الاثنين 16 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 17 فبراير 2003 لم يقتصر النشاط الدموي وارهاب العصابات الصهيونية في فلسطين على اجتياح القرى الفلسطينية، ونشر المذابح لتجتاح اهاليها من الفلسطينيين الابرياء، ولم تشبع تلك العصابات من جرائمها والقيام بالاغتيالات حتى في صفوف حماتها من البريطانيين ايام الانتداب البريطاني على فلسطين، بل امتدت جرائم تلك العصابات لتشمل التقاتل فيما بينها للاستيلاء على الاسلحة التي تدفقت عليها من الشرق والغرب. ويقر بريغمان مؤلف الكتاب الذي نناقشه هنا بأن الصهاينة استغلوا الهدنة الاولى التي عقدت بينهم وبين العرب وضربوا باتفاق الهدنة عرض الحائط بمواده التي نصت على التزام الطرفين بعدم اتخاذ اي اجراء يغير من الوضع العسكري، وخاصة عمليات جلب السلاح وحشد المقاتلين والرجال الذين في سن الخدمة العسكرية. عملية «التالينا» يشير المؤلف الى ان الاسرائيليين استغلوا اسابيع فترة الهدنة في جلب المزيد من الاسلحة، واعادة تجميع عناصر القوات المسلحة وتنظيمها واحكام قبضتهم على المناطق المحتلة وتوسيع الطريق الفرعي الذي سمي «طريق بورما» الذي كان ضروريا لايصال الامدادات الى القدس المحاصرة. واثناء الهدنة ايضا وقع الصراع بين العصابات اليهودية، نفسها فيما اطلقوا عليه اسم «عملية ألتالينا» وكانت حكومة بن غوريون قد أنشأت ما سمي بجيش الدفاع الاسرائيلي باعتباره القوة المسلحة الشرعية الوحيدة في اسرائيل، ولكن على الرغم من ان مناحيم بيغن قد ادمج عصابته المسماة بـ «الارغون رفاي لئومي» في ذلك الجيش الا ان الحكومة لم تسيطر سيطرة كاملة على جميع القوات المسلحة اليهودية، وخاصة في القدس التي كانت خارجة عن نطاق سلطة الدولة اليهودية، وكانت عصابتا الارغون وليهى مازالتا تعملان بشكل مستقل عن الجيش الاسرائيلي وعن الحكومة، وقد نشأت عن ذلك ازمة حادة نتيجة انقسام السلطة العسكرية، وذلك عندما جلبت عصابة الارغون سفينة حمولتها خمسة آلاف طن واسمها «التالينا» وهو الاسم المستعار الذي كان يوقع به جابوتنسكي كتاباته، وكانت السفينة تقل ما بين ثمانمئة وتسعمئة متطوع، ومئتين وخمسين مدفعا رشاشا، ونحو خمسة آلاف بندقية، وكميات من الذخيرة، وكان ممثلو بن غوريون وبيغن قد اتفقوا في 16 يونيو 1948 على ان ترسو السفينة على بعد 23 ميلا شمال تل ابيب، حتى يمكن تفريغ حمولتها بعيدا عن عيون مراقبي الهدنة التابعين للأمم المتحدة. ويلاحظ ان تلك السفينة، والاتفاق بين بن غوريون وبيغن، بدأت قصتهما بعد بدء الهدنة الاولى بخمسة ايام فقط، مما يؤكد كل ما تم كشفه عن خداع الصهاينة اثناء الهدنة وخطأ الدول العربية بقبولها تلك الهدنة المشبوهة. وكان الاتفاق بين بن غوريون وبيغن ينص ايضا على نقل جميع الاسلحة التي على متن السفينة الى الجيش الاسرائيلي، ولكن عندما اقتربت السفينة من الشاطيء ورست عند منطقة يسميها اليهود كفار فيتكين في ليلة 20 ـ 21 يونيو 1948 غير بيغن رأيه، ولم يف بتعهده، واصر على اعطاء الاسلحة لوحدات عصابة الارغون في القدس، بدلا من نقلها الى الجيش، واصدر اوامره الى قواته، التي كان معظمها قد اصبح يعمل تحت مظلة الجيش بأن يتركوا وحداتهم في ذلك الجيش، وينضموا الى زملائهم في العصابة للمساعدة في نقل الاسلحة من السفينة. ويشير المؤلف الى ان هذا التصرف كان تحديا مباشرا لحكومة بن غوريون، وبعد ان تشاور بن غوريون مع اعضاء حكومته اصدر اوامر حاسمة الى الجيش الاسرائيلي باحتجاز السفينة ومن عليها من الرجال حتى لو اقتضى الامر استخدام القوة، واصبحت دولة الكيان الصهيوني عندئذ على حافة حرب اهلية. وفي كفار فيتكين بدأ تبادل اطلاق النار