الثلاثاء 17 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 18 فبراير 2003 تمضي الاستعدادات للحرب ضد العراق قدما بشكل لا هوادة فيه، على الرغم من تدخل الامم المتحدة والمعارضة الرسمية والشعبية لشن الحرب، وعلى الرغم من البراعة العراقية في تناول القضية وانصياعها للقرارات الدولية، وتبقى الدوافع الحقيقية لهذه الحرب المتوقعة، على الرغم مما يقال من تصريحات علنية في هذا النطاق امرا محيرا وغامضا ومليئا بالالغاز، فالكثير من العرب يرون ان الحرب تنطوى على سلسلة من المؤامرات الدنيئة للسيطرة على ابار النفط، ومحاولة جديدة لاستعمار المنطقة وتكريس سلطة اسرائيل وهيمنتها وقدر كبير من هذا التفكير يرجع الى تملك نظرية المؤامرة من الفكر العربي بشكل غير سوى غير ان هناك بالفعل اتجاها ضد العرب خلال المناقشات الدائرة حول العراق فهناك عنصرية كبيرة تكتنف كل ناحية من مظاهر السلوك الغربي تجاه العراق وبالتالي تجاه العرب بشكل عام. فمنذ حرب الخليج الماضية، رسمت اميركا وحلفاؤها الغربيون صورة الصراع مع العراق على انه معركة ضد شخص واحد، وهو الرئيس العراقي الذي تم تصويره على انه يبدو موجودا داخل منطقة من الفراغ لا يظهر فيها معه الشعب العراقي الذي يبلغ تعداده 22 مليون نسمة حتى ان اسم الحملة العسكرية، التي شنها الغرب ضد العراق عام 1991 ـ عاصفة الصحراء ـ ساعد على تعضيد مفهوم الارض الخواء، هذا ودائما ما يشار الى الزعيم العراقي باسمه الاول ليس على سبيل المحبة والالفة كما يعني الامر في التقاليد العربية، ولكن على سبيل الحط من مكانته ولا يوجد اي رئيس آخر غيره يحكم دولة ذات سيادة تتم معاملته بهذا الشكل. والعرب ينادونه باسم «صدام» كذلك ولكن دوافعهم مختلفة فاسم صدام فريد من نوعه وتقريبا يعد من الاسماء النادرة، وبالتالي فانه يصلح لان يكون لقبا لحامله فالامر من المنظور العربي لا ينطوي على اي قدر من عدم الاحترام كما هي الحال عند الغرب، فاللغة المستخدمة في الاشارة اليه من قبل القادة الغربيين تؤكد هذا القدر من عدم الاحترام ففي عام 1998، قال توني بلير رئيس الوزراء البريطاني عنه: «ما قمنا بفعله هو اننا اعدناه مرة اخرى بقوة الى قفصة» وفي عام 2002 قال ايضا: «انه يعلم ما يجب عليه فعله» وفي عام 2001 قال عنه نائب الرئيس الاميركي ديك تشيني: «لقد تم تكبيل صدام» فالصفات التي تستعمل لوصف القائد العراقي هي من القوة بحيث تجعل منه شيطانا لا يمكن للعقل تصوره وتلاشت من كل المناقشات الدائرة حقيقة من هو بالفعل واختفت حقيقة انه رئيس لمجموعة من البشر. ولا عجب في انه في ظل هذه الاجواء قد تم تجاهل الشعب العراقي الذي يعد الضحية الحقيقية للعقوبات المفروضة ضد الرئيس العراقي من قبل الغرب. فلا احد يشعر بهم، اللهم الا في حال ان يتطلب السياق السياسي للحديث هذا، وتتم الاشارة الى جماعة او اخرى من هذا الشعب، مثل عرب الاهواز او ابناء الجنوب او الاكراد، وطبقا لقرار مجلس الامن الدولي الاخير رقم 1441 فان العلماء