الاحد 15 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 16 فبراير 2003 عند انتخابه رئيساً لجمهورية التشيك في ديسمبر 1989، لم يكن فاكلاف هافل معروفاً لمعظم ابناء وطنه بمؤلفاته المسرحية العظيمة بقدر ما كان معروفاً بمقالاته السياسية الساخنة. كان الناس يكنون له الاحترام والتقدير ويثنون على قوة كتاباته ووضوحها ويكبرون فيه شجاعته واحساسه بالواجب الوطني وفي عام 1979، بعد ان حكم عليه النظام الشيوعي بالسجن لمدة اربعة اعوام ونصف العام بتهمة الهدم والتخريب منح هافل خيار الهجرة لكنه اختار السجن، لأنه كان مقتنعاً بأن مكانه الطبيعي هو الوطن، حيث يمكنه القيام بكل ما يستطيع لتحقيق رسالته وبعد ترك هافل مهام منصبه الرئاسي، مؤخراً، فإن بامكانه اعتبار انه نجح الى حد بعيد في تحقيق رسالته المتمثلة في تعزيز نمو الديمقراطية في اوروبا الوسطى والعودة بجمهورية التشيك الى مكانها الصحيح في المجتمع الدولي. كان خطاب رأس السنة الذي ألقاه هافل عام 1990، مثالاً نموذجياً لامانته ورؤيته السياسيتين بدأ هافل الخطاب قائلاً: «اخواني المواطنين الاعزاء طيلة اربعين عاماً وانتم تسمعون من اسلافي في هذا اليوم روايات مختلفة للموضوع ذاته: كيف يمضي بلدنا في مسيرة الازدهار، كم مليون طن من الفولاذ اصبحنا ننتج، كما نحن جميعنا سعداء كيف نثق بحكومتنا، وكم هي مشرقة آفاق المستقبل المفتوحة امامنا واعتقد انكم لم تنتخبوني لهذا المنصب لكي ابدأ انا ايضاً بالكذب عليكم.. بلدنا لا يزدهر.. واسوأ امر هو اننا نعيش في بيئة أخلاقية ملوثة لقد اصبحنا مرضى أخلاقياً لأننا تعودنا على الكذب وتفادي قول ما نشعر به حقاً والنتيجة ان المفاهيم مثل الحب والصداقة والعطف والتواضع والعفو فقدت عمقها وابعادها». وانا هنا استشهد بمقطع من خطابه الاول ليس فقط انه صدم المستمعين بل لأن هافل وضع في هذا الخطاب خطوط وصفته العلاجية لهذا المرض الأخلاقي ولاستعادة الديمقراطية الصحية شدد هافل على اهمية وجود مجتمع مدني قوي وحذر من النفوذ المفرط للأحزاب السياسية او ما أسماه بـ «الدكتاتورية الحزبية» وهي مشكلة لا يزال بلده يعاني منها. كان هافل معارضاً للنهج الايديولوجي، وقد نبذ مصطلحات مثل الاشتراكية والرأسمالية واليمين واليسار على انها تعابير مفرطة بالتبسيط الى حد التشويه والتضليل لكن عندما تفشى الفساد في أواسط التسعينيات وحرم البلد من مليارات من الكراونات حذر هافل من مخاطر رأسمالية المافيا. في السياسة الخارجية حث هافل على التصالح مع المانيا ـ التي تجسد رمزياً في الاعلان التشيكي الالماني وهو وثيقة وضعت عام 1997 تهدف الى تهدئة التوترات بين البلدين النابعة من الحرب العالمية الثانية ونتائجها وحاول جاهداً كسب التأييد لانضمام جمهورية التشيك الى حلف الاطلسي حلم تحقق عام 1999 ـ والى الاتحاد الاوروبي وهو حلم سيتحقق في عام 2004 كما هو متوقع. ربما كانت اعظم هزيمة مني بها هافل هي انقسام تشيكوسلوفاكيا عام 1992 على الرغم من محاولاته الحثيثة للحيلولة دون ذلك وعندما ادرك انه عاجز عن منع هذا الانقسام تنحى عن رئاسة تشيكوسلوفاكيا في حين انه يؤكد على انه كان ينبغي اجراء استفتاء قبل الانقسام فهو يقر بأن الامر كان حتمياً وانه حسن العلاقات التشيكية السلوفاكية. في السنوات القليلة الماضية، اصبح هافل هدفاً لحملات تشويه متكررة من صحافة التابلويد وموضع انتقاد عدائي متزايد من جانب الشيوعيين وفي احيان كثيرة دفع هذا الوضع الناس للاعتقاد بأن شعبية هافل في الخارج تفوق شعبيته في الوطن لكن العكس هو الصحيح اذ لم يكن بامكانه مهما فعل ان يكسب ود صحف التابلويد التي يسيطر عليها الشيوعيون وهو السياسي الديمقراطي الذي شدد على اهمية الاخلاق وكان في طليعة الطريق خلال انهيار الشيوعية. لقد كان هافل دائماًمن اكثر الساسة التشيكيين جماهيرية لأسباب كثيرة، ليس اقلها شأناً مثابرته على الالتزام بواجباته على الرغم من مرضه الخطير. وبالنسبة لمعظم المواطنين التشيك ومعظم الساسة في الخارج كان وجود هافل في قلعة براغ ضماناً لبقاء الديمقراطية ثم ان رئاسته ضمنت ايضاً ان القيم الاخلاقية والروحانية التي اعتنقها لن تستأصل ابداً لتحل محلها المصالح المادية الصرفة او الانتهازية السياسية وقبل كل شيء فإن هافل احتذى بمثال توماس مساريك مؤسس تشيكوسلوفاكيا ورئيسها لها، بمحاولته رسم رسالة لمنح امته الصغيرة هدفاً اكبر واليوم يقر المؤيدون والمنتقدون على حد سواء بأن فاكلاف هافل اعاد لرئاسة التشيك عراقتها وبأن اي رئيس يأتي بعده ستكون امامه مهمة صعبة ونهج صارم عليه الالتزام به. بقلم : ايفان كليما _ عن «تايم»