الاحد 15 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 16 فبراير 2003 اثار تقسيم وزير الدفاع الاميركي دونالد رامسفيلد لأوروبا الى «جديدة» و«قديمة» ورسالة التضامن مع الولايات المتحدة التي وقعها توني بلير وسبعة قادة اوروبيين آخرين ـ أثار سخطاً واسع النطاق ـ كما كانت تأمل واشنطن وداوننج ستريت ولقد استشاطت المانيا وفرنسا غضباً فهما الدولتان المستهدفتان وساد الغضب العميق في بروكسل ايضاً التي لم تستشار حول الرسالة. وقد اظهرت الأزمة ان الاتحاد الاوروبي ليس فقط لا يملك سياسة خارجية مشتركة بين اعضائه الحاليين البالغ عددهم 15 عضواً وانما ايضاً فرص امتلاكه لمثل هذه السياسة عندما يتم توسيعه ليشمل 25 دولة معدومة عملياً ولقد كان السعي لتبني سياسة خارجية مشتركة وهماً على الدوام، واذا كان الثنائي الجالب للنحس رامسفيلد و«عصابة الثماني» قد جلب جرعة من الواقعية، فإن ذلك افضل وطالما انه لا وجود لولايات متحدة اوروبية او سياسة خارجية لاتحاد فيدرالي اوروبي فإن اوروبا لن تكون ابداً اكثر من سلسلة من «التحالفات الطوعية» حول القضية الرئيسية الراهنة مهما كانت وان محاولة صياغة وحدة مصطنعة لا تقود الا الى نوع المستوى المتدني من التشويه المشترك الدائر حالياً في المؤتمر الاوروبي حول ابتداع منصب «رئيس» اوروبي. ومما يثير المفارقة هو ان الفكرة تعود الى هنري كيسنجر، وزير الخارجية الاميركي الاسبق واذا كان هناك على الاطلاق اميركي عنيد يؤمن بالتصرف الاحادي الجانب فإن ذلك الشخص هو كيسنجر مع انه كان يستغل طفولته في المانيا لكي يتملق القادة الاوروبيين بأنه يقف في صفهم وكان تعليقه الشهير بأنه لم يستطع ان يستشير اوروبا لأن «اوروبا ليس لها رقم هاتف» مبنياً على المواهب نفسها التي يتمتع بها رامسفيلد. لقد قبل العديد من القادة الاوروبيين بوجهة النظر هذه وهم يعتقدون ان اوروبا ستكون «مناسبة» فقط لو كان لديها سياسة خارجية مشتركة وان هذه لفكرة خاطئة وستقود الى خيبة امل دائمة وشعور متواصل بالعجز فلا توجد قارة اخرى لديها سياسة مشتركة او تتوقع ذلك. ومن المؤكد ان الولايات المتحدة لا تريد ان يكون لأوروبا رقم هاتفي اذا كان المتحدث على الطرف الآخر من الخط سيجيب بالرفض ولو كانت واشنطن ترى ولو حتى بدايات سياسة خارجية موحدة لأوروبا والتي قد تكون جريئة، فإنهاستفعل كل ما في وسعها لتقويضها سواء بصورة مباشرة، كما فعل رامسفيلد، او عبر حلفاء واشنطن مثل توني بلير او خوسيه ماريا ازنار. وفي يوم من الايام سيكون المثلث الأزلي الانجليزي ـ الفرنسي ـ الألماني هو الذي يتم التلاعب به، بمضايقة فرنسا عندما يبدو ان بريطانيا والمانيا تتقاربان او وهو الاغلب، التودد الى بريطانيا عندما تتفق فرنسا وألمانيا، واحياناً، يتم اجتذاب الحلقة الثانية من الدول ـ ايطاليا واسبانيا و والبرتغال ـ الى اللعبة. والانقسامات التي تهم هي تلك المتعلقة بالحجم والقوة وليس المهم تقسيم اوروبا الى «قديم» و«جديد» وانما المهم هو تقسيمها الى «قوي» و«ضعيف» و«الأهمية» لا تقاس بمدى صداقة دولة ما للولايات المتحدة وانما بمدى استقلاليتها عن الولايات المتحدة وليس بالضرورة ان تعني الاستقلالية العداء، فيكفي ان تشكل خطاً مختلفاً عند الضرورة ومن ثم تتمسك به عن طريق مقاومة الضغط الذي من المؤكد ان يلي تلك الخطوة اذا كانت تؤثر