السبت 14 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 15 فبراير 2003 انتهى البرنامج ليخرج فيصل القاسم، وهو اشهر الوجوه على التلفزيونات العربية، من الاستديو مع ضيوفه، لم يكن هناك جناح للضيوف في مبنى قناة الجزيرة، ولهذا طلب استخدام مكتب مدير التحرير لاستضافتنا وهو المكتب الذي بالكاد يتسع لثلاثة أشخاص، اذ ارادوا الجلوس مستريحين، ثم دخل احدهم علينا بالقهوة فتعثر من زحامنا وأراق قهوته على الارض. قبل وقت طويل من دخول قناة الجزيرة القطرية الفضائية ميدان الخبطات الاعلامية العالمية ببثها الحصري لمجريات الحرب في افغانستان وسلسلة الشرائط المسجلة لاسامة بن لادن، كان برنامج فيصل القاسم الاسبوعي الذي يبث في امسيات الثلاثاء والذي يحمل العنوان الدال «الاتجاه المعاكس» هو الذي يستقطب ملايين المشاهدين العرب. فيصل القاسم ليس من نوع النجوم فبنظاراته وشعره الممشط جانبا لاخفاء ما امكن اخفاؤه من صلعته يبدو محاضرا جامعيا اكثر منه وجها تلفزيونيا، كما ان نوعية برنامج «الاتجاه المعاكس» ليست من الصيغ التي تحكم بأن تجعلها اي قناة تلفزيونية واسطة العقد لبثها البرامجي فطوال 75 دقيقة يجلس فيصل القاسم خلف طاولة ملأى بالاوراق، فيما يخوض ضيفاه جدالا محتدما، غير ان هذا البرنامج ليس ايضا من نوع ما تصفه «بي بي سي» بأنه «استديو حوار» فالمتحاوران يمكن ان يتجادلا ويشيرا بأيديهما وان يحاول اخراج احدهما الآخر وفي بعض الاحيان تحدث انفجارات غضب بينهما، وفي غرفة الاخراج فوق الاستديو يعمل 5 أشخاص بهستيريا من السرعة لابقاء الايدي الملوحة ضمن الصورة. ويمكن للمشاهدين ان ينضموا عبر الهاتف او البريد الالكتروني، المكالمات لا تتم مراقبتها او تصفيتها قبل البث، ولا يوجد هناك فاصل زمني تأخيري للمكالمات حتى يمكن منع الكلمات المسيئة كل شيء حي على الهواء مباشرة، وكل شيء يمكن ان يحدث ـ وكثيرا ما يحدث، القاسم نفسه قال على الهواء مباشرة ذات مرة ان «القادة العرب اولاد حرام» طبعا استمرت القضية اسابيع قبل ان تهدأ. يقول القاسم ان سر نجاح البرنامج هو انه يحطم كل المحرمات العربية الرسمية عادة «اننا نناقش اكثر القضايا حساسية، سواء أكانت سياسية او دينية او اجتماعية او ثقافية او اقتصادية لقد كان اول من عرض حوارا ساخنا حول قضية العلمانية والاسلام. ويتابع «في السابق لم يكن بمقدور الانسان في العالم العربي ان يتحدث حتى عن اسعار السمك لان ذلك قد يصنف على انه تهديد للامن الوطني مادام للاجهزة الامنية علاقة بالامر». والمدى الذي تمضي اليه بعض السلطات للانتقام من هذا البرنامج الحواري يصيب المرء بالذهول حقا ففي مصر قامت السلطات هناك بسحب شقيق فيصل وهو مغن شعبي من شقته بملابس النوم جرى واخذه مباشرة لوضعه على متن طائرة متجهة الى الاردن. يقول القاسم: «في الجزائر يقطعون الكهرباء عن الناس حتى لا يستطيعوا متابعة البرنامج لاننا كنا نتحدث عن ضباط الجيش وكيف يبددون ثروات الجزائر». في عام الجزيرة السابع منذ تأسيسها بقرار من امير قطر لتكون اول قناة تلفزيونية عربية مستقلة اخبارية ومهتمة بالقضايا الراهنة، اكتسبت القناة شعبية تثير في النفس الحب والكراهية لها