الاحد 15 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 16 فبراير 2003 بسبب وفرة ما كتب في تاريخ الصراع العربي ـ الاسرائيلي، يغدو السؤال المنطقي لدى قراءة هذا الكتاب، الذي نبدأ مناقشته اليوم، هو: من اين نبدأ؟ وربما المدخل المنطقي للاجابة نجده في مقدمة الكتاب التي اعتدنا على وجودها متصدرة كل المؤلفات في معظم انحاء العالم، حتى ان بعض القراء قد لا يولونها اي اهتمام، ومن المحقق ان المقدمة التي كتبها المؤلف اهرون بريغمان بالغة الاهمية. يقول المؤلف في تصديره لكتابه انه طرح السؤال ذاته على نفسه: «من اين يبدأ؟» وعلى الفور تأتيه الاجابة بأنه لابد أن يبدأ من البداية ذاتها، ثم يعود الى التساؤل: «ولكن اين تكون هذه البداية؟» وهو يقول في معرض الرد ان المؤرخين، اليهود منهم على اي حال، يعودون دائما الى العصور التوراتية لكي يبدأوا قصة اسرائيل، تأكيدا لزعمهم ان قيام اسرائيل الحديثة كان تحقيقا لنبوءة توراتية، او انه عودة حتمية للشعب اليهودي الى ارض آبائهم، وبعث لأمة، غير ان المؤلف يرفض هذا المنحى ويقول صراحة انه لا يعتبر ميلاد اسرائيل عام 1948 تحقيقا لنبوءة توراتية، او استمرارا لاي تجربة سابقة على تلك الارض، ولكنه كان نتاجا لسببين محددين: ـ السبب الاول: هو ان الشعوب لفظت اليهود، ورفضت ان يعيشوا بينها كجزء لا يتجزأ من المجتمع الذي يحيون في ظله. ـ اما السبب الثاني فهو: اصرار اليهود على ان يعيشوا حياتهم على جانب، او على هامش، المجتمعات التي يوجدون بين ظهرانيها من دون ان يذوبوا ماديا او ثقافيا، في الشعوب التي كانوا منها، وقد نتج عن رفضهم الاندماج او ادماجهم موقف تكرر كثيرا في تاريخ الشعوب، وخاصة في اوقات المحن، وهو ان تصبح قطاعات المجتمع التي ترفض الاندماج التام كبش الفداء. ملامح أولى يرى المؤلف ان تحول اليهود الى كبش فداء كان في الاساس على يد المجتمعات الاوروبية التي وصل اضطهادها لهم، عبر عدة اجيال، الى ذروة مفزعة اثناء الحرب العالمية الثانية .. وكان هذا الامر هو الذي ادى الى تحويل الافكار الخاصة ببناء ملاذا آمن لليهود ولم شملهم الى حقيقة واقعة.ويعرب المؤلف عن اقتناعه بأن «الواقع القاسي هو الذي ادى الى ميلاد دولة اسرائيل على ارض فلسطين، ولم يكن ذلك تحقيقا لنبوءة توراتية ولا بعثا لامة» ومن هنا حسبما يقول بريغمان ـ يجيء اصراره على ان قصة اسرائيل الحديثة لا علاقة لها بالتاريخ التوراتي، كما يصر ايضا على بدء كتابه من عام 1897 مع بدء «الصهيونية وهي الحركة السياسية اليهودية من اجل اقامة وطن للشعب اليهودي في فلسطين».