الاثنين 16 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 17 فبراير 2003 خبراء السياسة في واشنطن الذين يراقبون المواقف الاجنبية حيال الولايات المتحدة رصدوا مؤخراً، عدداً من النذر المقلقة التي ينبغي تمحيصها وعلى سبيل المثال فإن الانتخابات الرئاسية في البرازيل افضت الى رفض جماهيري للمرشح الحصيف في السياسات المالية لصالح المرشح الشعبي لويز ايناسيو لولا داسيلفا، في حين اعيد انتخاب المستشار الالماني غيرهارد شرويدر في فوز مدو غذته بعض الخطب الطنانة القوية المعارضة لواشنطن. ولكن ربما تكون النتائج الاكثر ازعاجاً واثارة للقلق هي تلك التي تمخضت عن الانتخابات الرئاسية في كوريا الجنوبية في شهر ديسمبر الماضي. لقد افرزت الحملة الانتخابية سلسلة من المفاجآت، ابتداء من شهر ابريل عندما اقام حزب الرئيس المنصرف كيم داي جونغ اول سباق اولي في تاريخ البلد لاختيار مرشحه الرئاسي وقد اثار ذعر المؤسسة الحزبية ان الفائز كان رو مو هيون، وهو محام ثقف نفسه بنفسه واختصاصي في قضايا حقوق الانسان امضى فترة الثمانينيات في معارضة وتحدي الحكام العسكريين للبلد والتكتلات التي تديرها عائلات متنفذة والتي تعرف بـ «الشايبول». ومع ان رو في الخامسة والخمسين من العمر فإن عدم انتمائه لأي حزب او جماعة سياسية اغرى العديد من الناخبين الاصغر سناً الذين يتوقون الى النأي بأنفسهم عن الانحلال السياسي، وساعدت سمعته الحسنة واستقامته الاخلاقية في اجتذاب العديد منهم الى صناديق الاقتراع وعلاوة على ذلك فإن تأييده القوي لسياسة الرئيس كيم الرامية الى تطوير حوار مع كوريا الشمالية ابدى تبايناً حاداً مع نفور ادارة بوش من مواصلة سياسة واشنطن السابقة في اجتذاب حكومة بيونغ يانغ. وعلى الرغم من كل ذلك فمع تقدم الحملة الانتخابية تراجع رو اكثر فأكثر وراء لي هوي تشانغ من الحزب الوطني الكبير المحافظ والذي خاض الانتخابات ببرنامج سياسي تقليدي موال لأميركا ولمصالح المال والاعمال وعندما بزغ نجم المرشح الكاريزمي نسبياً تشونغ مونغ جون، الذي كان له فضل كبير في نجاح كوريا الجنوبية في المشاركة في استضافة بطولة كأس العالم لكرة القدم عام 2000 مع اليابان، تراجع رو على الفور الى المركز الثالث في استطلاعات الرأي ولم تتح فرصة النصر امام رو الا بالصفقة التي ابرمها في اللحظة الاخيرة مع تشونغ الذي وافق على التنحي جانباً لضمان عدم انقسام الاصوات المعارضة للمرشح لي لكن حتى بعدئذ ظن معظم المراقبين انه ضيع تلك الفرصة عندما اشار الى ان سيئول في حال انتخابه رئيساً سوف تبقى محايدة في الحرب الافتراضية بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية وفي الشجار الذي نشب بعد ذلك حول هذه التعليقات تخلى عنه حتى تشونغ. لكن ما يثير ذعر واشنطن انه حتى هذا الغضب العارم من رو لم يكن كافياً لاطفاء بريق موجة معاداة اميركا التي ابحر عليها رو بمهارة، وصولاً الى البيت الازرق، المقر الرئاسي في سيئول. والآن فيما يتهيأ رو لحفل تقليده مراسم الرئاسة خلال ايام فإن السؤال المهم بالنسبة لصانعي السياسة في واشنطن هو ما اذا كان رو قادراً على كبح جماح مؤيديه المناوئين للولايات المتحدة بعد توليه السلطة لكن في الوقت ذاته فإن العديد من الكوريين العاديين قلقون ايضاً بشأن مدى جديته في تعهداته الصريحة باصلاح تكتلات «الشايبول» في عالم المال والاعمال. لا شك ان علاقات سيئول بواشنطن تشهد توتراً غير مألوف في الوقت الراهن ففي شهر يونيو، عندما دهست مركبة عسكرية يقودها جنديان اميركيان تلميذتين كوريتين لقيتا حتفهما في الحادث تأثرت جميع الاطراف لا شعورياً بفورة التظاهرات المعادية لأميركا التي اندلعت ونشبت الاحتجاجات مرة اخرى في نوفمبر عندما قضت محكمة عسكرية اميركية بتبرئة الجنديين من تهمة الاهمال في الحادثة التي قتلت فيها الفتاتان. وقد بلورت هذه الحادثة