معا بالقدر نفسه تقريبا شعار الجزيرة المطبوع بالعربية على منشورات الجزيرة الترويجية هو «الرأي والرأي الآخر». غير ان هذا لم يحمها من ان يقول عنها النقاد انها قناة ابن لادن على الرغم من انها قامت بما لم تقم به قناة عربية اخرى، وهو الالتقاء بسياسيين اسرائيليين والآن فيما تصبح الحرب في العراق اقرب اخذ هؤلاء يلقبونها بقناة الرئيس العراقي. يقول محمد جاسم العلي مدير القناة: «نعم، نحن قناة ابن لادن وقناة الرئيس العراقي ونحن قناة «السي آي ايه» وقناة «الموساد» كل هؤلاء ما اعنيه هو اننا نتتبع الاخبار ـ والاخبار الآن تأتي من طرف الرئيس العراقي واميركا». لقد حققت الجزيرة لاسمها مكانا معترفاً به في الغرب، طبقا الى جانب قدر طيب من الارباح لبثها صور الحرب في افغانستان وتأمل في ان تحقق الشيء نفسه اذا اندلعت الحرب في العراق ففي افغانستان كانت الجزيرة هي القناة التلفزيونية الوحيدة المسموح لها بالعمل في كابول، غير ان الصراع على الخبطات الاعلامية هذه المرة قد يكون اصعب. يقول جاسم العلي: «منافسونا هم شبكات التلفزيون الاميركية ضمن الذي سيحصل على الصور الحصرية؟». على الرغم من مواردها الضئيلة يوجد للجزيرة 755 موظفا منتشرون في انحاء العالم في مقابل اربعة آلاف لشبكة سي ان ان، فانه يعتقد ان الجزيرة يمكن ان تكون صاحبة السيد الاعلى، «في العراق نحن نعرف لغة البلاد ونعرف عقليتها، من الاسهل علينا كثيرا لان نجد ما نتحدث عنه وان نتحرك هناك. كما ان شعبية القناة بين المواطنين العرب الى جانب المزاج المعادي لأميركا في المنطقة يمكن نظريا ان يوفر مدخلا افضل لها على الرغم من ان تغطية الحرب تعتمد اكثر بكثير على الحظ وعلى ان تكون في المكان المناسب في الوقت الصحيح. كما اجرت الجزيرة ايضا محادثات مع السلطات الاميركية والبريطانية حول فتح المنشآت امامها لتغطية الحرب من وجهة النظر الغربية مثلما تفعل مع وجهة النظر العربية وبعض مراسليها حصل على تدريب في برامج رسمية للتدريب على الحرب للصحفيين في الولايات المتحدة. يأتي هذا جزءا من تطور العلاقة مع الحكومات غير العربية التي بدأت بعد اقل من شهر على هجمات 11 سبتمبر بلقاء دام نصف ساعة مع رئيس الوزراء البريطاني في مقره الرسمي بلندن وكان بلير اول مسئول غربي يعترف بالقناة المثيرة للجدل كوسيلة لايصال رأيه مباشرة للمشاهدين العرب والمسلمين وسرعان ما لحق به مسئولون اميركيون مثل كوندوليزارايس ودونلد رامسفيلد مع ان ظهورهما على الشاشة اتى متوازنا بصور او تعليقات معادية. وفي الحرب المتوقعة فيما قد تحافظ الحكومات العربية على صحتها فان الولايات المتحدة وبريطانيا ستدافعان عن دعواهما امام الملايين من مشاهدي الجزيرة في كل فرصة تسنح لهما. على امل تحقيق انطلاقة قوية اخرى في العراق، سافر جاسم علي والقاسم الى بغداد قبل اسابيع، سعيا وراء اجراء مقابلة مع الرئيس العراقي ورغم الشائعات التي تقال عن رش زائري الرئيس بالمطهرات من الجراثيم وتوجيه التعليمات اليهم بعدم مصافحته فان الرئيس العراقي لم يكتف بمصافحة جاسم علي والقاسم بل واحتضنهما ايضا وقال لهما: «انكما تثيران الكثير من المشكلات لكن هذا امر طيب». غير