الاربعاء 18 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 19 فبراير 2003 كلنا نعلم كيف زرع هذا الكيان الشيطاني المسمى اسرائيل في قلب فلسطين، وكيف تواطأ الشرق والغرب لاقامة الدولة العبرية ودعمها بالاموال والسلاح، ومع ذلك ظلت تعاني ضائقة اقتصادية، وكأي كيان مصطنع أخذت اسرائيل تواجه أعباء اقتصادية ثقيلة في غمار قيامها باستيعاب مئات الآلاف من المهاجرين اليهود، الذين جلبتهم من معظم أرجاء العالم، ولكي تزيد من ترسانتها العسكرية. ويحكي أهرون بريغمان مؤلف الكتاب الذي نناقشه هنا كيف اختمرت الفكرة في ذهن السياسي الصهيوني بن غوريون، وتفتق ذهنه عن محاولة ابتزاز ألمانيا بحجة إلزامها بدفع تعويضات لليهود عن اضطهاد ألمانيا النازية لهم أثناء ما أسماه اليهود بـ «المحرقة» وروجوا له طويلاً. ويتساءل المؤلف: هل كان من الممكن لاسرائيل أن تقبل مساعدة مادية من ألمانيا بعد مرور سنوات قليلة من نهاية محرقة النازي؟ ألا يمكن أن يقدم قبولها مادة جديدة تستغل في الإضافة إلى صورة اليهود التي تبرزهم على أنهم شرهون في كنز الأموال؟ لعبة بن غوريون يجيب المؤلف عن هذا التساؤل بأن بن غوريون ، الذي كان القوة الدافعة وراء هذا الاقتراح، كان رجلاً عملياً ومدركاً للمزايا الاقتصادية لتلك التعويضات، في الوقت الذي تعاني اسرائيل أزمة طاحنة، وأصر على وجهة نظره القائلة إن ألمانيا آنذاك هي غير ألمانيا قبل الحرب، وان عليها أن تدفع التعويضات أو ما سُمي بالعبرية «شيلوميم». وفي بداية ديسمبر 1951 قام ناحوم غولدمان ممثل بن غوريون ورئيس مؤتمر المطالبات المادية اليهودية من ألمانيا ومقره نيويورك، بعقد اجتماع سري مع المستشار الألماني كونراد أديناور في لندن، وقدم له مطالبة يهودية بمبلغ 5,1 مليار دولار أميركي كتعويض لليهود. وتساءل غولدمان عما إذا كان بمقدور المستشار الالماني أن يثبت كتابة ما يؤكد موافقته على هذا المبلغ، بحيث يكون ذلك أساساً لمزيد من المباحثات بعد ذلك، ووافق أديناور على القيام بهذا كتابة. وفي 7 يناير 1952 طرح بن غوريون الموضوع على الكنيست الاسرائيلي، حيث فاضت عواطف أعضائه بمن فيهم زعيم المعارضة آنذاك مناحيم بيغن الذي وصف بن غوريون في كلمته بأنه «سفاح». ونتيجة لقيادة بيغن لحملة معارضة لخطة بن غوريون، تجمع الجمهور خارج الكنيست وهاجموا المبنى وقذفوه بالحجارة التي اخترقت النوافذ، ووصلت الى القاعة الرئيسية، وأصيب مئة شرطي، واضطرت الحكومة الى استدعاء عناصر الجيش لحفظ النظام ومنع المتجمهرين من اجتياح الكنيست. وفي هذا الجو المحموم، أجري التصويت على خطة بن غوريون فصوت 61 لصالحها، وعارضها 50. واتهم بيغن بتحريض الجمهور وتعريض البرلمان الاسرائيلي و«الديمقراطية» للخطر، وتقرر حرمانه من حضور جلسات الكنيست مدة ثلاثة أشهر، فغادر اسرائيل الى سويسرا، ولم يعد إلا بعد ستة أشهر. في قلعة فاسرنار وفي 21 مارس 1952، بدأت المباحثات ـ باللغة الانجليزية ـ بين ممثلي اسرائيل وألمانيا في قلعة فاسرنار بالقرب من لاهاي في هولندا. وبعد بضعة شهور وفي يوم 11 سبتمبر 1952 تم توقيع الاتفاق النهائي في لوكسمبورغ وأطلق عليه اسم «معاهدة لوكسمبورغ» وتتكون من أربع اتفاقيات منفصلة، وكانت الأولى منها بين «دولة اسرائيل» وجمهورية ألمانيا الاتحادية، وتضمنت موضوع التعويضات وبمقتضاها وافقت بون على أن تدفع لاسرائيل «بضائع» قيمتها 3 مليارات