العراقيين واقاربهم من الدرجة الاولى يمكن ان يتم ترحيلهم الى خارج العراق للتحقيق معهم شأن اي كائن غير حي. ان هذا الامر يتجاهل حقوق وأمنيات هؤلاء الناس من جهة ويتجاهل كذلك حقيقة ان العائلات العربية ممتدة في اوصالها بشكل تقليدي، فالأقارب المباشرون لهؤلاء العلماء يمثلون جزءاً من كل اكثر حجماً وجميع افراد العائلة سواء هؤلاء ذوي القربى او البعيدين يتمتعون بالأهمية نفسها في شجرة العائلة ولا يوجد عراقي واحد سوف يقبل أي اجراءات يمكن ان تضر بأفراد عائلته سواء القريبين او البعيدين، لذا تفكر الولايات المتحدة في اصدار قرارات قانونية تطلب حضور هؤلاء العلماء الى الخارج. اما بالنسبة للعرب، فالقرار رقم 1441 لا يمثل اقل من صورة ناظر مدرسة اميركي سادي وهو يضرب تلميذاً عراقياً بسبب هروبه من المدرسة وفي الوقت نفسه، تبذل جهود اوروبية حثيثة لاعداد جماعات المعارضة العراقية لتولي مقاليد الحكومة في العراق، على الرغم من سمعة هذه المجموعات السيئة وكونها غيرة مستقرة ومتفرقة على الدوام، من دون اعطاء اي اعتبار لمدى شرعية هذه المجموعات واهليتها في العراق او مدى قبول الشعب العراقي لها. ومن دون ان تشعر بأي رادع، ايدت ودعمت الولايات المتحدة مؤتمراً كبيراً للمعارضة العراقية في لندن للنظر في استراتيجية ما بعد الحرب المستقبلية في العراق وقد افادت التقارير بحدوث مشاحنات واختلافات وخصومات ومنازعات بين الجماعات التي شاركت في المؤتمر والتي وصل عددها الى حوالي 50 جماعة او ما يزيد، في الوقت الذي كان المبعوث الاميركي يقوم باتخاذ «القرارات الحقيقية» خلال اجتماعات خاصة اقيمت على هامش المؤتمر. وكذلك، فإن عملية الاعداد للحرب على العراق، وايضاً نتائج هذه الحرب، لا تعير انتباهاً بأية حال الى العواقب البشرية لما سيحدث فقد تم اجبار الدول العربية، التي تعتبر مشاركتها ضرورية لشن الحرب على العراق، على الانصياع للخطة الاميركية بصرف النظر عن اثار تلك الحرب على شعوب او حكومات تلك الدول لذلك قام الرئيس السوري بأول زيارة رسمية لرئيس سوري الى بريطانيا ترجع في جانب منها الى محاولة لمداهنة الرئيس السوري والجانب الآخر للوي ذراعه، وجاءت المحطة الاذاعية الاميركية التي تحمل اسم «سوا» والموجهة للمنطقة العربية بمناسبة محاولة لاسترضاء العرب والتأثير على عنصر الشباب منهم بكلام معسول. وبشكل مفاجئ أعلن توني بلير انه سوف يستضيف مؤتمراً عن فلسطين من المفترض انه سيكون قبل الهجوم على العراق ولا شك ان المرء يجد نفسه يشك بشكل حتمي في هذه المبادرة، التي تبدو انها فائقة القيمة، وينظر لها على انها محاولة جديدة لرشوة العرب وضمان موافقتهم على ما سوف يجري في العراق. وهناك حديث صريح حول ايجاد حكومة اميركية مؤقتة لادارة شئون العراق بعد السقوط المتوقع للنظام الحالي وفرض قيادة عراقية يتم اختيارها من احزاب المعارضة نفسها التي لا يمكن الاعتماد عليها وفي الوقت الذي تتزايد عملية الاعداد لهجوم على دولة عربية، تواصل الولايات