الاحد 15 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 16 فبراير 2003 وراء الاتهامات والاتهامات المضادة، وبعيدا عن الاضواء المسلطة على «الحرب ضد الارهاب» والحملة ضد العراق، كان الوقت الذي مضى منذ هجمات 11 سبتمبر حتى الآن فسحة من مراجعة الذات للمجتمعات العربية وبالتوازي مع مطاردة اميركا لاسامة بن لادن كانت هناك مطاردة لجواب عن السؤال: «ماذا كان الخطأ؟». بكلام عام يشير الاقتصاديون الى بعض المؤشرات الايجابية: مستوى المعيشة في كل الدول العربية شهد تطورا، متوسط الاعمار للعرب اعلى من متوسطة العالمي الذي يبلغ 67 عاما، معدلات من يعيشون فقرا مدقعا هي من بين الاقل في العالم، معدلات الانفاق على التعليم هي الافضل بين دول العالم النامية. لكن على الرغم من هذا وبعد اجراء مراجعات اخرى يتبين ان الدول العربية اصبحت الوحيدة في العالم التي تعارض اي تحول عالمي اذ على الرغم من الثروة النفطية الواعدة، تراجع معدل نمو دخل الفرد في السنوات العشرين الماضية بحيث لم يعد هناك معدل اقل منه سوى في افريقيا جنوب الصحراء معدلات وفيات الامهات هي ضعف معدلها في دول اميركا اللاتينية والتنمية في خمول تام، الحياة الفكرية العربية تتم في مطلقها تقريبا خارج الدول العربية، ورغم الانفاق على التعليم الا ان نصف النساء العربيات لا يعرفن القراءة والكتابة حتى الآن. حتى الصيف الماضي كانت مثل هذه الملاحظات اما انها ملاحظات غير ذات صلة او معنى او انها وضعت بسوء نية للاساءة للدول العربية، اما الآن فالوضع مختلف لان هذه الارقام هي نتائج دراسة مشتركة بين الامم المتحدة والجامعة العربية تحت عنوان «تقرير التنمية البشرية العربية 2002» وقام بها وكتبها باحثون عرب وادارتها ريما خلف هنيدي مديرة المكتب الاقليمي العربي لبرنامج التنمية الدولي والنائبة السابقة لرئيس وزراء الاردن والتي تقول انها متخوفة من ان «بعض اكثر المؤشرات سلبية كانت خاصة بالدول العربية وحدها من دون كل انحاء العالم». هذه المراجعة الحقيقية هي سلوك نادر في الدول العربية التي اعتادت طويلا على استخدام لغة مؤامرات وخطط «العدو» سواء أكان هذا العدو هو الصهيونية او الناتو او استعداء الاسلام او الصليبية الجديدة او الالحاد او العولمة الاقتصادية، كما ادى الى استيقاظ الكثيرين في الاعلام العربي وهم في حالة ذعر، فحتى صدوره كان اللازمة الراسخة منذ امد طويل هي ان ما تعانيه الامة العربية من عذابات انما هي نتاج تخريب اجنبي متعمد ونفاق الديمقراطيات الغربية الداعمة للديكتاتوريات العربية غير ان هذا التقرير خاطب تحديدا اولئك «الذين لا يلومون الآخرين عما يرونه من نواقص في الثقافة العربية المعاصرة». يتحدث كتاب التقرير عما يصفونه بأنه «نقص شديد» في حركة التأليف الجديدة وندرة الترجمات للمؤلفات من العالم الخارجي، ويقول التقرير ان حركة الترجمة الى العربية سنويا هي حوالي خمس ما يترجم الى اللغة اليونانية سنويا فقط ويقول: «خلال الالف سنة الماضية ومنذ عهد الخليفة المأمون لم يترجم العرب عن اللغات الاخرى سوى عدد من الكتب يوازي ما يترجمه الاسبان الى لغتهم من لغات العالم في سنة واحدة فحسب. وهذا العجز في الفضول الفكري والمعرفي والاحساس يكون الانسان مراقبا من دون انقطاع من قبل الحكومة والمرجعيات الدينية يظهر في اقوى اشكاله بين الدول العربية في مصر، التي يفترض انها العاصمة الفكرية للوطن العربي فهناك اصبحت الحركة التجريبية الفنية مستبعدة ونوعية الانتاج التلفزيوني والسينمائي تتدهور، بعيدا عن الواقعية الاجتماعية ليوسف شاهين في فيلم «باب الحديد» التي تحدث مواقف المجتمع في الداخل والى مسلسل «فارس بلا جواد» والذي لم يكن مثيرا للجدل الا لغير العرب ويبدو ان هناك جهدا متعمدا يهدف لابقاء العرب ينظرون الى الخارج بعيدا عن انفسهم. ان الاحصائيات المشار اليها تلقي بالضوء على ازمة الثقة وتقدير الذات العميقة التي يعيشها العرب وتجربة الوطن العربي في التواصل مع اوروبا سريعة التقدم على نحو هجومي لم تكن تجربة سعيدة وبدأ الاحساس بالمهانة على يد الاوروبيين بغزو نابليون لمصر ليصل ذروته باستعمار ـ معظم الارض العربية، وتزامنت اول ثورة عربية ضد الامبراطورية العثمانية المتداعية مع محاولات انشاء دولة اسرائيل، واولى محاولات استعراض القوة للدول العربية المستقلة انتهت بهزيمة حرب يونيو. ان تلك الحضارة المنتصرة التي هيمنت على العالم ذات يوم ـ وهي اصداء لاتزال تتردد بقوة في مطلقات الاسلاميين ـ لم تتعاف بعد من صدمة هذه الهزائم المتتالية بخلاف السكان الهندوس في شبه القارة الهندية الذين ينفتحون بحماس امام التعليم الغربي ولايزالون اليوم يتفوقون على مواطنيهم المسلمين على سبيل المثال. والتجربة اليابانية على وجه التحديد هي عنصر مثير للتعقيدات جدا بالنسبة للمفكرين العرب يقول محمد جابر الانصاري في مجلة المجلة: «بدأ محمد علي مشروع التحديث في ذلك الوقت كان متقدما على اليابانيين وكانت الفجوة التي تفصلهم عن مصر في ذلك الوقت نسبيا غير كبيرة اما الآن فان الفجوة هائلة». مع كل ما قيل فان محاولات المراجعة الفكرية لأسباب هذا الفشل ـ اذا ما وضعت يدها على الاسباب اصبحت الآن محاولات اكثر خطرا على من يقوم بها مما كان عليه الوضع قبل قرن من الآن في عام 1992 لقي الكاتب المصري فرج فوده مصرعه برصاص متشدد اسلامي بعد ان شارك في حوار مفتوح على هامش معرض القاهرة للكتاب، والكتاب الذين يتهورون الى الحد الذي يتطرقون في حواراتهم الى ما يمس المجتمعات الاسلامية والعربية قد يجدون انفسهم مهددين، وهذا يحدث بأثر رجعي ايضا: الروايات والدراسات ذات الشعبية التي تكون قد مضى عليها سنوات وهي على رفوف باعة الكتب تختفي فورا اذا ما اكتشف احدهم اشارة تعارض المعتقد الديني في صفحاتها. يقول حازم صاغية في صحيفة «الحياة» العربية: «لقد عادت محاكم التفتيش التي كانت رائجة في وقت من الاوقات الى شعبيتها من جديد في مصر انها محاكم تقتحم الجامعات وتطرق ابواب البيوت وتستجوب الجسد والروح معا، ما عادت مصر على ما كانت عليه في النصف الاول من القرن العشرين حينها كان المرء اذا ما اراد البحث عن نجوم الصحافة والادب والسينما والرقص والشعر يذهب الى القاهرة، وزيارة محمد عبده او طه حسين الى اي بلد عربي تعتبر حدثا بحد ذاته، اما اليوم فان اكثر البضائع التصديريرة المصرية رواجا تتمثل في شرائط الشيخ يوسف القرضاوي كما ان اكثر الكتب مبيعا في مصر هي الادبيات الدينية المنغلقة على الخارج يقول صاغية: «اليوم يبدو حالنا وكأننا جمهورية فيمار لكن بدون المرح والحرية والابداع، «اما فؤاد عجمي مدير دراسات الشرق الاوسط في جامعة جونز هوبكنز الاميركية فيعزو تضاؤل الحرية الفكرية العربية الى تعاظم قوة الصفوف الادنى من الطبقة الوسطى العربية والتي حصل افرادها على التعليم لكن ليسوا ذوي ثقافة واسعة» ويقول: «ما يجري هو فقدان روح الضيافة تجاه اي انسان يتمتع بحرية الروح او اي منشق عن الرأي او اي انسان مختلف»، وهذا يعني ان الخيار الوحيد للكثير من المفكرين العرب انما هو المنفى يقول عجمي: «هناك حنين عميق للماضي في الوطن العربي غير ان المجتمعات التي تنظر قدما وتحس بحركة ايجابية فيها لا تقع ابدا فريسة الحنين للماضي». ان المعارضة لهذه الآراء مريرة جدا في لغتها يقول محمد رضا الشلفوني: «منذ اواسط القرن العشرين استنتج عدد متزايد من الناس في الدول الاسلامية ان الطريقة الوحيدة