ويشير المؤلف الى ان كتابه يضمن معلومات لم يسبق نشرها من قبل ومن بينها ما تضمنه تسجيلات لاحاديث دارت بين المراقبة الجوية والطيارين الاسرائيليين في اليوم الرابع من حرب الايام الستة، والتي تكشف ان الاسرائيليين كانوا على يقين منذ وقت مبكر ان السفينة التي كانوا ينوون قصفها هي السفينة الاميركية «ليبرتي»، ومع ذلك اخذوا في الهجوم عليها، كذلك يتضمن الكتاب بروتوكول الاجتماع السري بين الوزير الاسرائيلي موشي ديان وزير الخارجية الاسرائيلي وحسن التهامي مبعوث الرئيس المصري الراحل انور السادات في المغرب عام 1977، ويقول بريغمان ان هذا البروتوكول يؤكد على عكس الاعتقاد السائد ـ ان تل ابيب لم تقدم اي وعود مسبقة للسادات، قبل وصوله الى اسرائيل، بشأن اعادة سيناء الى مصر، وينشر الكتاب ايضا وثيقة اخرى هي اعلان المباديء السوري عام 1992 الذي كان اساس المحادثات بين سوريا واسرائيل، والذي ينشره المؤلف بأكمله في كتابه ايضا لاول مرة. والامر الآخر الجدير بالاهتمام والذي قد يثير جدلا كبيرا، والذي يجب ان نقرأه بعناية وحذر شديدين، هو قوله ان كتابه يتضمن كشف اسرار جديدة عن اكبر جواسيس الموساد في مصر وربما في العالم العربي. ويزعم المؤلف انه قريب لعائلة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، ويقول بريغمان انه يكشف في كتابه كيف ادار هذا الشخص ظهره للموساد في الساعة الحادية عشرة (ربما يقصد قبل ساعة الصفر) وخدع الاسرائيليين وضللهم، وبذلك كان «جوهرة التاج» في خطة التضليل المصرية في حرب اكتوبر 1973. التسلل في الظلال في الفصل الاول اختار المؤلف العنوان التالي الذي يتفق مع رأيه في اختيار بداية: «الطريق الى اقامة دولة» ويغطي هذا الفصل الفترة الزمنية الممتدة من عام 1897 حتى عام 1947 مبتدئاً بالزعيم الصهيوني تيودور هيرتزل والمؤتمر الصهيوني الاول في بازل بسويسرا في 28 اغسطس 1897. وعلى الرغم من ان تلك الفترة الزمنية، قد كتب عنها الكثير الا ان ملاحظة مهمة للمؤلف هي التي يعنيني ان أنقلها للقاريء اذ يقول المؤلف: «كان هدف الهصيونية هو ايجاد (وطن) لليهود في فلسطين، وقد ا ستخدم لفظ «وطن» عمدا بدلا من لفظ «دولة» اذ كان من المعتقد آنذاك ان العثمانيين، الذين كانوا يحكمون فلسطين، لن يتقبلوا الكلمة الاخيرة، ولكن لم يتردد الصهاينة في الاشارة الى فلسطين باعتبارها الموقع الذي سيقام عليه الوطن اليهودي، والى ان الوسائل التي ستستخدم لتحقيق هذا الهدف هي «استيطان» فلسطين بواسطة العمال اليهود الزراعيين والصناعيين. ويوضح مؤلف الكتاب مدى ضآلة عدد اليهود الذين كانوا في فلسطين بالنسبة لعدد العرب ويشرح معنى اصطلاح ارض اسرائيل بالعبرية «اريتز يسرائيل» فيقول انها كانت تعني بالنسبة للعديد من اليهود «الارض الموعودة» و «ارض الحليب والعسل» ولكنها كانت في واقع الامر اقليما صخريا بعيدا تحكمه الامبراطورية العثمانية، منذ عام 1517، وعلى هذا الشريط الصغير من الارض، على الساحل الشرقي للبحر الابيض المتوسط، عاش الفلسطينيون العرب واليهود جنبا الى جنب. وعندما عقد المؤتمر الصهيوني الاول في بازل كان يعيش على تلك الارض نحو 400 الف عربي، واقلية من اليهود عددها نحو 50 الف نسمة، وكان معظم هؤلاء اليهود يعتمدون في حياتهم على الهبات والتبرعات من الجمعيات اليهودية في اوروبا.