المتحدة دعمها المطلق لاسرائيل من دون ادنى اعتبار لمعاناة الشعب الفلسطيني. يمكن القول ان كل ما يحدث ليس الا دليلاً على ما تفعله الدول عندما تذهب لشن حرب ولكن من الصعب على العرب ان يروا ما يحدث على انه امر مختلف عن كونه تمديداً لاستعمار الغرب لأراضيهم، ان الامر من اساسه ينطوي على تجاهل عنصري لأماني الشعوب الاصلية للمنطقة الذين كأنهم وجدوا ليتم استغلالهم والتلاعب بهم وبارادتهم، وينظر لحياتهم على انها بلا قيمة والى حضاراتهم على انها تابعة لحضارات الآخرين. وتاريخ العراق تحت الحكم البريطاني في فترة العشرينيات من القرن الماضي عندما تم سحق المعارضة بالقوة المسلحة واستخدام الغاز السام، يعتبر دليلاً واضحاً يذكر بمثل تلك الاتجاهات الاستعمارية والعنصرية الغربية، ففي عام 1921، كتب وينستون تشرشل وزير الاستعمار البريطاني وقتها في وثيقة رسمية قائلاً: «انا أؤيد بشدة استخدام الغاز السام ضد القبائل غير المتحضرة» ولاحقاً اضاف ان الغاز الذي استخدم ضد المتمردين العراقيين كانت له «آثار اخلاقية ممتازة». وما قيام اسرائيل عام 1948 ضد رغبة الشعب الاصلي للمنطقة الا مثال آخر للاستعمار فقد انزل وعد بلفور عام 1948 والذي مهد الطريق الى قيام اسرائيل، مكانة الاغلبية العربية الموجودة في المنطقة الى توصيفها بـ «المجتمعات غير اليهودية» هذا الرفض الموجه الى الشعب الاصلي للبلاد مهد الطريق الى استيلاء اليهود الاوروبيين على الدولة فيما بعد. ويذكر هذا العزم الاميركي على شن حرب لا مبرر لها على العراق بتلك التقاليد الاستعمارية ان العنصرية التي تتخلل هذه التقاليد تنبع من ثقافة وأفكار معادية للعرب في اميركا تغذت وأصبحت اكثر قوة بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر وان كانت موجودة قبل هذه الاحداث وبقوة، فهوليوود قامت بانتاج افلام معادية للعرب بشكل واضح قبل احداث سبتمبر بكثير، ابرزها فيلم «ترو لايز» او «الكذب الحقيقي» عام 1994، الذي صور العرب كإرهابيين يدمرون المدن الاميركية وتقوم وسائل الاعلام والرسومات الكاريكاتورية الآن بتصوير العرب بشكل عنصري صريح من دون اي مسائلة ويتم التحرش وترهيب العرب في كل مكان، وهناك حالياً 2000 عربي رهن الاعتقال من دون محاكمة في السجون الاميركية. اتذكر ان مناخاً مماثلاً لهذا قد ساد بريطانيا اثناء العدوان الثلاثي لمصر عام 1956، واثناء حرب 1967 عندما كان ينظر للرئيس المصري حينذاك جمال عبدالناصر على انه العدو اللدود وكان كل العرب مستهدفين اما الآن فهذا الاتجاه الصريح من معاداة العرب غير مقبول، ولذا فإن الامر يأخذ شكلاً اكثر ذكاء فضرب الرئيس العراقي هذا الامر الذي يحدث بشكل منتظم منذ 1991 جعل منه كبش الفداء الذي يتحمل انعكاسات هذا الكره الموجه للعرب ومن المؤسف ان العرب انفسهم الذين يقدمون حالياً التسهيلات اللازمة لشن هذه الحرب يشتركون في مثل ذلك المشروع غير العقلاني والمدمر والحقير. بقلم: غادة الكرمي _ ترجمة: حاتم حسين عن «غارديان»