الاثنين 16 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 17 فبراير 2003 انطلق عصر الفضاء الى الوعي الجماهيري في الرابع من اكتوبر 1957 عندما نجح الاتحاد السوفييتي السابق في اطلاق اول قمر صناعي له وهو القمر «سبوتنيك» ومنذ ذلك الحين احتل الفضاء مكانة رفيعة في خيال اميركا، فنحن نربط بين الفضاء وكل شيء طيب وحسن ومميز وراق تقريبا بالنسبة للولايات المتحدة. وتؤدي نجاحاتنا ونكساتنا الفضائية الى رفع وخفض روحنا المعنوية بدرجات غير متساوية لان هذا النجاح وهذا الفشل يمثلان صورا خيالية باطنية لآمال ومخاوف اكبر. ولقد صنع الفضاء ولايزال يصنع ما يشبه الاعاجيب فيما يتعلق برفع روحنا المعنوية، فعندما وصل نيل ارمسترونغ وباز الدرين الى القمر ومشيا على سطحه عام 1969 صنعا ما هو اكثر من مجرد التدليل على اننا هزمنا الروس فضائيا، فقد تسبب هذا في ان يرى الاميركيون انفسهم على انهم مكتشفو التقنيات والاماكن، فنحن نخوض المخاطر وننجز الاعمال ونهتم بالجوانب الانسانية، ونؤمن بغد افضل، البعض يرى من هذه السمات الدعائية اساطير، والبعض الاخر يراها حقيقة وواقعا دل عليه الزمان، وسواء اكان الامر هذا او ذاك، فإن تلك الصفحات تحدد الهوية الشخصية للاميركيين فبرنامج الفضاء بطريقة او باخرى يظهر كل هذه الصفات . فالرحلة الى القمر ليست مجرد انجاز تقني او مغامرة خطرة او غزو لمجال جديد، وانما هي تمثل جميع تلك الامور قاطبة علاوة على كونها تعبيرا عن الأمل لقد كان مكتوبا على اللافتة التي تركها كل من ارمسترونغ والروس على سطح القمر الاتي: «نحن جئنا من اجل سلام الجنس البشري»، ولقد كان الامر جميلا ان يرى الناس هذين العالمين وهما يقفزان على سطح القمر عندما كانا يتحركان من مكان لآخر، حيث دل هذا على ان كل شيء يمكن ان يحدث، وتلك هي رسالة اميركا. الا ان المفارقة تكمن في ان الآمال والمخاوف الكبيرة التي ارتبطت بعالم الفضاء تبدو حتى الان غير مستحقة، فبالطبع كان ذلك الامر الذي اطلق عليه «الفجوة الصاروخية» وهما، وكتب المؤرخ والتر ايه، ماكدونال من جامعة بنسلفانيا في كتابه الذي نال عنه جائزة بوليتزر لأفضل الكتب بعنوان «السماء والارض» عن برامج الفضاء، قائلا: لقد كان الامر كله خدعة سوفييتية. وفي عام 1961 كتب قائلا : ان الولايات المتحدة لديها صواريخ عابرة للقارات اكثر من الاتحاد السوفييتي. وعلى نحو مشابه، قرر جون كنيدي ان يذهب الى القمر لاسباب سياسية، وكان يعلم ان الرحلة ستحظى بشهرة، علاوة على انها سوف تعيد لاميركا اعتبارها ومهابتها، على مستوى العالم، ولم يهتم كنيدي كثيرا بالنصائح العلمية التي اسديت له، والتي تركزت كما هو الوضع الان، على ان الرحلات الفضائية المأهولة مكلفة، وتنطوي على مخاطر ليست هناك حاجة للتعرض اليها، وان الرحلات غير المأهولة يمكنها ان تنجز معظم الابحاث العلمية المرادة، غير ان هذا الامر لم يحظ باهتمام كنيدي. وكما ان العائد الاقتصادي من الاستثمار في مجال الفضاء كان متواضعا، فصحيح ان الفضاء غير من اسلوب الحياة اليومية للشعوب، ولكن لم يؤد الى تغيير حيوي ورئيسي، فهناك حاليا حوالي 250 قمراً صناعياً للاتصالات، على حسب تقديرات شركة «فوترون» الاستشارية وتنقل الوقائع التلفزيونية عبر الاقمار الصناعية في مختلف ارجاء العالم، كما تستقبل ملايين المنازل في اوروبا واميركا واسيا برامج مباشرة عن طريق الاقمار الصناعية، ونحن لدينا اقمار صناعية خاصة بالمناخ والملاحة والتصوير والمراقبة، غير انه من دون الاقمار الصناعية كان سيكون هناك ايضا برامج تلفزيونية ونشرات عن الطقس، في عام 2001، بلغت قيمة السوق العالمي للخدمات الفضائية، من اقمار فضائية ومركبات اطلاق، ومحطات ارضية، 83 مليار دولار، على حد قول سكوت ساكتوف من سبيس بيزنس دوت كوم، ويشترك في هذا السوق كل من الاميركيين والروس والاوروبيين والصينيين. وحقيقة الوضع تتمثل في ان شغفنا بالفضاء منفصل بشكل رئيسي وأساسي عن الحقائق والارقام المتعلقة بصناعة الفضاء، وقد تهاوى هذا الشغف في الوقت الذي بدا فيه السفر الى الفضاء يصبح امرا روتينيا واقل رومانتيكية مما كان عليه الوضع في السابق، وأصبح الامر بمثابة ضحية النجاح، ولم نتذكر كيف يرتبط العقل والضمير الوطني للامة باقدارها الا عندما حدث الفشل، ان المآسي النادرة يكون تأثيرها قويا لان الجانب الرمزي الذي تحمله يكون قويا للغاية. نحن نتعلم من هذه الحوادث رسالة اكبر تأخذ شكلا شخصيا يتمثل في فقدان طاقم المركبة، فلاشك ان هؤلاء كان بهم عيوب مثل اي شخص منا، ولكننا نرى فيهم الجوانب الخيرة فقط، فهؤلاء هم الابناء والبنات اللذين نريدهم جميعنا، فهم اذكياء ويعملون بجهد ومخلصون، وشجعاء ومثاليون وبطوليون ودمثو الخلق، فنحن نرى فيهم انفسنا كما نود ان نرى انفسنا، وموتهم يثير ما هو اكثر من مجرد تعاطف شخصي مع عائلات حرمت من ذويها، فلقد فقدنا معهم اجزاء من انفسنا ومخيلاتنا. بقلم:روبرت صامويلسون _ ترجمة: حاتم حسين خدمة «واشنطن بوست» خاص لـ «البيان»