الاحد 15 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 16 فبراير 2003 من المربك جدا حقا انه ليس هناك تأييد شعبي كبير لاستعدادات جورج بوش وتوني بلير لفرض قرارات الامم المتحدة بالقوة والتي تتعلق بتفكيك اسلحة الدمار الشامل العراقية ويعود هذا في أحد جوانبه الى انه من غير المحتمل ظهور اكتشافات جديدة على يد مفتشي الامم المتحدة كتلك التي رأيناها بعد 6 سنوات من البحث بعد عام 1998 اما السبب الاعمق فهو الادراك الشعبي المتزايد للطريقة السرية الخبيثة والتلاعبية جدا التي تعاملت بها الحكومات الاوروبية مع حكومة الرئيس العراقي طوال السنوات 22 الماضية. حتى نربح الرأي العام يحب ان يكون هناك اعتراف بأخطاء الماضي والا فان العبثية ستعم. في الحقيقة اذا ما وقعت هذه الحرب فستكون حربا لتأكيد سلطة ميثاق الامم المتحدة باعتباره جزءا من اتفاقية وقف اطلاق النار عام 1991 بعد انسحاب القوات العراقية من الكويت وكانت الامم المتحدة هي التي اتخذت قرارها بوجوب تدمير اسلحة العراق الكيماوية او الجرثومية او النووية الى جانب صواريخه. ان البديل الكئيب لعدم رؤيتنا صدام حسين وقد هزم هو ضمان عدم وجود اي فرصة للسلام في الشرق الاوسط. ان حقيقة ان الولايات المتحدة مستعدة للشروع في غزو عسكري والمجازفة بأرواح الاميركيين وتكبد خسائر مادية فادحة هي نتيجة حصرا لما حدث في نيويورك وواشنطن في 11 سبتمبر 2001 فبعد افغانستان يتطلب احتواء الارهاب الاصولي الاسلامي سلاما في الشرق الاوسط، والوضع الراهن في العراق ليس مستقرا بالمعايير الجيوسياسية ولا مقبولا بالمعايير الانسانية، والآن توجد لدينا فرصة اخرى بعد 12 عاما من الاحتواء الفاشل للعراق في منعه من ان يصبح دولة مسلحة نوويا ولاعادة صياغة الكثير من السياسات في الشرق الاوسط الذي يعيش حالة من التوتر الدائم تتخلها حروب متكررة. المثال الاول على الحكمة المستجدة هو ان الديمقراطيات الغربية ما عادت تتجاهل المشكلة الكردية، والسياسة الخارجية البريطانية ذات سياسة قائمة منذ عام 1923 من الاعتقاد ان العراق يجب ان يقمع الاكراد للاحتفاظ بالاستقرار ـ البلد والمنطقة ـ وهذا يجب ان يتغير، وهناك اشارة توحي بالتفاؤل ان الولايات المتحدة على وشك التوصل لحل يقوم على الحكم الذاتي الكامل للشعب الكردي داخل العراق، وبطريقة تمكن تركيا وايران من حل مشكلاتهما مع اقليتهما الكرديتين.واذا قبل الاكراد هذا الحل بنزاهة فسيكون الهيكل الاساسي لأي تسوية في العراق بعد الحرب ويمكن ان يكون من المفيد ان تعترف الديمقراطيات الغربية باحتجاجاتها الضعيفة حينما استخدمت الحكومة العراقية الغاز في مارس 1988 لقتل اكثر من 5 آلاف كردي في حلبجة. اما بخصوص التعامل مع ايران فان الديمقراطيات الغربية يجب ان تعترف انها بتجاهلها لخرق الحكومة العراقية الواضح للقانون الدولي في سبتمبر 1980 حينما غزت ايران واستخدام الاسلحة الكيماوية ضد الايرانيين فقد كنا نغذي هذا الجنون وكان دعم العراق خلال سنوات الحرب الثماني بالسلاح والمعلومات قد اغوانا بالنظر الى ازمة احتجاز الرهائن بعد ثورة ايران الخمينية وانتهاكات حقوق الانسان هناك وقد املنا ان حماسة ايران الثورية ستهوي في حرب اقليمية غير ان ذلك وضع الغرب في الجانب الخطأ من القانون الدولي وشجع العراق على انه يستطيع غزو الكويت وأزم شعور المرارة من الغرب في ايران. ان الايرانيين قد يؤكدون فعلا خلال السنوات المقبلة القليلة وبقوة اكبر وقوفهم الى جانب التحديث في بلادهم وهم الآن اكثر احتمالا في تحدي الحكم الراهن اذا كانوا واثقين في ان الغرب لن يستغل اي قلاقل ناجمة عن ذلك ضد بلادهم، نعم، ان ايران لها مثالبها من حيث سياساتها غير ان الولايات المتحدة نفسها لا تستطيع الانقضاض على العراق وايران في وقت واحد. اما بالنسبة لاسرائيل فان التخلص من الصواريخ العراقية التي استهدفتها خلال حرب الخليج سيجعل من الاسهل عليها الوصول الى تسوية دائمة والمهم هنا ان يحيي الرئيس بوش مشروع ابيه ويواصل عملية السلام في الشرق الاوسط التي بدأت في مدريد 1991 ومن غير الممكن ان يفعل بوش ذلك قبل ان يقضي على الرئيس العراقي لانه يحتاج ان يكون قادرا للضغط على ارييل شارون لكن بعد الحرب ضد العراق يجب الضغط على شارون لتفكيك معظم المستوطنات في الضفة الغربية. وسيكون من المفيد لهذه العملية لو اننا اعترفنا كلنا لاسرائيل بأننا كنا على خطأ حينما وجهنا الادانة لحكومتها لقصفها المفاعل النووي العراقي عام 1981. ولو لم تفعل اسرائيل ذلك لكان العراق الآن على الاغلب دولة نووية عسكريا وربما على الاغلب قبل غزوة الكويت وكانت فرنسا حينها على وشك تزويد ذلك المفاعل باليورانيوم ولو كان المفاعل قد اشتغل لكان من الخطر قصفه لانه سينتج غجامة اشعاعية فوق كل بغداد. والاردن بدوره دولة محورية في ارساء الاستقرار في الضفة الغربية لان لديه صلاته مع الفلسطينيين هناك، فالاردن دولة يبلغ الفلسطينيون فيها اكثر من 80 في المئة من السكان وتتمتع بقيادة حكيمة من جانب الملك عبدالله، وبالفعل يمكن ان يصبح الاردن اول ديمقراطية حقيقية عربية حيث يتحول النظام الى الملكية الدستورية مع احتفاظه ربما بسلطات خاصة على الجيش. والعراق وفلسطين يمكن ان يلحقا به. على الرغم من وجود مخاطر عديدة للشروع في حرب جديدة مع العراق، فانها تظل اقل من مخاطر خسارة فرص السلام الكبيرة في الشرق الاوسط. وحتى تبلغ هذه الفرص اكبر مدى لها يجب على جورج بوش وتوني بلير الا يحاول تحقيق الارباح من هذه الحرب على حساب روسيا ـ وفرنسا سواء سياسيا او اقتصاديا من النفط العراقي لمجرد انهما ما كانتا مستعدتان تماما للمشاركة الكاملة في محاربة الحكومة العراقية، وربما لن يستخدم اي من البلدين الفيتو ضد قرار من مجلس الامن. ان الرئيس بوتين يتحرك على نحو براغماتي نحو الموقف الاميركي غير ان من المستبعد ان يشارك عسكريا في الحرب، اما الرئيس شيراك فسيبقى خياراته مفتوحة فيما حشر عيرهارد شرويدر ألمانيا في زاوية اللا للحرب حتى لو دعمت الولايات المتحدة هذه الحرب. اننا سنحتاج للدعم من الاتحاد الاوروبي والدول الاسلامية بعد الحرب ومن حسن الحظ ان كثيرا منها يدعمنا سرا.لقد اظهر العراق لبريطانيا ما كان علينا ان نتعلمه من الاعتراف قبل الاوان بكرواتيا: اننا يجب الا نقبل داخل الاتحاد الاوروبي اي نظام يمكن لنا فيه ان نهزم بالفيتو ازاء سياستنا الخارجية والامنية ان قضايا السلام والحرب هي مسائل من حق كل دولة منفردة ان تجادل وتقرر بخصوصها. بقلم : ديفيد أوين _ عن «الاندبندنت»