ويستعرض الكاتب مراحل الهجرات اليهودية المتلاحقة حتى يصل الى زمن الحرب العالمية الثانية ليخرج بنتيجة مؤداها ان حماس اليهود للالتحاق بالجيش البريطاني في هذه الحرب ـ مثلما كان الامر في الحرب العالمية الاولى ـ يعود الى توقعهم تلقي مكافأة من بريطانيا بعد الحرب، اما بالسماح بمزيد من المهاجرين اليهود الى فلسطين او بأي وسيلة اخرى. وعلى الرغم من المعارضة الشديدة من قبل السلطات في فلسطين لقبول قوة يهودية مسلحة، فان تشرشل الذي حل محل شامبرلين في رئاسة الوزراء ـ لم يعارض، وبفضل دعمه شُكّل الفيلق اليهودي في شهر سبتمبر 1944، وكان تشكيله يهوديا صرفا، ويحمل جنوده العلم الصهيوني مع شارة عسكرية على الكتف من اللونين الازرق والابيض. وفي بدايات عام 1945 اصبح عدد جنود الفيلق 3400 يهودي، وتم الحاقهم بالجيش البريطاني الثامن في اوروبا، واشتركوا في خوض المعارك في ايطاليا، وبعد انتهاء القتال انتهز الجنود اليهود الفرصة، وعملوا على ارسال المهاجرين اليهود الى فلسطين، وشكلوا وحدة اسموها «المنتقمون» لاغتيال النازيين في اوروبا. التعاون مع الفاشيست يكشف هذا الفصل ايضا كيف تجرد الصهاينة من كل ضمير او خلق في سبيل جلب المهاجرين الى فلسطين، حتى وان ادت اجراءاتهم الى قتل بعضهم، او الى التعاون مع الفاشيين والنازيين، ومثال ذلك الحكاية التالية التي يحكيها المؤلف، اذ يروي انه في 11 نوفمبر 1940 اعترضت البحرية البريطانية السفينتين «باسيفيك» و «ميلوس» واقتادتهما الى ميناء حيفا، حيث تم نقل المهاجرين اليهود من على متنهما، وعددهم 1700 شخص، الى السفينة «باتريا» التي كان مقررا ان تبحر الى مورشيوس. وفي 24 نوفمبر قامت عصابة الهاجاناة بنسف السفينة بمن عليها من الركاب ولقي 250 مهاجرا يهوديا واثنا عشر شرطيا مصرعهم نتيجة الانفجار او الغرق في مياه البحر. وفي حكاية اخرى يقول المؤلف ان مجموعة بقيادة افراهام شتيرن انشقت عام 1940 عن عصابة الارغون وشكلت ماعرف بعصابة شتيرن، او «ليهى» بالعبرية بقيادة لجنة مركزية، وقد سعت تلك العصابة الى الاتصال بقوات المحور، وخاصة القوات الفاشيستية الايطالية، على امل ان يسمح موسوليني، اذا غزا منطقة الشرق الاوسط، بقيام دولة الصهاينة في فلسطين، وعندما انهزمت قوات موسوليني تحولت عصابة شتيرن الى اجراء اتصالات مع اوتوفون هنتيج مبعوث المانيا النازية الى سوريا الخاضعة لحكومة فيشي الفرنسية آنذاك، لعقد صفقة مماثلة مع النازيين، وبعد وفاة شتيرن تشكلت لجنة ثلاثية لقيادة العصابة، وكان احد اعضائها اسحق شامير كمسئول عن العمليات العسكرية، وبهذه القيادة الجديدة قامت عصابة شتيرن بعمليات سلب للبنوك وانتزاع الاموال من اصحاب المحال اليهود، واطلاق النار عشوائيا على قوات الشرطة البريطانية والقيام بعمليات الاغتيال، وفي 6 نوفمبر 1944، في مدينة القاهرة، قام عضوان من العصابة باغتيال اللورد موين نائب وزير الدولة البريطاني المقيم في الشرق الاوسط. حكاية الماء والدم في الفصل الثاني من الكتاب يتناول اهرون بريغمان مولد الكيان الصهيوني، ويشير الى ان يوم الجمعة 14 مايو 1948 شهد اعلان قيام «دولة اسرائيل» كما شهد حدثا مهما آخر هو خروج القوات البريطانية من فلسطين بعد مرور 26 عاما على الانتداب البريطاني الذي كلفت به بريطانيا من قبل عصبة الامم المتحدة «لتهسيل اقامة وطن قومي يهودي» وبعد ان يستعرض المؤلف احداث ذلك اليوم يتناول دخول القوات العربية الى فلسطين ومواقعها، وهو امر اصبح معروفا وشائعا، غير انه يشير الى موقف الاردن آنذاك بعد اعلان الدولة اليهودية وخروج القوات البريطانية.