ان الرئيس لم يعطهما مقابلة تلفزيونية فبعد 15 دقيقة من التصوير غير الرئيس رأيه واستمر حديثهما لساعتين بدون كاميرا، وقيل انه اعطاهما خلالهما نصائح بخصوص البقاء السياسي وقال: «يستطيع المرء دوماً ان يستفيد من الاستماع للناس. ان راعيا يسوس بضع عنزات بامكانه اعطاء الافكار استمعوا للناس. ان اي زعيم لا يستمع للناس سيخسر السلطة». الى جانب كونها تعرضت لهزيمة على يد توني بن الذي ربما يكون هو من ضمن اجراء اخر لقاء تلفزيوني مع الرئيس العراقي تواجه الجزيرة مصاعب عملياتية فمكاتبها في الكويت والاردن اللتين تعتبران محورا مهما في أي حرب ضد العراق ـ اغلقت بقرارات من السلطات فيها وسعد العنزي مدير مكتب الجزيرة في الكويت يتجول الآن في غرفة الاخبار بمبناها في قطر ويبدو كأنه تائه نوعا ما فهو ممنوع من الحديث الى وسائل الاعلام، غير ان احد زملائه هناك يقول منزعجا: «دائما ما تفعل هذه الاشياء الدول التي يفترض انها ليبرالية». لقد حدث هذا عدة ايام مما يجعل جهاد بلوط رئيس قسم العلاقات الاعلامية يعترف بانه يستطيع الآن ان يتنبأ متى سيواجه قرار اغلاق، في البداية تبدأ الحكومة المعنية ببث قصص كاذبة عن الجزيرة في الصحف المحلية، ثم تبدأ اجهزة الامن بتعقب المحررين ويتعمدون اظهار انهم يفعلون ذلك. والى جانب مواجهتها عداء الحكومات العربية، تخشى الجزيرة الآن مما سيفعله الاميركيون في العراق فخلال الحرب الافغانية اصابت قنبلتان اميركيتان، يفترض انهما ذكيتان، مكتبها في كابول والكثيرون يتشككون في ان الحادث لم يكن صدفة فقد وقع في لحظة حاسمة قبل ساعتين من اجتياح التحالف الشمالي للمدينة. يقول جاسم العلي: «لقد وضعنا كاميرات على السطح لتغطية كل كابول حينما يحتلها التحالف الشمالي لاحقا، ارسلنا رسالة للبنتاغون نسألهم عن سبب قصف مكتبنا في كابول، فكان الرد ساخرا بقولهم انهم لم يكونوا يعرفون ان لدينا مكتباً في المدينة لقد كان مكتبنا هو المصدر الوحيد للمعلومات الصادرة من هناك باستثناء «السي آي ايه». لكن الجزيرة لن تترك مثل هذه الامور تحدث يقول جاسم العلي: «لقد اعطينا الاميركيين اسماء منسقينا في بغداد كما اعطيناهم شيفرة ارسالنا الى الاقمار الصناعية سنحاول اعطاءهم كل المعلومات عن اماكن وجودنا في بغداد بحيث لن تكون لديهم اعذار لقصفنا غير اننا قلقون مع ذلك». ان تغطية جيدة الحرب في العراق بالنسبة للجزيرة ليست مسألة تميز صحفي فحسب، بل هناك اعتبارات مالية ايضا فالمحطة كانت قد اسست بقرار من امير قطر، غير انها مطالبة الآن بتغطية مصاريفها وبيع الصور التلفزيونية الى المحطات الاخرى خلال الحرب في افغانستان قد ساعد في الحفاظ على توازنها وهي بحاجة لأي دخل مادي قد تحصل عليه من تغطية الحرب في العراق اذا ما حدثت. واحدى مشكلات الجزيرة المهمة هي انه على الرغم من نصيبها الكبير من المشاهدين الا ان بعض اهم المعلنين يمارسون ضدها نوعا من المقاطعة غير المعلنة يقول جاسم علي: «ان الاعلانات في الدول العربية لا تعتمد على معايير تجارية بقدر اعتمادها على معايير سياسية» ومع انه لم يقدم تفاصيل اكثر عن هذه النقطة الا ان الآخرين يشيرون الى بعض الخطوات التي قام