مارك ألماني (أي نحو 750 مليون دولار) على مدى فترة تبلغ 14 عاماً، أما الاتفاقية الثانية فكانت بين ألمانيا ومؤتمر المطالبات اليهودية، وبمقتضاها تعهدت بون باصدار قانون يسمح للحكومة الألمانية بدفع تعويضات شخصية لليهود الذين عانوا ابان الحكم النازي. وكانت الاتفاقية الثالثة ايضاً بين ألمانيا ومؤتمر المطالبات وتقضي بدفع 450 مليون مارك ألماني لاعادة تأهيل ضحايا «المحرقة» الذين يعيشون خارج اسرائيل. وقضت الاتفاقية الرابعة والأخيرة بأن تدفع اسرائيل لألمانيا تعويضاً عن ممتلكات ألمانيا ومعظمها ينتسب إلى فرسان الهيكل، وكانت اسرائيل قد صادرتها. وقد لعبت المدفوعات الألمانية من البضائع والأموال دوراً هائلاً في دعم دولة الكيان الصهيوني، ففي عام 1953 ـ 1954 وحده شكلت ربع الميزانية الشاملة لخطة التنمية الحكومية، كما ساهمت مع المعونات الأميركية وغيرها في تحسين وجه الدولة العبرية. توتر على الحدود ينتقل المؤلف بدون مقدمات تقريباً إلى موضوع آخر تحت عنوان «توتر على الحدود». ويذكر تحت هذا العنوان قيام «جماعة من الضباط المصريين بثورة 23 يوليو 1952 ومن بينهم جمال عبدالناصر، وطردوا الملك فاروق في (انقلاب) من دون اراقة دماء». ويزعم بريغمان ان ذلك التغيير السياسي في مصر كان فرصة فريدة لبناء علاقات أفضل مع القاهرة، وفي محاولة لانتهاز هذه الفرصة أرسل بن غوريون رئيس الوزراء الاسرائيلي مبعوثاً اسمه شايكي دان إلى يوغسلافيا ليطلب من الرئيس تيتو، الذي كان على علاقة طيبة بقادة مصر الجدد، نقل رسالة الى الضباط الأحرار توضح أن اسرائيل مهتمة بصياغة علاقات جديدة أفضل. وأوضح لنا جميعاً ان الزعيم الخالد جمال عبدالناصر رفض ذلك الطرح الاسرائيلي، ولكن المؤلف يبرر ذلك بأن ناصر ـ الرجل القوي في الثورة المصرية ـ كانت لديه أولويات أخرى، في مقدمتها المشكلات الاجتماعية ـ الاقتصادية في مصر ومكافحة الفقر. وفي 28 فبراير 1955 قامت قوة عسكرية بقيادة السفاح ارييل شارون بالاغارة على غزة، وهاجمت ثكنة عسكرية مصرية فيها. ويرى المؤلف ان تلك الغارة أدت الى توجه الزعيم جمال عبدالناصر نحو التسلح من الاتحاد السوفييتي وعقد صفقة ضخمة من الأسلحة والطائرات مع تشيكوسلوفاكيا. ويرى المؤرخ بريغمان انه يصح الاستنتاج ان هجمات اسرائيل غير المتناسقة والمتسرعة على جارتها (يقصد مصر)، وفي غياب واضح لأي استفزاز عربي، حتى وصلت تلك الاعتداءات إلى ذروتها في غارة غزة، هي التي أدت إلى سباق التسلح. وفي أبريل 1955 بدأ عبدالناصر يقدم دعماً علنياً للفلسطينيين في قطاع غزة، ليقوموا بهجماتهم الفدائية على اسرائيل. ديان يضغط من الواضح مما ذكره مؤلف الكتاب في شرحه لرد الفعل الاسرائيلي ازاء صفقة السلاح التشيكية، ان نية العدوان كانت متوفرة لدى الصهاينة بعد الإعلان عن الصفقة، وذلك قبل مؤامرة العدوان الثلاثي على مصر عام 1956. ويقول بريغمان ان صفقة السلاح تلك كان لها تأثير كبير على طريقة التفكير في اسرائيل، وخاصة لدى موشي ديان رئيس الأركان آنذاك الذي توصل الى أن اسرائيل يجب ان تفتعل أزمة مع مصر لتقوم بتدمير ترسانتها الحربية الجديدة قبل أن يتم استيعابها بالكامل وتحويل التوازن العسكري لصالح مصر. وأخذ ديان يضغط بشدة على بن غوريون رئيس الوزراء ووزير الدفاع لكي تستهدف الضربة العسكرية الاسرائيلية الحصار الذي فرضه عبدالناصر في سبتمبر 1955 في شرم الشيخ جنوب شبه جزيرة سيناء، والذي أغلق تماماً الطريق البحرية أمام اسرائيل من إيلات الى شرق أفريقيا والشرق الأقصى، مما أدى إلى اصابة ميناء إيلات بالشلل وكذلك خطط تنمية النقب.