السبت 14 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 15 فبراير 2003 في البدء كانت السرعة. السرعة الرخيصة، الديكسيدرين، الامر نفسه مثل اقراص تخفيف الوزن. الكثير منه كان يجعل الجنود يشعرون بالغثيان، والقليل جدا منه يجعلهم يصكون اسنانهم ببعضها، لكنه كان كل ما يتوفر لهم، ولهذا كانوا يتناولونه ليبقوا الليل كله واجسادهم تضج بالطاقة. لكن حينما اعرب المدنيون عن شكواهم منه وقالوا انه شيء خطر وخاطئ ان تعتصر اجساد الجنود بالمنشطات، بعد ان انكشف امر استخدامه، لم تجد هذه الشكوى من يهتم بها بين العسكر. فالانسان الذي لا يجد نفسه مضطرا لقضاء 14 ساعة متواصلة محلقا داخل طائرة حربية، او الذي لم يتوجب عليه الهبوط بقاذفة استراتيجية فوق شريط رملي غير ممهد جيد في صحاري الخليج الساعة 4 فجرا بدون انوار علي المهبط، او انسان يشعر بالحاجة لغرس اظافره في خديه للابقاء على نفسه مستيقظا على خط الجبهة، هذا الانسان لا يستحق ان يكون رأيه موضع اعتبار في حسابات الحرب، اما الرجال الذين كانوا يتناولون حبوب السرعة هذه، وهم الذين يعتد برأيهم كانوا ممتنين جدا لها. غير ان حرب افغانستان غيرت هذا الوضع، فمع تقدم جنود القوات الخاصة للقوات الغازية وشعور الجنود بمستويات غير معهودة سابقا من الاجهاد نتيجة تواصل العمليات ليلا في سياق العمليات الحربية الاطول، لم تعد 5 ملليغرامات من الديكسيدرين تكفي، وهكذا ضاعفوا الجرعة الى 10 ملليغرامات، لكن هذا لم يؤد سوى الى تعميق المشكلة، صحيح ان الجنود اصبحوا يستيقظون لساعات اطول، غير انهم اصبحوا يتعرضون لمعاناة اكبر. فالصداع اصبح يشق الرؤوس والغثيان يرهق الاجساد. احيانا، كان هؤلاء بعد العمليات غير قادرين على تناول الطعام ليوم كامل، وهكذا اصبح واضحا ان الوقت قد حان لتطوير حبة منشطة اخرى لكن احدا لم يعرف ما هي الانتظار لم يطل، اذ اكتشفوا وجود المودافينيل. ربما يكون البعض قد سمعوا بعقار مودافينيل، فهو دواء للاستيقاظ بمواصفات عظيمة، وقد كانت وكالة الاغذية والادوية الاميركية قد اعطت ترخيصا له مسبقا لعلاج فرط النوم المرضي «تحت اسم تجاري طبعا» كما يصفه الاطباء النفسيون لاضطرابات التركيز والاكتئاب، كما اعتاد بعض المهووسين بنجاحهم في الحياة العملية في تعاطيه لتجديد نشاطهم. لكن بخلاف حبوب السرعة، فهو لا يحقق للجسم مستويات عالية من النشاط او الحماس، وانما يقتصر مفعوله على ابقاء من يتعاطاه مستيقظا. كل هذا، يجعل من مودافينيل، سطحيا على الاقل، يبدو وكأنه الحل الامثل لمشكلة تعب ونعاس الجنود. كما ان فاعليته في القضاء على النعاس اكبر بكثير من فاعلية ديكسيدرين: 200 ميليغرام لا تفلح فحسب بالحفاظ على قوة الانتباه، بل تبقي الانسان في حالة استيقاظ ويقظة لمدة 40 ساعة واكثر. والمودافينيل ليس من صنف الامفيتامينات المنشطة واثاره الجانبية معروفة تقريبا، فبعد ليلتين من النوم الطبيعي الكافي يعود المرء طبيعيا وهكذا اصبح للجنود الدواء الاعجوبة. حتى الآن لا تعترف سوى بضعة وحدات باستخدامه مثل طياري لواء القوات الخاصة 160 التابع للجيش، غير ان الاخرين ياخذونه سرا. ويعود هذا الانكار على الاقل لمشكلة واحدة له وهي انهم لا يعرفون تماما طريقة عمله وتأثيره على الجسم، وكل ما يعرفونه انه يعمل وانه في مجاهل الدماغ البشري ينجح في مقاومة الارهاق والنعاس. وحتى شركة سيفالون الصانعة لمودافينيل والتي تسوقه تحت اسم بروفيجيل تعترف في