بها مجلس التعاون الخليجي ضد القناة. وعلى الرغم، ان هذا الموقف من قناة الجزيرة ناجم عما تقدمه من مضمون في برامجها فان علاقتها بالحكومة القطرية، وعلى الرغم من انها موضوعة وفق المعايير التي تجمع شبكة بي بي سي بالحكومة البريطانية، تجعلها هدفا سهلا ينتقده الجميع في خضم المهاترات بين حكومات المنطقة. ومن بين مصادر الدخل المهمة للقناة علامة الجزيرة التجارية وربما هي اهم واثمن علامة تجارية في الشرق الاوسط، وقد قيل بعض الكلام عن تقديم شركة تبغ لعرض بتسويق سجائر تحمل اسم الجزيرة غير ان الفكرة لم ترق للمسئولين فيها يقول بعض مسئولي التسويق فيها ربما يكون تسويق نظارات شمسية باسم الجزيرة خيارا افضل. المقر الرئيسي لقناة الجزيرة صغير جدا فذلك المبنى الصغير أزرق السقف في الدوحة تقزمه حتى اشجار النخيل المجاورة واطباق الارسال الفضائي وشبكات البث وقد قال الرئيس المصري حسني مبارك متعجبا حينما رأى المبنى بدافع الفضول: «كل هذه المشكلات تخرج من علبة الكبريت هذه». غرفة الاخبار الرئيسية التي تحتوي 70 طاولة للموظفين، لا تزيد ابعادها على 15 مترا في 15 مترا، وعلى الجدار في صدر القاعة بين شاشات التلفزيون، ولأسباب غير معروفة، تعلق خريطة ضخمة للعالم تعود للقرن الثامن عشر تنقصها الانحاء التي لم تكن مكتشفة بعد من كندا واستراليا. وفي غرفة المدير العام تصطف حوالي خمسين جائزة تلفزيونية على النوافذ وهي شهادة على انجازات تلفزيون الجزيرة على مدى السنوات السبع الماضية في مقابل ضعف القنوات التلفزيونية العربية الاخرى للاسف. غير ان جاسم العلي المدير العام لا يضع نصب عينيه ابدا منافسيه العرب. فعلى الجدار وداخل برواز توجد مقالة نشرت على غلاف «الغارديان» تعود الى ايام حرب افغانستان يقول عنوانها الرئيسي: «من يحتاج الى سي ان ان؟». ويأمل جاسم العلي ان قناته ستطلق قريبا اواخر هذا العام او اوائل عام 2004 قناة تلفزيونية باللغة الانجليزية لتنافس الهوامير الكبار في العالم، «ليس ترجمة فقط، بل قناة كاملة باللغة الانجليزية بمقدمين ومراسلين ناطقين بالانجليزية عسى ان يردموا الهوة بين الشرق والغرب». ويقول ان الاميركيين لا يشاهدون سوى رؤية واحدة للأحداث «ما سنحاول فعله هو تقديم منظور آخر». انها خطوة طموح ـ وربما مفرطة في الطموح ـ تلك التي ستضع الجزيرة الصغيرة في مواجهة العمالقة من امثال سي ان ان وبي بي سي واي بي سي وفوكس وغيرها وربما تجد القناة ان عليها ترويض عنادها في سياقها. اتى من يمسح القهوة المراقة على ارض مكتب مدير التحرير واخذ ضيفا برنامج «الاتجاه المعاكس» اللذان كانا قبل دقائق يبدوان على وشك تحطيم الاستديو على رأسي احدهما الآخر يتحدثان بطريقة ودية ويبتسمان طيب لماذا لا يستطيعان التحدث الى المشاهدين بهذه الطريقة كما يفعلان الآن؟ يقول فيصل القاسم: «عندما تواجه الكاميرا تأخذك روح البرنامج اعتقد ان احد عوامل نجاح البرنامج هو طريقة المواجهة فيه لقد اعتدنا في عالمنا العربي ان نتحدث بالسياسة بطريقة الخائفين والمراقبين والآن لأول مرة، نستطيع ان نرفع اصواتنا ونصرخ فلماذا لا نفعل ذلك؟ بقلم: بريان ويتيكر _ ترجمة: جلال الخليل عن «غارديان»