بين اعضاء عصابة الارغون وبين القوات الاسرائيلية الاخرى ولقي جنديان من الجيش الاسرائيلي وستة من العصابة مصرعهم ـ ولم يقف الامر عند هذا الحد، بل ان بيغن اصدر اوامره الى السفينة «ألتالينا» بالتوجه الى تل أبيب حيث كان يأمل في التمكن من حشد المزيد من الدعم الشعبي، وركب بيغن نفسه في السفينة مع قبطانها مونرو فاين، وهو اميركي من شيكاغو، ووصلت السفينة الى تل أبيب حيث نشبت معركة ضارية لمدة عشر ساعات واستخدمت قوات الحكومة مدفعا قصفت به السفينة واشعلت فيها النيران فجنحت على احد جانبيها، وهجرها طاقمها بأن رموا انفسهم في مياه البحر، وسبحوا الى الشاطيء، وعندما وصل بيغن الى الشاطيء امر رجاله بوقف اطلاق النار. عملية «أوفدا» ينتقل الكتاب الى مرحلة اخرى ليتحدث بالتفصيل عن اجراء الانتخابات في دولة الكيان الصهيوني في يناير 1949 التي اسفرت عن قيام الكنيست المنتخب باختيار حاييم وايزمان لمنصب الرئاسة، وفي 24 فبراير من العام نفسه كلف بن غوريون رئيس حزب الماباي آنذاك بتشكيل الحكومة. وفي هذا اليوم نفسه حدث امر يعتبره المؤلف بالغ الاهمية، وهو توقيع اتفاقية الهدنة بين مصر واسرائيل، نظرا لانها كانت اول اتفاقية تعقد بين الكيان الصهيوني ودولة عربية، وكان اليهود يتوقعون ان تؤدي الى اقبال حكومات عربية اخرى على الخطوة نفسها لتوقيع اتفاقيات مماثلة. وكعادة الصهاينة في نقض اتفاقياتهم وعدم الالتزام بها او احترام توقيعاتهم عليها، نقضت اسرائيل اتفاق الهدنة مع مصر في الوقت نفسه الذي كانت تجرى محادثات مع الاردن وحكومات عربية اخرى للتوصل الى اتفاق مماثل. وفي 5 مارس 1949 قامت اسرائيل بعملية اطلقت عليها اسم «عملية أوفدا» (اي عملية الامر الواقع)، وبناء عليها قام لواءان، هما لواء النقب ولواء غولاني، باحتلال النقب الجنوبي، والشواطيء الغربية للبحر الميت، ومسادا، وعين جدى، قبل ان تتحرك القوات الاسرائيلية الى قرية ام الرشراش المصرية واحتلالها في 10 مارس 1949، وقد اطلقت اسرائيل على هذه القرية اسم إيلات وانشأت ميناء فيها. ويقول المؤلف ان الاستيلاء على أم الرشراش لم يؤد فقط الى منح اسرائيل منفذا الى البحر الاحمر، وانما اتاح لها دق اسفين بين شرق العالم العربي وغربه، ومنع مصر من امتلاك معبر مباشرة الى الاردن، وفي يوميات «الحرب» التي كتبها بن غوريون قال: «لقد وصلنا الى إيلات، وربما كان هذا هو الحدث الاكبر في الشهور الاخيرة بل في الحرب كلها..» وفي 23 مارس من العام نفسه كان لبنان الدولة الثانية بعد مصر الذي وقع اتفاقية للهدنة مع دولة الكيان الصهيوني، ثم تلاه الاردن 3 ابريل 1949 بعد مباحثات يصفها المؤلف بأنها كانت شاقة ولكنه يذكر ان محادثات سرية اخرى كانت تجري وراء الستار بين اسرائيل والملك عبدالله في قصره الشتوي في الشونة بوادي الاردن واشتملت الاتفاقية التي وقعت على 12 مادة إضافية وملحقين مفصلين، وكانت اكثر المسائل تعقيداً في تلك المحادثات تتعلق بكيفية التصرف في المناطق التي جلت عنها القوات العراقية، التي كانت قد تمركزت في تكتلات كثيفة في الجزء الشمالي من الضفة الغربية، ورفض العراق التفاوض مع اسرائيل، على اساس انه ليس له حدود مشتركة معها، وان اتفاقات الهدنة مع دولة الكيان الصهيوني تعني الاعتراف الضمني بها، وهكذا قامت القوات العراقية بالجلاء عن تلك المناطق حتى يمكن ان تحل محلها قوات اردنية، ولكن اسرائيل، كانت تخفي نوايا اخرى، اذ كانت قد قررت استغلال تحرك القوات العراقية، لكي تستولي على المزيد من الاراضي، ومارست ضغوطا هائلة على الملك عبدالله اثناء المحادثات ليتخلى عن شريط من الاراضي في منطقة يسميها المؤلف «وادي آرا» في منتصف الطريق بين تل أبيب ومدينة حيفا حيث كانت هناك 15 قرية يقطنها 12 الف فلسطيني.