موقعها على الانترنت: «ان العملية الدقيقة التي تتم بها فاعلية الدواء غير معروفة». وفي النهاية فان مسئولية اتخاذ القرار بتعاطي الدواء او الامتناع عنه تقع على كاهل الجندي نفسه، وهؤلاء الذين يأخذونه فعلا غير متشجعين لدخول جدالات بشأنه. الاطباء العسكريون يجهدون الآن لفهم مودافينيل على نحو افضل، والعلماء في احد المختبرات العسكرية كانوا يعملون بجهد كبير لتحقيق هذا الفهم. فبالنسبة للجنود، قد تعني 40 ساعة متواصلة من الاستيقاظ بدون تعب الشيء الكثير، غير ان هذا ليس كافيا للباحثين في مختبرات البحوث الدفاعية المتطورة في اميركا. فهؤلاء حصلوا على تفويض من وزارة الدفاع الاميركية للبحث عن طريقة تبقي الجنود مستيقظين لاسبوع او اكثر، وهم لا يريدون اي يحشوا الادمغة بالكيماويات التي تحقق هذا. كانوا يبحثون عن نوع اقل شدة في تأثيرها، شيء لا يتفكك او يتحلل بسرعة. كانوا يبحثون عن الوراثة. تقول وكالة البحوث الدفاعية المتطورة في موقعها على الانترنت: «ان العامل المعيق الاهم للعمليات الحربية والسيطرة العملياتية في المعركة هو المحارب». ولهذا بدأت مجموعة النوم في الوكالة بداية العام الماضي في اجراء مجموعة التجارب فانقسمت الى فرق لدراسة الطبيعة العضوية للفصائل الحية الاخرى بحثا عن اجوبة للسؤال عن كيفية مقاومتها للنعاس والارهاق. احد الفرق درس الطيور المغردة المهاجرة التي تستطيع البقاء مستيقظة حتى ثلاثة اسابيع من الطيران المتوصال. فيما ركز فريق اخر على اناث الدلافين التي تهجر النوم لعدة اسابيع بعد ولادة صغارها غير ان اهم هذه البحوث وعداً على صعيد النتائج هو الذي قام به فريق ذبابة الفاكهة. كان فريق ذبابة الفاكهة يتمتع بميزة على باقي الفرق ذلك ان العلماء كانوا قد انتهوا قبيل شروع البحث من رسم الخريطة الوراثية الكاملة لهذا المخلوق، وبعد مقارنتها بالخريطة الوراثية البشرية اعلن العلماء ان البشر وذباب الفواكه يشتركان بحوالي 60 في المئة من مورثاتهما. وكان هذا يعني ان العلماء اذا ما تمكنوا من التلاعب بمورثات ذبابة الفاكهة وانتزعوا من خريطتها المورثات التي تجعلها بحاجة للنوم، فستكون هناك فرصة طيبة لفعل الشيء نفسه للبشر. وهكذا بدأ الفريق بحوثه على مورثات ذبابة الفاكهة. على امل انهم بطريقة التكرار للاحتمالات المتناهية سيضعون يدهم على مورثة النوم هذه. يقول جيمس كارني مدير مشروع النوم في الوكالة: «الامر اشبه بالبحث عن ابرة في كومة قش. غير اننا عثرنا على هذه الابرة. لقد نجحنا في تحقيق ضربة فنية قاضية حيث انتخبنا حوالي عشرة آلاف نسخة مختلفة من ذبابة الفاكهة واصبح لدينا الآن ذبابة تستطيع السهر 24 ساعة متواصلة دون نوم ودون ان تتعرض لاي اضطراب سلوكي». غير ان وكالة البحوث الدفاعية المتطورة المشهورة بجرأتها «البعض يقول بتهورها» قد بدأت فعلا بالانتقال في هذه التجارب الى الثدييات. والفأر أكثر شبها وراثيا بالانسان من ذبابة الفاكهة «99 في المئة من التشابه» هكذا وضع كارني وعلماؤه بالتجارب على الخريطة الوراثية للفئران على امل تطبيق الاسلوب ذاته من الحل الوراثي لمشكلة النوم، واذا ما نجحوا في عملهم فسينتقلون الى الرئيسات. ويقول كارني: «لقد اعطينا جدول عمل لمدة اربع سنوات. لكن يجب ان نتخذ قرارنا بعد سنة فيما اذا كان هناك ضوء في اخر النفق من عدمه. اننا نراهن على الحصان الاسود. لدينا أسباب وجيهة لنزعم بأن حل مشكلة النوم يوجد هنا». عن «اسكواير»