وتزامنت مع محاولات ديان توجيه الضغوط على بن غوريون لمهاجمة مصر، محاولات اخرى من جانبه أيضاً للوي ذراع حكومته عن طريق التوسع في العمليات العسكرية بهدف ايجاد موقف متفجر يمكن ان يتدهور الى حد شن الحرب، وقد استخدم أسلوب تأزيم المواقف في النصف الثاني من عام 1955 بهدف التسبب في نشوب حرب شاملة مع مصر. ويقول أهرون بريغمان: «كنا نعلم ذلك من أناس يمثلون جدعون رافاييل أحد المسئولين في وزارة الخارجية الاسرائيلية، الذي علق على كلمات ديان للمسئولين، فأشار إلى ان رئيس الأركان كان يرغب في إيجاد موقف تؤدي خطورته إلى اجبار الدول العربية على الدخول مع اسرائيل في معركة مفتوحة». أما يسرائيل بير أحد كبار مستشاري بن غوريون والذي اكْتُشِف أنه جاسوس للسوفييت فيما بعد، فقد أشار في مذكراته إلى أن العمليات العسكرية المكثفة في النصف الثاني من عام 1955 كان هدفها الوحيد اثارة موقف متفاقم يؤدي الى تفجير حرب، وكان هدف ديان الوحيد هو أن يجد أسباباً يبرر بها الحركة التي كان قد قرر القيام بها من قبل، وهي بالتحديد شن الهجوم على المصريين. تلك هي بعض شهادات من كبار المسئولين الاسرائيليين، وهم شهود عيان لتلك الفترة من مواقع مسئولياتهم. ملامح المؤامرة يضيف المؤلف أن موشي ديان وغيره ممن كانوا يتحمسون لتوجيه ضربة عسكرية ضد مصر، وجدوا فرصتهم الذهبية عندما أعلن الرئيس عبدالناصر تأميم قناة السويس في 26 يوليو 1956. وعندئذ بدأت المؤامرة البريطانية ـ الفرنسية ـ الاسرائيلية لشن العدوان الثلاثي على مصر واستعادة السيطرة على قناة السويس. وأصر الصهاينة خلال الإعداد للعدوان والاستعانة بالقوات الاسرائيلية، على ان تتقاضى اسرائيل مقابلاً لاشتراكها وذلك بالسماح لها باحتلال شرم الشيخ، وكسر الحصار الذي فرضه عبدالناصر على مضايق تيران، وضرب قواعد الفدائيين الفلسطينيين في قطاع غزة، وكذلك تدمير ترسانة السلاح المصرية. كذلك اشترط الجانب الاسرائيلي قيام فرنسا بتقديم التغطية الدفاعية جواً وبحراً عن المدن الاسرائيلية خوفاً من الهجمات المصرية. وبعد الاجتماع السري الذي عقد في سيفر بفرنسا رابط سربان من الطائرات الفرنسية من طراز مستير وعددها 36 طائرة، و36 طائرة أخرى من طراز «اف ـ 84 اف» في كل من حيفا واللد، بالاضافة الى سرب بحري فرنسي والمدمرة «جورج لييغ» التي أخذت مواقعها قبالة الساحل الاسرائيلي، وتحسباً من أن تدير بريطانيا ظهرها لاسرائيل أو حتى تتحول ضدها، طلب بن غوريون من بريطانيا تقديم ما يثبت التزامها رسمياً بخطة الحرب، ووافقت كل من فرنسا وبريطانيا على مطلبه. وإمعاناً في الابتزاز الصهيوني وانتهاز الفرص يقول المؤلف ان اسرائيل كانت تريد تحصيل المزيد من المكاسب في مقابل توفيرها الحجة لقيام بريطانيا وفرنسا بشن عدوانهما على مصر، كما هو معروف لدينا جميعاً. كان الهدف الكبير الذي سعت اسرائيل إلى ابتزاز فرنسا بالذات بشأنه، هو الحصول على مساعدة فرنسية لحصول اسرائيل على التقنية النووية. وقد كشف بيريز في مذكراته لأول مرة تفاصيل تلك الصفقة إذ يقول: «قبل التوقيع النهائي (يقصد على خطة العدوان الثلاثي مع بريطانيا وفرنسا) طلبت من بن غوريون أن يوقف الاجتماع لفترة