامات العالم وهو اننا معادون للارهاب ايضا اننا ضد الارهاب في جميع اشكاله ويمكننا ان نقترح على منتدى دافوس سقفا مشتركا واعمالا مشتركة للقبض على الارهابيين تبدأ بلصق اعلانات على جميع جدران الكرة الارضية تقول مطلوب: ـ البحث عن تجار الاسلحة الذين يحتاجون الحرب مثلما يحتاج مصنعو المعاطف الى البرد. ـ البحث عن العصابة العالمية التي تخطف بلدانا ولا تعيد اسراها ابدا على الرغم انها تقبض مزايا باهظة تسميها لغة الرعاع بالديون. ـ البحث عن مغتصبي الاراضي ومسممي المياه ولصوص الغابات. ـ البحث ايضا عن متشددي دين الاستهلاك الذين اشعلوا الحرب الكيماوية ضد الهواء والمناخ في هذا العالم. ان السلطة تحدد القيمة والسعر اخبرني كم يدفعون لك اخبرك كم تساوي لكن ثمة قيما ابعد من اي سعر، ولا احد يشتريها لانها ليست معروضة بالبيع، وهي خارج السوق اصلا، ولهذا السبب بالذات بقيت على قيد الحياة. انها حية باصرار فتلك القيم هي الطاقة التي تحرك العضلات السرية للمجتمع المدني وهي تتولد من رحم الذاكرة الاكثر قدما والشعور المشترك الغارق في التاريخ ان عالم اليوم هذا وهذه الحضارة التي تدعو الى ان ينجو بنفسه كل من استطاع الى ذلك سبيلا والى ان يتصرف كل فرد حسب اهوائه، عالم مريض بفقدان الذاكرة وقد خسر الحس المشترك ففي العهود الغابرة وفي الازمان السحيقة عندما كنا اكثر الحيوانات المتضررة في حديقة الحيوان الارضية وعندما لم نتجاوز فئة الغداء السهل على طاولة جيراننا الشرهين، كنا قادرين على البقاء على قيد الحياة في وجة كل الاخطار ذلك اننا عرفنا كيف ندافع عن انفسنا سويا ولاننا عرفنا كيف نتقاسم الطعام واليوم بالذات واكثر من اي وقت مضى من الضرورة بمكان تذكر تلك العبر القديمة للفطرة السليمة. اننا ندافع عن انفسنا سويا كي لا يسرقوا منا المياه على سبيل المثال فالمياه شحيحة في كل مرة اكثر من سابقاتها ولقد تمت عملية خصخصتها في كثير من البلدان وهي بين يدي الشركات الكبرى متعددة الجنسيات. اذا استمر الحال على ما هو عليه، سوف يخصخصون الهواء ايضا حيث يقال بما اننا لا ندفع ثمنه فنحن لا نعرف قيمته وبالتالي لا نستحق استنشاقه) وكي تبقى المياه حق وكي لا تصبح تجارة قامت قرية نائية في بوليفيا (منطقة كوشابامبا) بجعل المياه ملكية مشاعة، اذ سارت جموع الفلاحين من الوديان وحاصرت المدينة حيث واجهوهم بالعصي لكن على المدى الطويل وبعد قتال طويل استعادت هذه الجموع مياهها وقنوات الري الخاصة بها التي كانت الحكومة قد سلمتها لشركة بريطانية. لقد حدث هذا قبل عامين فقط وفي السياق ذاته سياق الدفاع عن انفسنا سويا ثمة مثال آخر احدث فكما هو معروف ان النفط يحرك المجتمع الاستهلاكي وكما هو معروف ايضا فان لدى هذا المجتمع عادات سيئة وميول مستهجنة اخرى من بينها الاطاحة بالحكومات والدعوة للحروب وتسميم الهواء وافساد المياه فقبل وقت قصير غطت بقعة سوداء لزجه وفتاكة البحر وسواحل «غاليسيا» الاسبانية ومناطق اخرى حيث انشطرت ناقلة نفط الى شطرين وتسرب منها آلاف وآلاف ليترات النفط، مع عدم مسئولية وحصانة تحولتا الى عادة في هذه الازمان التي يأمر فيها السوق والدولة لا تسيطر على شيء اذ امام حكومة عمياء ودولة صماء اكتفيتا بهز الكتفين، اطلق العضلات السرية للمجتمع المدني العنان لطاقتها حيث واجهت جموع من المتطوعين اجتياح العدو بأيد نظيفة ومسلحة بالعصي والقدور الصغيرة وما وقع في متناول هذه الايدي لكن المتطوعين لم يذرفوا دموع التماسيح، ولم يتلفظوا بخطابات مسرحية. اننا ندافع عن انفسنا سويا ونتقاسم الطعام يعني ان تصل كمية كبيرة من الغذاء والملابس عبر القطار مؤخرا الى افقر بقعة من محافظة «توكومان» الارجنتينية حيث ثمة اطفال يموتون جوعا ولقد وصلت تلك الارسالية التضامنية من افقر فقراء العاصمة «بيونس ايريس» الذين يكسبون عيشهم بالتنقيب بين القمامة لكنهم قادرون على تقاسم القليل الذي لديهم والذي لا يعد شيئا. ما هي الكلمة التي تسمع اكثر من غيرها في العالم وفي جميع اللغات تقريبا؟ انها كلمة «أنا».. أنا.. أنا.. مع ذلك كشف كارلوس لينكيرسدروف، الدارس للغات السكان الاصليين، النقاب عن ان الكلمة الاكثر استخداما من قبل مجتمعات المايا، الكلمة التي تتربع على عرش اقوالهم وحياتهم هي كلمة «نحن» ففي منطقة شياباس تقال كلمة «نحن»: «تيك». لذلك ولد ونما المنتدى الاجتماعي العالمي في مدينة بورتو أليجري التي تعد نموذجا عالميا للمشاركة الديمقراطية. بقلم: ادواردو جاليانو _ ترجمة: باسل ابو حمدة _ عن «ريبليون» ـ اسبانيا