السبت 14 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 15 فبراير 2003 يعيش واحد من اقدم احياء العاصمة الروسية موسكو حالة من اللغط الشديد بسبب الخطط الرامية لتحويل ساحة هادئة ووادعة الى حديقة ادبية نشطة تكريما لواحد من اشهر سكان الحي السابقين، وهو الكاتب الروسي ميخائيل بولفاكوف. وهذه الفكرة المثيرة للجدل بالنسبة للحي الراقي الهاديء التي تضم بركة البطريرك تأتي من مشروع يعده محافظ موسكو يوري لوجكوف وهو المتحمس للفنون والمتذوق للقطع الفنية الرخيصة. والفكرة التي اقرها المحافظ سرا العام الماضي تقضي بنصب 28 تمثالا تمثل شخصيات من أشهر انتاج بولفاكوف الادبي وهي رواية «المعلم ومارغريتا» حول الحديقة التي تعتبر رمزا للحنين الى موسكو القديمة. لكن حين تسربت اخبار المشروع وكلفته 5,4 ملايين دولار للاعلام العام الماضي، خرج سكان الحي في مظاهرات في الشارع وبدأوا حملة عرائض للاحتجاج عليه وفي احدى المرات حطم المتظاهرون ألواح البناء التي رفعها المهندسون استعدادا للبدء في اعمال التجديد في الحديقة. ويقول يفغيني بونيلوفيتش نائب رئيس مجلس موسكو البلدي ورئيس الحي: «من المؤسف رؤية عدد من مثقفي موسكو منزعجين الى هذه الدرجة للحد الذي دفعهم الى تحطيم الاسوار هذا يعني ان مسئولي العاصمة موسكو غير قادرين ابدا على اجراء حوار معقول مع هؤلاء الناس». ومؤخرا تحول برنامج حواري تلفزيوني الى ميدان سمع فيه الناس بعضا من اقسى العبارات والتعليقات على الهواء منذ مدة اذ فيه صرخ احدهم في المستمعين قائلا: «لماذا لا ينصبون هذه السخافات في مزرعة لوجكوف ويعفوننا من النظر اليها صباح مساء؟ حينما قالت اخرى: «انهم يحولون الجزيرة الخالدة التي نعيش فيها الى كرنفال مجنون، اننا لا نريده وحسب». وقد كانت دروب الساحة المحفوفة بالاشجار وبركة البط التي تحيط بها متاهة من الدروب الضيقة والمباني التي تعود الى القرن التاسع عشر شيئا حرصت اجيال الموسكوفيين على حمايته حيث يأتون اليها للتنزه صيفا وللتزلج شتاء، واصبحت المنطقة ارثا خالدا حينما جعلها بولفاكوف مسرحا لروايته الشهيرة «المعلم ومارغريتا» في العشرينيات من القرن الماضي، ورغم اعمال التحديث الكثيرة التي اجريت في العاصمة موسكو، فان ابناءها من المعمرين يقولون ان الساحة بما فيها بركة البطريرك لم تتغير من ايام بولفاكوف. في تلك الرواية السريالية وبسخريتها المعادية للستالينية والتي كتبها بين عامي 1928 و1940، يجوب شيطان اسمه ولاند هذه الدروب مغويا الناس نحو مصائرهم المحتومة الغريبة، والنبرة الدينية في الرواية ورمزيتها الغامضة اغضبت السلطات السوفييتة التي منعت نشرها طوال عقود ولم تسمح بنشر اعداد محدودة منها الا اواخر الستينيات. الرواية حافظت على جاذبيتها للقرار طوال هذه السنين، يقول الكسندر كونوفالوف مدير معهد التقديرات الاستراتيجية في موسكو: «هذه رواية تحمل في سطورها روح مدينة موسكو ونحن نعشقها فعلا، بالنسبة لسكان المدينة تمثل بركة البطريرك مكانا مقدسا واي خطة ترمي الى تغييرها لابد وان تكون شيئا مثيرا للجدل». رؤية المحافظ لوجكوف تهدف لاقامة «حديقة تماثيل» ضخمة في الحديقة ومن بينها تمثال ليسوع يمشي على الماء وتماثيل اخرى لاشكال الشيطان ومن بين هذه الصور قطة و«خادمات قليلات حياء» لا يرتدين سوى المريول حول ضفاف البحيرة، وهناك ايضا تمثال يرتفع 40 قدما لمدفأة كيروسين وردت في الرواية ستتحول الى محطة المضخات للبركة، كما تنتشر هنا وهناك تماثيل لشخصيات اخرى من الرواية. يقول اندريه يغيموف البروفيسور في معهد موسكو للهندسة المعمارية: «المشكلة الكبرى هي ضخامة هذه التماثيل ان هذا مكان صغير بطبيعة بشرية حميمية تتهادى حوله الدروب الضيقة ومثل هذا التصور لا يناسبه ابدا». غير ان ألكسندر روكافشنيكوف الفنان الذي تعاقد معه المحافظ لتنفيذ المشروع له رأي آخر: «بولفاكوف اويب معروف في كل العالم، فهل هذا يعني اننا سنسأل كل انسان عن رأيه في المشروع؟ لقد استشرنا مختصين في الامر واستمعنا لآرائهم، الامر اكثر تعقيدا من ان يفهمه اناس عاديون من سكان الحي». عن «كريستيان ساينس مونيتور»