قصيرة، قابلت خلالها جي موليه ووزير الدفاع بورغيس مونوري وحدهما. وخلال هذا اللقاء أنهيت مع هذين المسئولين اتفاقية لبناء مفاعل نووي في ديمونا بجنوب اسرائيل.. وكذلك إمدادات من اليورانيوم الطبيعي. وقد قدمت سلسلة من الاقتراحات المفصلة، وبعد مناقشتها وافقا عليها». ألمانيا مرة أخرى بعد ذلك يعود مؤلف الكتاب إلى «ألمانيا مرة أخرى» وهو التعبير الذي يتخذه لقصة القبض على الضابط الألماني أدولف ايخمان، وكان وفقاً للروايات الاسرائيلية ضابطاً في القوة العاصفة النازية وأحد المشتركين الناشطين في يناير عام 1942 في مؤتمر فانزي الذي وضع فيه القادة النازيون خططهم لما سُمي بالحل النهائي للمسألة اليهودية، والذي اشتمل على الترحيل الجماعي واغتيال اليهود الأوروبيين. وبعد الحرب هرب ايخمان الى الارجنتين وعاش فيها باسم مستعار. وقد تمكن عملاء لاسرائيل من ملاحقة ايخمان، وقاموا بقيادة إيسر هاريل رئيس جهاز الموساد آنذاك باختطافه الى اسرائيل في مايو عام 1960، وبعد بقائه في السجن مدة عام خضع خلاله للتحقيق، بدأت محاكمته في 11 ابريل 1961 في «بيت هاعام» وهو مبنى ضخم للاجتماعات العامة في القدس. وبعد 114 جلسة، أصدرت المحكمة الاسرائيلية حكمها باعدامه في 11 ديسمبر 1961. ومن محاكمة أدولف ايخمان يعود المؤلف ثانية الى الحديث عن ألمان آخرين وتحت عنوان «عملية العلماء الألمان» يقول انه في السنة نفسها التي حوكم فيها ايخمان وعوقب، كشف النقاب عن أن عدداً من العلماء الألمان يعملون في مصانع في مصر لمعاونتها على صناعة صواريخ يتم اطلاقها من منصات يمكن نقلها الى مناطق قرب الحدود الاسرائيلية لضرب المراكز الاسرائيلية الآهلة بالسكان. ويزعم المؤلف ان خبراء الصواريخ الألمان قدموا لجمال عبدالناصر وسائل انتاج قنابل من النفايات النووية لها تأثير اشعاعي محدود، ويمكن استخدامها في تسميم الأغذية والمياه. وكانت اسرائيل ناقمة بسبب ايواء عبدالناصر لبعض النازيين السابقين، مثل ضابط العاصفة ومسئول الرعاية يوهانس فون ليرس، وخبير الأمن النازي ليوبولد غلايم وغيرهما. وقد سبب التفكير في كيفية مواجهة هذه المشكلة انقساماً وجدلاً بين القادة السياسيين والأمنيين في اسرائيل، فمن ناحية كان ايسر هاريل رئيس الموساد والرجل الأقوى نفوذاً، يرى ان الأسلحة التي أنتجتها مصر بمساعدة ألمانية تمثل تهديداً جدياً لأمن اسرائيل يبرر استخدام أي وسيلة لمنع هؤلاء الألمان من الاستمرار في معاونة مصر. ومن جانب آخر، كان بن غوريون رئيس الوزراء يصر على عدم وجود سبب للذعر وان الصواريخ التي أثارت العاصفة حولها غير صالحة للاستعمال. وسواء كان بن غوريون مقتنعاً، أو كان يريد تجنب تدهور العلاقات مع ألمانيا التي قد تلجأ إلى منع تدفق أموال التعويضات، فقد كانت هناك حاجة الى ممارسة دبلوماسية هادئة وراء الستار لبحث هذه المشكلة. وظل رئيس الوزراء الاسرائيلي على اصراره، وأمر جهاز الموساد بالامتناع عن اتخاذ أي اجراء ضد العلماء الألمان، ولكن رئيس الجهاز كان يرى غير ذلك، فتجاهل تعليمات رئيس الوزراء وبدأ في تنفيذ حملة لتخويف هؤلاء العلماء تضمنت ارسال مظاريف ملغومة اليهم. وعندما علم بن غوريون بذلك استشاط غضباً، وأمر بطرد هاريل رئيس الموساد من منصبه، وعيّن مكانه الجنرال السابق مئير عميت، الذي كان يشارك بن غوريون رأيه في تلك الصواريخ. تأليف: أهرون بريغمان _ عرض ومناقشة: صلاح عويس