ويذكر المؤلف ان الملك عبدالله لم يكن راغبا في التخلي عن تلك الاراضي ولكنه استسلم ووافق على طلب الاسرائيليين لأنه ادرك انه يقف وحيدا، وكان راغباً في تفادي الصدام مع الاسرائيليين. ويقول بريغمان ان الملك عبدالله نال فقرة في الاتفاقية «تحفظ له ماء وجهه وتقوم اسرائيل بمواجبها بمبادلته بأراض مماثلة في منطقة اخرى، وهو شيء لم يحدث في الواقعش. بعد صمت المدافع تحت عنوان «نهاية الحرب» يتناول المؤلف اتفاقية الهدنة بين اسرائيل وسوريا ويقول انه بعد اربعة اشهر من المفاوضات المكثفة والمساومات التي لا تتوقف، توصلت سوريا واسرائيل، الى اتفاقية وقعت في 20 يوليو 1949 على التلة رقم 272 بالقرب من «مشمار هاياردن» وتنص الاتفاقية على انسحاب القوات السورية من الأراضي التي احتلتها غرب الحدود الدولية، وفي المقابل توافق اسرائيل على تجريد تلك الأراضي من السلاح، على أن يسمح للمدنيين بالعودة الى قراهم في تلك المناطق، وتتولى قوة شرطة محلية الحفاظ على الأمن، على الرغم من عدم وجود قوات عسكرية. ويرى مؤلف الكتاب انه بتوقيع اتفاقية الهدنة مع سوريا وُضعت النهاية الرسمية للحرب العربية ـ الاسرائيلية الأولى، وان تلك الحرب كانت مكلفة للغاية، إذ كلفت اسرائيل نحو 500 مليون دولار و5682 قتيلاً و15 ألف جريح، غير ان اسرائيل ـ بعد ان صمتت المدافع ـ كانت تستطيع ان تهنيء نفسها بالانتصار، لأنها أصبحت في نهاية الحرب تسيطر على 79% مما كان يسمى بفلسطين التاريخية، وهي منطقة أكبر بكثير مما خصصته لها الأمم المتحدة عام 1947، وهي بالتأكيد ايضاً أكبر مما كان يمكن ان تتوقعه. وفي نهاية هذا الفصل يتوصل المؤرخ أهرون بريغمان الى ان آلة الدعاية الاسرائيلية بعد الحرب غيرت لكي تبين كيف ان (داود) أي اسرائيل (قليلة العدد)، بقيت على قيد الحياة أمام جبار (جولياث) أي العرب (الكثيرين)، وكيف كانت الحرب التي خاضتها اسرائيل حرباً نظيفة. ويقول المؤلف بصراحة: إن هذا غير صحيح، فعلى الرغم من ان تعداد اسرائيل آنذاك كان نحو 650 ألف نسمة بالمقارنة بالسكان العرب البالغ عددهم أكثر من 40 ضعفاً، فإن اسرائيل كانت لديها قوات برية أكبر من جميع الجيوش العربية مجتمعة، إذ كان قوام القوات الاسرائيلية 29677 فرداً بالمقارنة بالجنود العرب الذين بلغوا 23500 فرد في بداية الحرب، وعند نهاية الحرب أصبحت النسبة اثنين إلى واحد لصالح اسرائيل، وهكذا فإن العرب هم الذين كانوا (قليلي العدد) وليس الاسرائيليين الذين كانوا بالفعل هم الجبارين (كثيري العدد) وتؤكد نتائج الحرب تلك الحقيقة. ويعلق المؤلف على أكذوبة آلة الدعاية الاسرائيلية بشأن ما تسميه «الحرب النظيفة» فيقول ان الأمر لم يكن كذلك دائماً، والواقع ان اسطورة قيام الاسرائيليين بخوض «حرب نظيفة» يفندها بشدة رئيس الوزراء الاسرائيلي بن غوريون نفسه الذي يقول في مذكراته «يوميات الحرب» انه «بالنسبة للنهب والاغتصاب في المدن المحتلة فإن جميع الجنود من جميع الألوية قاموا بعمليات نهب وسرقة، ثم.... في عكا قامت مجموعة من الجنود بقتل الأب واصابة الأم بجروح... واغتصب جندي واحد على الأقل ابنتهما... وفي أماكن أخرى وقعت أعمال مفزعة في الجليل، حيث ذبحت القوات الاسرائيلية ما بين 70 إلى ثمانين عربياً». ويختتم الكاتب تعليقه بأن استقرار المنطقة الذي نشأ عن اتفاقيات الهدنة بين اسرائيل وجيرانها، سمح لحكومة بن غوريون بالتحول الى المهمة الأساسية لديها، وهي عملية امتصاص المهاجرين اليهود. وهنا يبدأ فصل جديد من فصول مأساة فلسطين. تأليف: أهرون بريغمان ـ عرض ومناقشة: صلاح عويس