جو الاستياء العام بين الشباب الكوري من تواصل وجود 37 ألف جندي اميركي في بلدهم من التقييد الضمني لحكومة سيئول بالسياسات المصنوعة في واشنطن واذا كانت هذه المشاعر ليست غير مسبوقة فإن الجديد الذي طرأ العام الماضي هو الاحساس العام المنتشر على نطاق واسع بين الناس بأن طيش ادارة بوش في تضمين كوريا الشمالية في محور الشر العالمي لم يفعل شيئاً سوى زيادة خطر نشوب صراع مدمر في شبه الجزيرة الكورية. ويرى العديد من الكوريين ان تعليقات بوش بدلت روابط بلدهم بواشنطن من كونها تدبيراً وقائياً ضرورياً ومقبولاً ـ لو على مضض ـ الى كونها خطراً مباشراً على أمن كوريا الجنوبية بحد ذاتها. لكن حتى الآن لا تزال مثل هذه المشاعر جزءاً من مزاج عام ولا تشكل حركة راسخة ويجب على رو امتلاك القدرة على تهدئة تلك المخاوف الشعبية لا سيما اذا ترفع الحزب الوطني الموالي لاميركا عن اغراء تسجيل نقاط سياسية ضده فيما هو يناور من اجل كبح نزعة معاداة اميركا. لكن واشنطن تعي ايضاً ان هناك دفئاً شعبياً متنامياً بين الكوريين الجنوبيين تجاه الصين التي اصبح دورها التاريخي في شبه الجزيرة الكورية موضع تعليقات اطراء متزايدة في وسائل الاعلام في الآونة الاخيرة ومنذ العام الماضي اصبحت الصين اكبر مسوق صادرات لكوريا الجنوبية وستصبح الشريك الاقتصادي الرئيسي للبلد في غضون خمس سنوات كما ان عدد الرحلات الجوية المتجهة من كوريا الى الصين يفوق الآن الرحلات المتجهة الى الولايات المتحدة وذلك يعود لأسباب عديدة ليس اقلها اهمية تزايد رجال الاعمال الكوريين الذين يسافرون بشكل دوري الى الصين لتفقد استثماراتهم هناك واذا نجحت بكين في نهاية المطاف في لعب دور وساطة بين واشنطن وبيونغ بيانغ سترتفع مكانتها اكثر في كوريا الجنوبية. ومن الطرق التي يستطيع رو اتباعها لنزع فتيل نزعة معاداة اميركا مواصلة العمل لتحقيق وعده باصلاح تكتلات «الشايبول» التجارية فالرئيس المنصرف كيم قطع على نفسه العهد ذاته لكنه وبرغم جهوده الحثيثة لم يستطع ان يترك بصمة تذكر في هذا الميدان ولذا فإن رو متلهف لبدء رئاسته بتحرك قوي على الارض متسلحاً بالتفويض الانتخابي الذي يملكه للاصلاح وبالخطط التي اصبحت جاهزة لدى فريقه الانتخابي. تتضمن هذه الخطط مساعي لانشاء وكالة رقابة للوقوف في وجه الاتحادات الاحتكارية ولقطع الروابط بين امبراطوريات «الشايبول» والمؤسسات الفرعية الطيعة المنضوية تحت لوائها ويخطط رو ايضاً لفرض ضريبة جديدة على الارث والهبات بهدف كبح الانتقال المحظور للثروات من مالكي امبراطوريات «الشايبول» الى ابنائهم وهو يحضر الآن لفتح تحقيق كبير في قضايا تهرب الاثرياء من الضرائب. وعلى الرغم من كل هذا ستظل العلاقات مع اميركا هي المهيمنة على المشهد بالنسبة لرو فإلى جانب النزعات الجماهيرية الضمنية، لعبت الظروف والاهمال دوراً في الحاق الضرر بالعلاقات الكورية الجنوبية الاميركية مؤخراً ولذلك فإن الالتزام من جانب الطرفين بالعمل الايجابي سيكون كفيلاً بتحسين الصداقة بينهما وبالامكان اصلاح معظم الضرر الذي طرأ على العلاقة لا سيما اذا اقتنع زعماء المال والاعمال بأن من مصلحتهم الخاصة مساعدة رو في كبح المشاعر المعادية لاميركا حتى ولو كانوا باقين على معارضتهم لاصلاح الشايبول. لكن السيف المصلت الذي يهدد كل شيء هو الحالة الكورية الشمالية التي لا يمكن التنبؤ بها، والتي تنفصل عندها الاجندتان الاميركية والكورية الجنوبية فالولايات المتحدة ربما تريد اظهار موقف صلب وصارم في حين ان كوريا الجنوبية لا تزال متحمسة الى حد كبير لمواصلة الحوار وتجنب اشعال شرارة رد عسكري او انهيار اقتصادي في المنطقة وكلما تسرعت وتيرة اقتناع البيت الازرق بأن البيت الابيض يقدر موقعه في الامن الاقليمي، والعكس بالعكس، كلما اصبحت المنطقة اكثر امناً. ترجمة: علي محمد _ خدمة «نيويورك تايمز» خاص لـ «البيان»