ويقول ان الاردن ارسل قوات لتعبر نهر الاردن الى القطاع الفلسطيني الذي خصصه قرار الامم المتحدة لعرب فلسطين في عام 1947، ولكن المؤلف يزعم في كتابه انه «لم تكن هناك حاجة لنزف الدماء هنا لانه كان هناك اتفاق بين الملك عبدالله واليهود ينص على تقسيم فلسطين بينهما، وبذلك اصبحت المنطقة المتاخمة والواقعة غرب نهر الاردن، مخصصة للاردن من دون قتال مع الاسرائيليين». ويستطرد المؤلف قائلا ان القدس لم تترك للعرب ولا للاسرائيليين، ولذلك حدث صدام ضار بين القوات الاردنية والاسرائيلية لان كلا من الطرفين كان مصرا على السيطرة على المدينة. ويشير الى ان الاردنيين سيطروا على الموقف وكانت لهم اليد العليا، على الاقل في المراحل الاولى للمعركة. وفي 19 مايو تمكنوا من عزل احد جبال المنطقة وبعد ذلك بعشرة ايام استولوا على الحي اليهودي في القدس، واعتقلوا بعض الاسرى، وقاموا بترحيل كل القادرين على القتال الى عمان، وطردوا 700 امرأة وطفل الى الجانب الغربي اليهودي من القدس، ويدعى الكاتب ان هزيمة الاسرائيليين العسكرية لم تكن مهمة ولكنها كانت مريرة من من الناحية النفسية . اغتيال برنادوت في الفصل نفسه من الكتاب والذي يغطي احداث عامي 1948 ـ 1949 يشير المؤلف الى اغتيال الصهاينة للوسيط الدولي الكونت برنادوت، ففي يوم 17 سبتمبر 1948 كانت قافلة من ثلاث سيارات تابعة للامم المتحدة تتوجه الى القدس، حيث كان مقررا ان يلتقي برنادوت مع دوف جوزيف ممثل الحكومة الاسرائيلية المسئول عن ادارة القدس، واعترضت سيارة جيب بها ثلاثة رجال قافلة الوسيط الدولي، وقفز الرجال الثلاثة واندفعوا نحوه واطلقوا الرصاص عليه. وقد تبين ان الطلقات القاتلة صوبها يهودي يدعى يهوشوا كوهين الذي اصبح فيما بعد الحارس الشخصي لبن غوريون. وكان القاتل ينتمي الى جماعة يهودية تسمي نفسها «جبهة ارض الآباء» وتتشكل من اعضاء في عصابة شتيرن. وفي رأي المؤلف انه على الرغم من تصوير خطة الاغتيال على انها تمت على يد اعضاء من عصابة شتيرن او عصابة «ليهى» كما كانت تسمى يعملون بدرجة ما من الاستقلالية، الا ان قائدهم المدعو يهوشو زاتلر قدم الخطة الى اللجنة المركزية للعصابة. وكما قال اسحق شامير في مذكراته بعد ذلك، وهو الذي كان عضوا في تلك اللجنة الثلاثية: «لقد تم استطلاع رأينا، ولكننا لم نبد اي اعتراض» وكان تحقيق الشرطة في الجريمة متباطئا وسادت اشاعات تقول ان حكومة بن غوريون لم تكن في عجلة من امرها بالنسبة للتحقيق لانها اعتبرت ان جريمة اغتيال برنادوت مفيدة لاسرائيل لانها سوف تؤدي في النهاية الى تعطيل الموافقة الدولية على خطة برنادوت التي تعارضها الحكومة الاسرائيلية بشدة.