على ما تحدده الولايات المتحدة كأحد مصالحها الحيوية. وتظهر الأزمة حول العراق كيف ستحاول الولايات المتحدة ان تتلاعب بأحدث الملتحقين بركب الاتحاد الاوروبي، وهي دول وسط وجنوب شرق اوروبا وهذه الدول التي كانت في يوم من الايام تابعة للاتحاد السوفييتي تتعرض الآن لخطر تحولها الى توابع للولايات المتحدة. وبالاضافة الى الاعضاء الثلاثة السابقين في حلف وارسو الذين وقعوا على رسالة «عصابة الثماني»، فقد اصدرت مجموعة جديدة اطلق عليها «عصابة العشرة» والتي تتألف من دول البلطيق الثلاث اضافة الى ألبانيا وبلغاريا ورومانيا وسلوفاكيا وسلوفينيا وكرواتيا ومقدونيا اصدرت بياناً قوياً تدعم فيه موقف الولايات المتحدة ازاء العراق. وفي عام 1989، كان هناك اشخاص ظنوا ان هذه الدول المتحررة حديثاً ستكون معاقل لتفكير جديد. ولكن الغرب كان بمثابة ناد مغر في مظهره وكانت تلك الدول متلهفة للانضمام الى الطرف المنتصر في الحرب الباردة، وبينما اصر الاتحاد الاوروبي على عملية بطيئة ومعقدة من التعديلات المؤلمة اقتصادياً، فإن الانضمام الى الناتو كان سهلاً نسبياً واستخدمت الولايات المتحدة خليطاً من التخويف والمداهنة والحوافز الاقتصادية لحملها على الانضمام. وبعد عام 1989، كان التصور العام يقول ان اوروبا الشرقية كانت لديها على الدوام رغبة جامحة بالاستقلال، ولكن ايرنست جيلز الباحث الكبير في النزعة القومية الاوروبية، كان محقاً عندما كتب يقول في عام 1992: «ان الشيوعية لم تدمر بفعل المجتمع او الاستقامة وانما تدمرت بفعل النزعة الاستهلاكية وسياسة الاستعداد العسكري العدواني الغربي اضافة الى ثورة في مستلزمات العيش الكريم وسذاجة في الكرملين». وفي النهاية، فإن النخب الحاكمة في اوروبا الشرقية قد امضت 40 عاماً في تكييف انفسها للعيش مع قوة عظمى ولم تهدد لا الحركة الاصلاحية في تشيكوسلوفاكيا في عام 1968 ولا حركة التضامن في بولندا في عام 1981 علاقات دولهم بموسكو ولم تبدأ تلك الدول بالانفصال الا عندما اخبرها ميخائيل غورباتشوف في عام 1987 انها ليست مضطرة لاتباع القيادة السوفييتية وبالتالي، فإنه كان من المحتم ان تستشعر هذه الدول بعد انهيار الاتحاد السوفييتي الحقيقة الجديدة وهي ان اوروبا تتبع الولايات المتحدة وان الحقيقة المتمثلة في قيام قادة شيوعيين سابقين من امثال الكسندر كوازنيسكي وغايولا هورن وايون اليسيكو بقيادة هذا التوجه لا يعتبر تناقضاً بقدر ما يعتبر دليلاً على ان غريزة البقاء تنتصر على الرؤية او المبدأ. ان الحركة المناهضة للحرب الفيتنامية التي علمت جيلاً من الاوروبيين درساً حول عجرفة القوة الاميركية تغاضت عن اوروبا الشرقية ونظراً لأنها كانت معزولة داخل الامبراطورية السوفييتية، ومتشككة في الحظ الدعائي لموسكو حتى في المرات التي كانت موسكو محقة، فإنها لم تلاحظ ان الولايات المتحدة هي دولة استبدادية ايضاً. ان التهديد الوشيك بالحرب على العراق قد رفع مسألة الاستقلال عن الولايات المتحدة الى قمة الاجندة وخلال الحرب الباردة كان هذا الامر يمثل مسألة لم تجرؤ الافصاح عن نفسها. والآن، فإن هذه المسألة تثار في العلن وسواء كانت قديمة ام جديدة و كبيرة ام صغيرة، فإنه يتعين على الدول الاوروبية ان تواجه هذه المسألة القديمة الجديدة في الأيام المقبلة. ترجمة: ضرار عمير _ عن جوناثان سيل في «جارديان»