للفكاك من هيمنة الغرب هي تبني الثقافة الغربية، ان المدافعين عن الثقافة الاسلامية التي تحمل امجاد الف سنة وانكسار 300 سنة قد بهت في عيونهم الخط الفاصل بين الثقافة الغربية المعاصرة والثقافة المسيحية فهم يقللون التركيز على اسباب تقدم الغرب مقارنة مع تركيزهم على اسباب تراجع المسلمين. ان هذا الخلط بين المعاصرة والتغريب، وكراهية ما يسمى «التغريب» قد اعطى ديمومته من خلال انعكاسه على الصدع في ثقافة «السرعتين» في المجتمعات الاسلامية. يقول شلفوني: «ان هذا الصدع بلغ حدا من الشدة جعل من الحوار حول المنظومتين القيمية والثقافية امرا مستحيلا اضف لذلك ان هذا الصدع هو صدق عمودي وليس افقيا: اي ان الشرائح التقليدية من كل الطبقات باتجاه الاعلى والاسفل في حالة مواجهة مع الشرائح العصرية في كل الطبقات ايضا». تدور لغة المفكرين العرب علنا حاليا عن فشل المشروع النهضوي العربي الذي بدا اواخر القرن التاسع عشر احتمالا مثيرا للحماس يقول الانصاري: «ان المشروع النهضوي العربي لم يكن مشروعا للنمو الاقتصادي مثلما فعل مشروع مارشال لليابان بعد هيروشيما، لان اليابان ادركت مشروعها النهضوي منذ القرن التاسع عشر واوروبا بدأته في القرن الرابع عشر في ايطاليا. ويتابع «لقد انتهت التجربة النهضوية اليابانية بالهزيمة عام 1940، اما نحن فما لازلنا مهزومون حتى الآن، اليابان التي هزمت في الامس قد نهضت من حطامها لتصبح قوة اقتصادية عالمية خارجية، وما نكبت به اليابان كان افظع من اي شيء أصاب العرب لكن كل ما حققناه من ذلك الوقت هو ان نجعل من الجميع اعداء لنا. ان مشكلتنا نحن العرب هي اننا اخذنا نخلط بين الحرب الحضارية والحرب الامبريالية. يقول الانصاري: «الغرب يستغل تخلفنا وخلافاتنا هناك فواتير يجب ان ندفعها لهذا الموقف العربي سياسيا ودينيا واقتصاديا «ويحذر من ان العرب باعتبارهم قادمون جدد على قضية التحديث واناس لم يضعوا ثقتهم الكاملة بعد في «الثورة الفكرية» فانهم يجب ان يركزوا انظارهم على انفسهم ويتعاملوا مع اسباب هزيمتهم. والواقع ان التضليل والهزيمة قد كانا أداتين فاعلتين في الشئون الداخلية والخارجية العربية على السواء، ومن غير المحتمل ان يتخلى عنهما من يستعملهما، يقول كاتب رأي في صحيفة الدستور الاردنية: «لاكثر من خمسين عاما ظلت الديمقراطية محجوبة في الدول العربية بذريعة الحرب مع اسرائيل ان هذه الحرب هي الآن لفظية.. معركة لم تحدث من قبل بالفعل ولن تحدث».والفشل الفكري العربي يتبديء الآن على نحو سافر لم يسبق له مثيل في ازمة العراق.يقول عبدالوهاب الافندي من صحيفة القدس العربي: «ان من المحرج جدا للعرب ان يروا تظاهرات ضخمة في شوارع واشنطن وطوكيو ولندن وباريس فيما تظل عواصمهم صامتة.. أليس هذا دليلا كافيا على ان جذر مشكلتنا ليس في واشنطن وانما في اراضينا؟ لماذا لا نوجه الدعوة للرئيس بوش حتى يحتل كل الوطن العربي؟ على الاقل سيكون لنا الحق حينها في ان نتظاهر بحرية ضد سياساته». غير ان الافندي يشير ساخطا الى ان الحكام العرب ليسوا هم من يستحق صدارة قائمة اللوم على هذا الوضع، «ما كان لهؤلاء الحكام العرب ان يحتفظوا بالسلطة لكل تلك السنوات الطويلة لولا جيوش المفكرين والصحافيين وغيرهم من المتزلقين والذين ينفذون لهم مهمة البقاء». ويتابع «لماذا نعول على الاحتلال المستقبلي للعراق فيما نتجاهل الكارثة الراهنة الاعظم بكثير والمتمثلة بحالة الاضطهاد التي نعيشها». اما حازم صاغية فينعي المستقبل قائلا: مازلنا نعيش وهم ان العالم لايزال ينتظرنا مازلنا واثقين من ان المستقبل ينتظرنا وهو مستقبل مجيد، لكن هذا المستقبل سيبقى ينتظرنا للأبد». ترجمة: جلال الخليل _ عن «جينز اسلاميك أفير اناليست»